الثلاثاء، 28 أبريل 2026

12:39 ص

د. دعاء عبد السلام

ضد تطبيق الخُلع، حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة تهدد الأسرة

لم يكن الزواج يومًا مجرد عقد قابل للفسخ عند أول عثرة، بل مؤسسة اجتماعية وأخلاقية تقوم على الصبر، والتفاوض، ومحاولات الإصلاح قبل الوصول إلى النهاية. ومن هنا يأتي اعتراضي على التوسع في تطبيق الخُلع، ليس إنكارًا لوجود حالات تستدعي الإنصاف، ولكن رفضًا لتحويل إجراء استثنائي إلى ثقافة اجتماعية عادية.

الخُلع حين شُرِّع كان مخرجًا لحالات الضرر واستحالة العِشرة، لا بابًا سريعًا لإنهاء الزواج عند الخلافات المعتادة التي لا يخلو منها بيت. لكن ما نراه أحيانًا هو انتقاله من “حل اضطراري” إلى “خيار أول”، وهذا التحول في ذاته يستحق المراجعة.

اعتراضي على تطبيق الخُلع بصورته المتوسعة اليوم ينطلق من عدة مخاوف:

أولًا: إضعاف فكرة الإصلاح الأسري
حين يصبح الانفصال أسرع من المصارحة، وأيسر من العلاج الأسري، نخسر ثقافة الترميم لصالح ثقافة الهدم. كثير من الزيجات لا تحتاج نهاية، بل تحتاج دعمًا ومهارات ووساطة رشيدة.

ثانيًا: تحويل الزواج إلى علاقة هشة
إذا ترسخت فكرة أن الخروج من العلاقة هو الرد الأول على الأزمات، يصبح الالتزام نفسه هشًا، ويتحول الزواج من ميثاق إلى تجربة قابلة للإلغاء السريع.

ثالثًا: الأثر الممتد على الأطفال
في كثير من الحالات، يدفع الأبناء الثمن النفسي والاجتماعي الأكبر. أي نقاش عن الخُلع لا بد أن يضع مصلحة الطفل في قلب المشهد، لا على هامشه.

رابعًا: تسويق الخُلع بوصفه دائمًا انتصارًا للمرأة
وهنا موضع الاعتراض الأهم: ليس كل انفصال تحررًا، وليس كل خروج مكسبًا. أحيانًا تُدفَع المرأة إلى قرارات انفعالية تحت شعارات براقة، ثم تواجه وحدها أعباء اقتصادية ونفسية واجتماعية لم تكن محسوبة.

أنا ضد تطبيق الخُلع حين يُطرح كحل جاهز، وضد تحويله إلى ثقافة، وضد تقديمه كعنوان للتحرر النسوي. لأن تمكين المرأة لا يكون دائمًا بتفكيك الأسرة، بل أحيانًا بحمايتها وإصلاحها.

هذا ليس دفاعًا عن زواج مؤذٍ، ولا دعوة لبقاء امرأة في علاقة ظالمة، وإنما دعوة لإعادة ترتيب الأولويات: الإصلاح أولًا، العلاج قبل القطيعة، والنجاة عند الضرورة الحقيقية لا كخيار متعجل.

الخُلع، حين يخرج من دائرة الاستثناء إلى الاعتياد، يصبح سؤالًا مجتمعيًا لا مجرد إجراء قانوني. ومن حقنا أن نسأل: هل نحمي المرأة؟ أم نُدخلها أحيانًا في فخ يُقدَّم لها على أنه خلاص؟

ولهذا… أنا ضد تطبيق الخُلع حين يتحول من علاج استثنائي إلى مشروع اجتماعي..

search