السبت، 25 أبريل 2026

10:44 م

رشدي الدقن

الست "إستر"

تخيل معي هذا المشهد.. فتاة مسيحية من صعيد مصر، تُعلّق الصليب في رقبتها، ولا ترتدي غطاءً على رأسها، تدخل المسجد وتصعد إلى المنبر وتخطب في الناس.

والآن تخيّل أن هذا المشهد قد حدث بالفعل منذ أكثر من مئة عام، في أحد مساجد القاهرة.. هذه الفتاة المصرية الأصيلة اسمها "إستر فانوس"، وقد وقع هذا الموقف عام 1919، حين خرج الناس خلفها يهتفون ضد الإنجليز ويطالبون بالحرية وعودة سعد باشا زغلول.

اسمحوا لى اليوم أن  أحكي لكم قصة " إستر فانوس"، الفتاة الصعيدية الشجاعة، التي سمعت مكرم عبيد باشا يروي لوالدها في منزلهم بأسيوط ما حدث مع الوفد المصري برئاسة سعد باشا زغلول، الذي سافر للمطالبة بالجلاء، وكيف تم رفض الطلب، وبعدها تم نُفي سعد زغلول  ورفاقه عقابا لهم على المطالبة بحرية مصر .

وكان من نتيجة النفى اشتعال  الثورة في القاهرة، وما إن سمعت  "إستر " القصة حتى قررت على الفور السفر إلى القاهرة والمشاركة في ثورة 1919 ، ولم يتردد والدها، الذي ربّاها على حب الوطن، في الموافقة.

في القاهرة، انضمت إلى صفية زغلول وهدى شعراوي، وأصبح دورها حث السيدات على  الخروج للمشاركة في ثورة 1919، لأول مرة في تاريخ مصر، ولا يقل عن دور "إستر فانوس" فى هذه الثورة عن دور هدى شعراوى وصفية زغلول وإن كانت لم تنل  شهرتهما الواسعة.

كانت "إستر فانوس" الشعلة الأولى وشرارة انطلاق مشاركة المرأة المصرية في الثورة، للدفاع عن وطنها والمطالبة بالاستقلال... قادت المظاهرات، وخطبت في المساجد، ووهبت حياتها كلها لمصر. 

لم تخف من رصاص الإنجليز، ولا من الاعتقال أو التنكيل أو السجن، بل كانت تفكر دائمًا في كيفية كسب تعاطف العالم مع القضية المصرية. 

وكتبت خطابًا إلى الرئيس الأمريكي ويلسون، قالت فيه: «أرسلنا أربعة رجال للقتال في المعركة – وتقصد سعد زغلول ورفاقه – وإذا تطلب الأمر سنرسل أربعمائة، وقد يصل العدد إلى أربعة آلاف أو أربعة ملايين من أجل تحرير هؤلاء الأربعة فقط»، ووقّعت على الرسالة مع صفية زغلول وهدى شعراوي.

كانت "إستر فانوس" العقل المدبر لتحركات المرأة في الثورة، وقادت مظاهرات حاشدة في شوارع القاهرة... ومع تزايد مشاركة النساء، ولتنظيم هذا الدور واستمراره، شكّلت مع هدى شعراوي وصفية زغلول لجنة لتمثيل النساء تعمل مع حزب الوفد... وعُقد أول اجتماع لهذه اللجنة في كنيسة القديس مرقس، حيث تم انتخاب هدى شعراوي رئيسة للجنة، وإستر أمينًا عامًا... ووقفت هدى شعراوي تخطب في الكنيسة، كما خطبت إستر في المسجد، ولم يعترض أحد، بل قوبلت بحفاوة كبيرة واستجابة أوسع للمشاركة.

السؤال الآن .. هل توقّف دور إستر  عن آداء دورها الوطنى بعد انتهاء ثورة 1919؟

الحقيقة أن  من يحبون هذا الوطن ويضحّون من أجله لا يمكن أن يتوقفوا، بل يظلون دائمًا جنودًا في خدمته، لا ينشغلون إلا به... لذلك، وبعد عودة سعد زغلول، واصلت " إستر فانوس " نضالها من أجل حقوق المرأة، وشاركت مع مجموعة من السيدات في تأسيس الاتحاد النسائي المصري، الذي هدف إلى الارتقاء بدور المرأة في المجتمع، ونشر الوعي والثقافة بقضايا الوطن، وتشجيع النساء على المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية.

"إستر فانوس"، المولودة في أسيوط عام 1895، لا يقل دورها في ثورة 1919 عن دور هدى شعراوي وصفية زغلول... وهي واحدة من الشخصيات التي يجب أن تُعلّق صورها في كل مكان، وأن نُدرّس لبناتنا وأبنائنا قصتها، وحبها للوطن... فقد ظلّت تعمل من أجل المرأة وقضايا وطنها حتى لاقت ربها عزيزة النفس في 28 أغسطس 1990.

title

مقالات ذات صلة

الست "فرحانة"

20 أبريل 2026 02:19 م

الست " كوكب"

18 أبريل 2026 04:29 م

الست خديجة

12 أبريل 2026 01:56 م

الست "نظيرة"

05 أبريل 2026 02:54 م

search