الأربعاء، 10 يونيو 2026

01:39 م

في المونديال ننتظر.. بطل جديد وغائب جديد!

وبدأ المونديال، الفصل الأجمل في الحكاية والقصة التي لا نريدها أن تنتهي أبدًا، حكاويه لا يكفيها كتاب أو مسلسل كامل ومتعته لا يعرفها إلا من ذاق طعم لذة النصر وتجرع كأس الهزيمة، إنه المونديال.. الحدث الأكبر.. البطولة الأعظم التي تجبرك على السهر حتى الصباح والذهاب إلى العمل بنصف عقل وتكون راضيًا عن كل هذا، إنه المونديال وكفى.

ولأن الجميع ينتظر البطل الجديد فإن دائرة الترشيحات لم تنتظر فسرعان ما دارت وفق إحصاءات وبيانات وتخمينات ورؤى، وكانت النتيجة أن المنتخبات الكبرى هي المرشحة، وعلى رأسهم إسبانيا والبرتغال وألمانيا وفرنسا وإنجلترا والأرجنتين وحتى هولندا، واستبعد الأغلبية أن تكون هناك أي مفاجأة في مونديال أمريكا.

لم انشغل كثيرًا بمن المنتصر بل بمن غاب، لم أفكر في رافع الكأس بل في الغائب عنه، ولم أشاهد المتصدرين قدر سؤالي أين كان من سبقوهم، وقد لا يعرف الكثيرون أن المونديال لم يشهد على أبطال فقط، بل شهد على من غابوا بعد أن تصدروا المشهد لسنوات، ولذلك كان غياب إيطاليا الفائزة بالبطولة 4 مرات لتحتل المركز الثاني بعد البرازيل ليس حدثًا استثنائيًا بقدر ما هو "دورة المونديال" الطبيعية ولم يعد السؤال متى ستعود بل من الغائب الجديد؟

ولأنني من هواة البحث في الأرشيف وتقصي الحقائق في أروقة الكتب والمكتبات، عرفت أن العالم حين عرف أبطال الكرة لم يعرف البرازيل أولًا، ولم يتعرف على الأرجنتين إلا متأخرًا ولم يعترف بفرنسا سوى في نهاية القرن العشرين، أما البداية كانت من الأورغواي، البلد الذي استضاف أول مونديال في 1930 على أرضه وفاز به وقد تكون ظروف البطولة وقتها ساعدت في ذلك، لكن بعد عقدين من الزمن وفي الماراكانا ووسط جمهور وصل عدده إلى 200 ألف متفرج كررت الاورغواي إنجازها بالفوز على البرازيل وحصد المونديال الثاني 1950 قبل أن يتراجع حضورها تدريجيًا لعقود طويلة مقارنة بمكانتها التاريخية، ثم تستعيد جزءًا من بريقها في مونديال 2010 بحصد المركز الرابع.

كان هناك أيضًا دولة اسمها المجر، وكان يطلق عليها "بعبع" البطولات الكبرى، ففي ثاني مونديال 1938 كانت هي من تمكنت من حجز مقعدها في النهائي لتواجه إيطاليا التي حسمت اللقب في النهاية، لكن المجر لم تكن لتستسلم، ففي مونديال 1954 أحدثت زلزالًا كرويًا بوصولها للنهائي أمام ألمانيا التي فازت؛ لكن المجر احتفظت بكونها من سجلت 27 هدفا في 5 مباريات فقط، وبعد أن تصدرت المشهد لتلك السنوات دخلت في غياب طويل عن المنافسة الحقيقية حتى عادت للأضواء مجددًا في يورو 2016.

لم يكن الموقف مساويًا عند إيطاليا التي وُلدت عملاقة في المونديال وعرفها العالم مبكرًا، استطاعت أن تحصد المونديال الثاني في 1934 والعالم مازال يتحسس طريق البطولة، وتمكنت من حصد الكأس الثاني لها والثالث عمومًا في 1938 لترسخ أن "الآزوري" لم يفز صدفة، لكنها بعد ذلك توارت عن الأنظار لعقود قبل أن تعود في 1982 بمونديال كان آخر التوقعات أن تفوز به ثم الرابع في 2006 بآخر جيل ذهبي رآه محبو المنتخب الإيطالي، واستطاع أن يضع بلاده في المرتبة الثانية من حيث حصد اللقب الأغلى في عالم كرة القدم، واليوم تغيب إيطاليا عن المونديال للمرة الثالثة لتكمل 12 عاما بدون مشاركة من الأساس، ورغم أن دولا كثيرة لم تفز بالمونديال لفترة طويلة لكنها على الأقل تواجدت إما في المنافسة أو الأدوار الإقصائية، أما الآزوري فبدأت صورته تبهت وبات أقرب للحاق بمنتخبات المجر والأورغواي التي على الأقل حافظت على تواجدها الطويل.

وبالمعيار نفسه يمكن القول إن صورة البرازيل بدأت تتراجع تدريجيًا، إذ لم ترفع كأس العالم منذ عام 2002، أي منذ 24 عامًا كاملة، وخلال تلك الفترة شاهد العالم صعود إسبانيا، واستعادة الأرجنتين لمجدها، واستمرار فرنسا في صناعة الأجيال، بينما اكتفت البرازيل بالحضور دون التتويج، وإذا فشلت في حصد لقب مونديال 2026، فإن السؤال لن يكون متى تعود البرازيل إلى القمة، بل إلى أي مدى يمكن لعرشٍ بُني على خمسة ألقاب أن يصمد أمام ذاكرة جماهير لا تتذكر إلا المنتصر الأخير!

search