الأحد، 03 مايو 2026

07:10 م

رشدي الدقن

في ذكرى ميلاده.. سر عبقرية توفيق الدقن التي جعلته فيلسوفا

عبقرية "توفيق الدقن" كما رصدتها في كتاب (توفيق الدقن العبقري المظلوم حيا وميتا).. لا يمكن أن نوجزها في تلك اللزمات والإفيهات التي تلقى رواجًا كبيرًا بين جموع الجماهير والمنتشرة بكثافة حتى اليوم على “يوتيوب” وتزاحم عمالقة الكوميديا، وكأنها صالحة لكل زمان ومكان.

الأمر لم يكن يتطلب خفة ظل فقط، بل قدرة على التواصل مع الجماهير وفهم جيد لرغباتهم ومدى استيعابهم لما سيلقى عليهم دون أن يخطئ الهدف مرة.. ففي كل مرة تصبح "اللزمة" هي الأبقى.. فأبدا لم تكن اللزمة مدعاة للملل أو الضجر مع كثرة المشاهدة.

ما هذه العبقرية التي جعلت من توفيق الدقن فيلسوفا حقيقيا خبيرا في أحوال الناس والحياة.. يمتلك كاريزما وحضورا مكناه من الانقضاض على أدواره كافة.. وبلغ ذروة الإبداع في تجسيدها، ابتلع كل من وقف أمامه مهما علا شأنه ونجمه، لم يحل بينه وبين الابداع شيء، امتلك مفاتيح التميز، صال وجال وفرض شخصيته الآسرة دون منازع، تصدى للعديد من الأدوار المتميزة حتى عندما حاولت السينما الاستهلاكية استهلاكه وبرع في ترك بصمته.

من صرخة الميلاد.. بدأت حكاياته الأسطورية.. فبدلا من إثبات تاريخ ميلاده فى 3 مايو 1923 .. شهادة ميلاده خرجت تحمل 3 مايو 1920.

أما السبب فهو غريب ونادر وقد لا يتكرر.. الأب هو أمين محمد أحمد الشيخ الدقن من رجال الأزهر الشريف.. كان لديه ابن أكبر يحبه جدا اسمه توفيق.. رحل عن الدنيا وعمره 3 سنوات.. وقتها لم يستخرج شهادة وفاة.. فالست "زكية الدقن" حامل في الأشهر الأخيرة وقد يأتي المولود ذكرا فيكون توفيق بدلا من توفيق.. أيام قليلة وجاء توفيق الثاني.. فلم يعد الأب في حاجة لاستخراج شهادة ميلاد جديدة.. سيظل المولود بنفس الاسم ويعيش عمره دائما زائد 3 سنوات.

ويظل هو نفسه يسخر دائما من هذه الواقعة ويقول: “أنا عايش حياتي بدل فاقد، وفيه 3 سنين من عمرى ما عشتهمش”.

صغيرا كانوا يطلقون عليه "الشيخ توفيق" ، هذا اللقب الذي لازمه منذ كان في السادسة من عمره بعد أن حفظ كتاب الله وامتلك صوتا جميلا يقرأ به القرآن إضافة لموهبة ربانية أخرى، فقد كان الجميع يتعامل معه على أنه مكشوف عنه الحجاب.

يشعر بأشياء قبل أن تحدث، ومن يفقد شيئا يذهب إليه ليسأله أين يجدها، كان يصمت قليلا ثم يقول له أن يبحث في مكان محدد، وللغرابة كانوا يجدون المفقودات في الأماكن التي يحددها حتى لو لم يكن قد زارها من قبل.

في مذكراته ايقول توفيق الدقن بنفسه: "حتى سن العشرين لم أكن أعرف شيئاً عن الفن، ولم أكن حتى قد دخلت السينما في حياتي أو اختلطت بفنان.. إذ كنت متفرغاً تماماً للرياضة، حيث كنت ملاكماً مشهوراً ولاعب كرة يشار إليه بالبنان.. إلى أن شاءت الظروف أو لنقل «الصدفة المحضة» أن أصبح بين غمضة عين وانتباهتها ممثلاً.

كنت في ذلك الوقت طالباً بمدرسة المنيا الثانوية، وكنا نجري تدريباتنا الرياضية في نادي الشبان المسلمين هناك، وفي أحد الأيام كنت قد انتهيت من التمرين بالملعب ودخلت بملابس التمرين إلى صالة النادي، فوجدت الفنانة "روحية خالد" تجلس مع مجموعة من أعضاء النادي وهم أعضاء فريق التمثيل، وما أن رأتني داخلاً، حتى أشارت إليّ وصاحت «أهو ده اللي يصلح للدور».

وكان من عادة النادي في ذلك الوقت أن يقيم في كل عام مهرجاناً فنياً كبيراً تقدم خلاله مسرحية، وكانت كل الترتيبات قد أعدت والبروفات قد انتهت على المسرحية المزمع تقديمها، وكان موعد المهرجان في الليلة نفسها.. لكن القدر شاء أن يسقط بطل المسرحية مريضاً بحمى يطلق عليها حمى «الدنج» كانت متفشية آنذاك، فوقع الجميع في حيرة شديدة من يحل محل البطل المريض.. الفنان عبد العزيز خليل والذي أصبح فيما بعد أول مؤسس لنقابة الممثلين وكان أول نقيب لها - أشهر أدواره "المعلم إبراهيم" في فيلم “فتوات الحسينية”.

ولم يكن لديّ أدنى فكرة عما حدث عندما دخلت صالة النادي عصر ذلك اليوم.. ولذلك دهشت دهشة شديدة عندما سمعت جملة الفنانة روحية خالد - التي أعتبرها أستاذتي في فن الإلقاء- وضحك مخرج المسرحية وقال لها: «ده رياضي وليس له في فن التمثيل»، لكنها أخذت على عاتقها مهمة إقناعي وتدريبي على أداء الدور، وفعلاً تمكنت من إقناعي وحفظت الدور في ثلاث ساعات فقط.

وفي المساء، عندما ظهرت على خشبة مسرح سينما «بالاس» بالمنيا فوجئت بعاصفة شديدة من التصفيق، وشعرت لحظتها بشعور غريب جداً، ليس لتصفيق الناس لي، فقد كنت معتاداً على هذا التصفيق وأكثر منه في الملاعب، ولكن لاختلاف نوعية هذا التصفيق فالناس تصفق للاعب في الملعب كحصان يكسب السباق، أما على المسرح فالناس تصفق للممثل على أنه روح، على أنه كيان إنساني، فتصفيق الناس هنا يؤثر في الوجدان.

المهم انتهت الحفلة في تلك الليلة على خير ونجحنا نجاحاً باهراً، ولكن لم أتعلق بالتمثيل حتى انتهت دراستي الثانوية، وانتقلت أسرتي للقاهرة والتحقت بالعمل في مصلحة السكة الحديد، التي كان من أسباب قبولي موظفاً بها أنني كنت لاعب كرة ممتاز .

في عام 1946 بدأ الإعلان عن افتتاح أول معهد للتمثيل، وقالت مجموعة من أصدقائي أمثال سعد أردش وعبدالمنعم مدبولي وإبراهيم سكر ومحمد الطوخي والمرحوم الفنان صلاح سرحان: لنتقدم إلى المعهد.. فقدمت أوراقي معهم في الدفعة الأولى.. ولكن الأستاذ زكي طليمات عميد المعهد كانت له وجهة نظر خاصة في اختيار الطلبة، إذ كان يرغب في تدعيم المعهد بمجموعة معينة من الهواة ممن مارسوا المهنة فعلا.. المهم كانت النتيجة أننا جميعاً رسبنا في امتحان القبول.

ملحوظة على هذا الجزء من المذكرات: "توفيق الدقن" بأخلاق عالية وسمو عن الصغائر.. يتجاهل تماما خلافه مع نجيب الريحاني في أول مرة تقدم فيها إلى المعهد.. فالثابت أن نجيب الريحاني وقتها هو من سخر من الاسم، وقال له «إيه الدقن دي»، فرد عليه فورا «وإيه الريحاني دي» ، وثار الريحاني وقال للجنة "ده جاي يعاكس البنات.. فرحان لي بشعره المسبسب.. وأنا شوفته بيعاكس البنات بنفسي.. ده باين عليه واد لعبي معجب بشعره.. وفاكر التمثيل هلس في هلس، وأقنع الحضور بعدم قبوله وأنه لو بيحب التمثيل سيتقدم إلى المعهد في العام التالي.

وظنت اللجنة فعلا أنه متعال وغير جاد وجاء لمعاكسة الفتيات، فرسب في الاختبار.. وفي المرة الثانية رغم أن توفيق الدقن ذهب بعد تلقي تلغراف من زكي طليمات ولم يختبر ودخل المعهد دون أداء الامتحان إلا أنه – زكي طليمات- تعمد السخرية من الاسم مرة أخرى.. وعندما غضب توفيق الدقن قال له: أنا بختبر جديتك وعايزينك معانا في المعهد.. انتهت الملاحظة.

ويكمل توفيق الدقن في مذكراته: وفي العام التالي عاود زملائي تقديم أوراقهم، ولم أقدم أنا، والنتيجة أنهم رسبوا للمرة الثانية.

وفي العام الثالث قدموا أيضاً وأصررت أنا على عدم تقديم أوراقي، إذ كنت قد حزمت أمري على التفرغ للرياضة تماماً.. كما أنني كنت قد شرعت في إتمام تعليمي العالي، لكن في يوم امتحان القبول فوجئت ببرقية من الأستاذ زكي طليمات يقول فيها «احضر الخامسة مساء بمسرح الأزبكية ومعك 6 صور 6×9» فدهشت لكنني صممت على خوض التجربة، وفي الخامسة مساء كنت بالمسرح، ودخلت على لجنة الامتحان فوراً، وكانت مكونة من الأساتذة: زكي طليمات، يوسف وهبي، جورج أبيض، أحمد علام، حسين رياض، دكتور إبراهيم سلامة، ونجيب الريحاني، ولم أكن قد أعددت شيئاً للامتحان، وعندما وقفت أمام اللجنة سألني الأستاذ زكي عن اسمي فقلت: توفيق الدقن.. فظل يضحك وينكت هو وأعضاء اللجنة على كلمة - الدقن- حوالي ربع ساعة حتى غضبت، وقلت له: «أنت جايبني هنا عشان تهزأني» فاحترم غضبي، وسألني: «أنت قدمت أوراقك أول عام ولم تتقدم بعد ذلك.. لماذا»؟ فقلت له «لأني خلاص مش عاوز تمثيل» فقال لي: «لكن أنا عاوزك» ، وقبلت في المعهد وكنت أول طالب يدخل المعهد دون امتحان، بعد رسوبه في امتحان سابق، وبعد ذلك بدأ اختلاطي بالممثلين، وإحساسي بفن التمثيل كفن عظيم فأخذت أنصرف عن الرياضة وعن كل شيء عداه.

ويتابع الفنان الكبير قائلا: أثناء دراستنا بالمعهد كنا كثيراً ما نقوم بأداء الأدوار الثانوية في الأفلام، وكانت الفنانة الكبيرة فاتن حمامة طالبة معنا في المعهد، وعندما عرض عليها بطولة فيلم «أموال اليتامى» من إنتاج قاسم وجدي وإخراج جمال مدكور ، كان هناك دور صغير جداً لا يتعدى مشهداً واحداً ورشحتني فاتن لأداء الدور، وقبل المخرج.

وفي اليوم المحدد للتصوير ذهبت للاستوديو، وظللت من الساعة العاشرة صباحاً حتى السادسة مساء وأنا أذاكر الدور وأحفظ الحوار، ثم طلبوني للتمثيل ففوجئت بأن الذي سأمثل أمامه هو الفنان الكبير الأستاذ محمود المليجي، الذي كان يمثل دور ابن الباشا الإقطاعي الفاجر، الذي يحاول اغتصاب «أختي» فاتن حمامة.. وكان دوري أن أمسك فأساً وأندفع من وسط أهلي لأدافع عنها، وقمنا بإجراء بروفة على المشهد وبدأ التصوير.. وفي وسط المشهد وجدت الفنان محمود المليجي وقد سلّط عليّ عينيه الناريتين، وفجأة ضاع من رأسي كل الكلام الذي ظللت أحفظه 8 ساعات متواصلة، وتكهرب الجو، وراح المخرج يصرخ ويسب..

وهنا قطع الأستاذ محمود المليجي التمثيل بحجة أنه متعب ويريد أن يتناول بعض الطعام في البوفيه.. وبعد قليل حضر إليّ أحد العمال وقال لي: «كلم الأستاذ المليجي» فذهبت وأنا أرتجف، فإذا به يستقبلني بهدوء وحنان وأجلسني معه إلى الطاولة وسألني: هل تناولت طعاماً طوال اليوم؟.. فأجبته بالنفي.. ثم سألني، هل تدخن؟ فهززت رأسي بالإيجاب فأعطاني سيجارة وطلب لي طعاماً وفنجاناً من القهوة، وأحسست في هذه اللحظة أن هذا الفنان يشعر بكل خلجة من خلجات نفسي قبل أن أفصح عنها، ثم طلب مني في هدوء أن نراجع الدور سوياً فراجعناه، فقال لي «أنت كويس خالص أهه.. يالله بينا نمثل المشهد».

وفي الطريق إلى البلاتوه لف ذراعه حول كتفي وقال لي: سأقول لك كلمتين اجعلهما دستور حياتك، أنت تتعلم في المعهد خلال سنوات كيف تفهم وكيف تحس بالدور، وأنا أقولها لك في كلمتين، انظر إلى الدور وافهم ما فيه، فإذا ارتبكت في بعض كلمات الدور أمام الكاميرا فقل غيرها بنفس معناها، ولكن لا تتوقف أبداً أمام الكاميرات.. ومنذ ذلك اليوم أصبحت كلمات الأستاذ المليجي صراطاً أسير عليه في حياتي.

وفي مذكراته التي نشرتها دار "ريشة" للطباعة والنشر تحت عنوان "توفيق الدقن.. العبقري المظلوم حياً وميتاً"، كشف أن الإذاعة هي بداية الشهرة والنجومية الحقيقية لتوفيق الدقن، ورسمت طريقه كشرير عتيد الإجرام. وبالفعل قمة أدوار الشر والبلطجة في مسلسل "سمارة" مع المتألقة سميحة أيوب والمخرج يوسف الحطاب في دور المعلم سلطان، وبعدها هاجمه الشيخ عبد الحميد كشك واتهمه بإفساد أخلاق الشباب، خاصة والجميع وقتها كان يردد أول إفيهاته الشهيرة "استر يا اللي بتستر".

وقال توفيق الدقن وقتها: كانت صدمة كبيرة أزعجتني حين هاجمني الشيخ عبد الحميد كشك في إحدى خطبه وقال: اللغة السيئة التي تجتاح الشارع اليوم واللي تودي في داهية.. اللغة بتاعة توفيق الدقن اللي بوظت العيال وفسدت الأخلاق.. مع أني لا أفسدت أخلاقاً ولا قدمت طوال حياتي ما يفسد الأذواق.. وقتها نصحني كثيرون باللجوء للقضاء لكني فضلت الصمت واعتبرت ما قاله رأياً خاصاً به.. وزكاة عن صحتي وحسنات جاءت لي من حيث لا أحتسب.

المثير أن توفيق الدقن بعد النجاح المبهر لمسلسل "سمارة" كان هو الوحيد الذي لم يستفد بشكل كافٍ من المسلسل والنجاح.. نعم جاءته الشهرة وبات صوتاً معروفاً.. لكن ما حققه من نجاح ربح منه آخرون مبالغ خرافية.

يقول الدقن: في منتصف الخمسينيات الإذاعة عملت مسلسل إذاعي اسمه "سمارة" بطولتي مع سميحة أيوب ومحسن سرحان، ومن أول حلقة حقق المسلسل نجاحاً ساحقاً ماحقاً، لدرجة أن الشوارع كانت تبقى فاضية وقت إذاعة المسلسل - الساعة الخامسة والربع مساء - والمحلات اضطرت تتأخر في مواعيد فتحها نصف ساعة حتى تنتهي حلقة المسلسل.. والمقاهي مزدحمة والجميع منصت للراديو في انتظار الحلقة.

نجاح المسلسل وصل تأثيره إلى البنوك التي كانت وقتها تفتح أبوابها ثلاثة أيام فترة مسائية، واضطر مديري البنوك يلغوا العمل بهذا النظام لأن الموظفين يجلسون لا يفعلون شيئاً.. فالناس تعمل على الانتهاء من أعمالها سريعاً وتذهب لبيوتها كي تتابع ما فعله "سلطان وسمارة" ولما لاحظ المديرون أن لا أحد من العملاء يدخل من باب البنك في الفترة المسائية أصدروا قرارهم بإلغاء النظام والاكتفاء بالفترة الصباحية.

حالة النجاح الكبيرة هذه جعلت الإذاعة تفكر في إعادة الحلقات صباحاً، لكن الصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد القومي وقتها رفض "خوفاً من تعطل العمل في دواوين الحكومة بسبب إعجاب الموظفين والجمهور بمسلسلة سمارة.. أيضاً وزير التربية والتعليم أعلن رفضه الاتجاه نحو إعادة المسلسل صباحاً خوفاً من تغيب تلاميذ المدارس وضياع مستقبلهم.

وبعد ما اتعرضت الحلقة الأخيرة من المسلسلة وقتها قرر محمود إسماعيل بصفته واحداً من مؤلفي المسلسل مع عبد المنعم السباعي.. أنه يستغل حالة النجاح الكبيرة ويحول المسلسل لفيلم وبدأ يصور فعلاً بعد ما المسلسل انتهى بـ 24 ساعة، وانتهى التصوير ونزل الفيلم للسينما وكسر الدنيا وبقى يتعرض في 5 حفلات مرة واحدة ليستوعب الآلاف الراغبة في مشاهدة "سمارة" ورغبة في الشهرة والنجاح لعب محمود إسماعيل بنفسه دور توفيق الدقن في المسلسل وحقق بالفعل نجاحاً كبيراً لكنه لم يقدم شيئاً يذكر بعد هذا الفيلم.

نعود لفيلم سمارة الذي أصبح خطراً على الطلبة.. واضطر نظار المدارس إلى اللجوء للبوليس ليقبض على التلاميذ الهاربين من المدارس لمشاهدة الفيلم وحجزهم في أقسام الشرطة حتى يأتي أولياء الأمور لتسلمهم.

المثير أن ما حدث في مسلسلة "سمارة" عند تحويلها إلى فيلم.. تكرر ثانية في السبعينات عندما قدم توفيق الدقن دور "إبراهيم الطاير" في المسلسل الإذاعي "بلد المحبوب" من تأليف وحيد حامد وهو أصل المسلسل التليفزيوني الشهير "أحلام الفتى الطائر"، والمفارقة أن الذي قام بدور "إبراهيم الطاير" هو توفيق الدقن نفسه والذي لعب دوراً صغيراً، وكان أحد ضيوف الشرف في المسلسل التليفزيوني الناجح.

وبعد النجاح الكبير للمسلسل الإذاعي، فوجئ الكاتب الكبير وحيد حامد.. بصديقه الفنان الكبير عادل إمام يخبره أنه استمع إلى المسلسل إذاعياً.. وأنه شديد الإعجاب بدور إبراهيم الطاير.. ونفسه يعمله مسلسل تليفزيوني.. وافق وحيد حامد.. وبدأ يعيد كتابة النص ليلائم التليفزيون وغير اسمه من "بلد المحبوب".. إلى "أحلام الفتى الطائر".

وقدم المسلسل عدد كبير من الوجوه الجديدة.. كان بعضهم لا يزال يدرس في معهد الفنون المسرحية مثل سوسن بدر التي لعبت دور ناهد، وكانت في السنة الأولى بالمعهد.. وكانت أيضاً ماجدة زكي التي لعبت دور منى، طالبة بالسنة الثالثة.. علاوة على النجوم الكبار عمر الحريري، جميل راتب، توفيق الدقن، محمود المليجي، عبد الوارث عسر، أمينة رزق، صلاح منصور، رجاء الجداوي، صفية العمري، وهدى رمزي وآخرين.

الملاحظ أن هذا المسلسل سواء باسمه الأول إذاعياً "بلد المحبوب" أو تليفزيونياً "أحلام الفتى الطائر" كان انعكاساً واضحاً للمتغيرات الاجتماعية والسياسية التي تميز بها النصف الثاني من السبعينيات، فبعد نصر أكتوبر أعلن الرئيس الراحل محمد أنور السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي، وأحدثت السياسة الجديدة هزة في شرائح المجتمع المصري، فظهر نموذج البطل السلبي.. للأسف هذا النموذج هو المسيطر على الدراما التليفزيونية في وقتنا هذا.

قبل السبعينيات كان نموذج البطل هو المثقف المتعلم، أما في المسلسل "إذاعياً وتليفزيونياً".. فالنموذج كان البطل الشعبي الجاهل، لكنه حاذق ويمتلك ذكاء فطرياً يستطيع أن يقود الأزمات ويصل لحلها.

وفي نهاية الحلقات لم يأت الحل أبداً من الكاتب "حسين" الذي لعب دوره في الإذاعة والتليفزيون الفنان الراحل الكبير "عمر الحريري" الذي يمثل الطبقة المثقفة، وهذه إشارة بالغة الأهمية إلى تراجع الشريحة المثقفة وتقدم شريحة الطبقة الشعبية، تلك الطبقة التي تمثلت في إبراهيم الطاير هي ليست شريرة على الإطلاق، ورغم جهلها فإن منها من يمتلك من الحكمة والحصافة ما لا يمتلكه المثقفون.

ومما يلاحظ أيضاً في المسلسل.. ظهور الوازع الديني المتنامي أواخر السبعينيات، وهو ما نجد صداه بالمسلسل حين توجه إبراهيم الطاير إلى "عم رضوان" الفنان عبد الوارث عسر المتدين، كما نتنبه هنا أيضاً إلى دلالة الاسم، فالحاج رضوان لجأ إليه إبراهيم مستأنساً بأن دكانه الذي يقع في منطقة الحسين.. هو المكان الوحيد الآمن، إنها إشارة بأن الإيمان هو مفتاح الخلاص. ومن ثم نرى أن المسلسل هو إرهاصة لمجتمع في طريقه للتشكل والتكوين، فقد جاء المسلسل ليفصح عن وجه تلك المرحلة... ويؤكد الانتماء السياسي للفنان توفيق الدقن.. وهو الانتماء المسكوت عنه أو الذي يتجاهله كثيرون.. ودفع هو نفسه – توفيق الدقن- ثمناً باهظاً نتيجة انتمائه السياسي.. وهو ما سنفرد له فصلاً لاحقاً منفصلاً.

توفيق الدقن شارك أيضاً في مسلسل “عائلة مرزوق أفندي” والذي يعتبر أقدم مسلسل في التاريخ العربي، وقد بدأ بثه عام 1959 على الإذاعة المصرية عبر برنامج “إلى ربات البيوت” الذي أسسته الإعلامية المصرية صفية المهندس.

كان عبارة عن حلقات متصلة ذات موضوعات منفصلة تهتم بالشأن العام المصري والعربي مع تطوير يواكب الأحداث المحيطة، إذ كانت المدة الزمنية للحلقة الواحدة 5 دقائق عبر شخصيات تنتمي لأسرة الموظف المكافح “مرزوق” تتناول مشاكل تعاني منها الأسر المصرية والعربية مثل الهجرة والإدمان والبطالة والزواج وغيرها.

وقد اشترك في هذا المسلسل أكثر من 200 فنان مصري وعربي على مدار بثه الذي استمر لـ 60 عاماً، كان أبرزهم فؤاد المهندس، وتوفيق الدقن وفريد شوقي. توقف المسلسل عام 2009 إلا أنه عاد مرة أخرى عام 2013، ولا يزال مستمراً حتى الآن.

وفي مذكراته يقول توفيق الدقن عن الإذاعة: أنا واحد من القلائل الذين عرفهم الجمهور من خلال الصوت قبل الصورة.. من خلال دور "سلطان" في مسلسل "سمارة" وكنت أتقاضى 36 قرشاً في الحلقة الواحدة.. خرجت من هذه المسلسلة بطلاً، وحينما كبرت.. قل عملي في الإذاعة!!
لا أدري لماذا لا يطلبونني في الإذاعة إلا نادراً.. ربما لأن المخرجين يتصورون أنني مشغول في المسرح والتليفزيون والسينما.. وربما لأنهم يتصورونني شخت وأصبحت عاجزاً عن الوقوف أمام الميكروفون..!

title

مقالات ذات صلة

الست "إستر"

25 أبريل 2026 03:43 م

الست "فرحانة"

20 أبريل 2026 02:19 م

الست " كوكب"

18 أبريل 2026 04:29 م

الست خديجة

12 أبريل 2026 01:56 م

search