السبت، 04 يوليو 2026

03:52 م

في عيدها الـ250.. هل بدأ عصر تراجع الهيمنة وتصدع "الحلم الأمريكي"؟

تدفّق المهاجرون إلى جزيرة إليس في القرنين التاسع عشر والعشرين

تدفّق المهاجرون إلى جزيرة إليس في القرنين التاسع عشر والعشرين

في الوقت الذي تستعد الولايات المتحدة لإحياء الذكرى الـ250 لتأسيسها، تتزايد التساؤلات حول مصير "الحلم الأمريكي"، بعدما أظهرت تجارب شخصية ونتائج استطلاعات رأي أن كثيرًا من الأمريكيين باتوا يرون أن الوعد بحياة أفضل أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

رحلة لاجئ صومالي إلى الولايات المتحدة

قبل 16 عاماً، كان عبدي نور افتين يعيش لاجئاً صومالياً في كينيا، قبل أن تتغير حياته بعدما فاز بما وصف بأنه أشبه بـ"قرعة العمر".

من بين نحو ثمانية ملايين متقدم عام 2013، كان عبدي واحدًا من خمسين ألف شخص حصلوا على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة عبر برنامج "تأشيرة التنوع"، الذي أطلقته الحكومة الأمريكية خلال تسعينيات القرن الماضي، وفقًا لشبكة "بي بي سي".

وكان حلم الانتقال إلى الولايات المتحدة يرافقه منذ سنوات، حتى إن أصدقاء طفولته أطلقوا عليه لقب "عبدي أمريكا"، بعدما تعلم اللغة الإنجليزية من خلال مشاهدة أفلام هوليوود.

وقال لـ"بي بي سي" عام 2014: "طوال حياتي كنت مغرماً بأمريكا، أفضل بلد في العالم، أرض الأحلام، وأرض الفرص".

وفي العام نفسه، وصل عبدي، الذي يبلغ اليوم 41 عاماً، إلى الولايات المتحدة، واستقر في بلدة صغيرة بولاية مين، حيث عمل في تركيب مواد العزل، قبل أن يحصل لاحقاً على الجنسية الأمريكية.

الواقع يبدد جزءًا من الحلم

لكن مسار الحياة الذي كان يأمله عبدي واجه تحديات جديدة، بعدما فقد هذا العام وظيفته في وكالة لإعادة توطين اللاجئين، وهو ما ترتب عليه أيضاً خسارة التأمين الصحي.

وقبل الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، يقول عبدي إنه يشعر، مثل كثير من الأمريكيين، بالقلق بشأن مستقبل البلاد، مضيفًا: "أشعر بأن الحلم الأمريكي لا يزال حياً، لكنه ليس بخير".

ولا يقتصر الشعور بالقلق على عبدي، إذ يقول لوك مولن، وهو ممثل يبلغ من العمر 24 عاماً من ولاية كاليفورنيا، إنه يعتزم الانتقال إلى كندا بسبب تراجع فرص العمل في قطاع السينما داخل هوليوود.

وقال: "تتركز الثروة أكثر فأكثر في هذا البلد، ومع ذلك تتضاءل الفرص".

استطلاعات رأي تظهر تراجع الثقة بالحلم الأمريكي

وتشير استطلاعات رأي أُجريت قبل الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة إلى أن عدداً كبيراً من الأمريكيين يرى أن "الحلم الأمريكي"، القائم على إمكانية بناء مستقبل أفضل من خلال العمل والاجتهاد، يتراجع بصورة متزايدة.

وأظهر استطلاع حديث أجرته وكالة "أسوشيتد برس" بالتعاون مع مركز "نورك" لأبحاث الشؤون العامة أن ثلث الأمريكيين فقط يعتقدون أن الحلم الأمريكي لا يزال قائماً.

كما توصلت دراسة حديثة أجراها مركز بيو للأبحاث إلى أن معظم الأمريكيين يرون أن أفضل أيام الولايات المتحدة أصبحت من الماضي.

ذكرى التأسيس

وتأتي الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة في وقت تشهد البلاد انقسامًا سياسيًا بين حزبين.

ويطرح ذلك تساؤلات بشأن معنى أن يبدو "الحلم الأمريكي"، الذي انتشر عالمياً عبر الأفلام والموسيقى والثقافة الشعبية، بعيد المنال بالنسبة إلى كثيرين.

كيف نشأ مفهوم الحلم الأمريكي؟

منذ السنوات الأولى التي أعقبت حرب الاستقلال الأمريكية وحتى القرن الحادي والعشرين، جذب "الحلم الأمريكي" ملايين المهاجرين إلى الولايات المتحدة، مستنداً إلى وعود بالأمل وإمكانية صناعة مستقبل جديد.

وتدفقت إلى البلاد أعداد كبيرة من عمال المصانع والمزارعين والمنقبين عن الذهب ورواد الحدود، مدفوعين بإيمانهم بإمكانية بناء هوية جديدة بعيداً عن القيود الطبقية التي كانت سائدة في أوروبا.

حلم لم يشمل الجميع

ويشير مؤرخون إلى أن الحلم الأمريكي لم يكن متاحاً للجميع منذ البداية، إذ استُبعد منه عملياً السكان الأصليون والعبيد والنساء، إلا أن الفكرة بقيت راسخة في الوعي الأمريكي.

ورغم أن جذور المفهوم تعود إلى تأسيس الولايات المتحدة، فإن مصطلح "الحلم الأمريكي" لم يكتسب شهرته الواسعة إلا عام 1931 مع صدور كتاب "ملحمة أمريكا" خلال فترة الكساد الكبير.

وفي هذا الكتاب، كتب المؤرخ جيمس تروسلو آدامز أن الحلم الأمريكي "ليس مجرد حلم بالسيارات والأجور المرتفعة، بل حلم بنظام اجتماعي يتمكن فيه كل رجل وكل امرأة من بلوغ أقصى ما تسمح به قدراتهما الفطرية".

تطور مفهوم الحلم الأمريكي

ومع مرور السنوات، تغير مفهوم الحلم الأمريكي، وأصبح يرتبط في الوقت الحاضر بريادة الأعمال، والحراك الاجتماعي، وتوافر الفرص الاقتصادية بصورة خاصة.

ويقول سيريل جوش، مؤلف كتاب "سياسات الحلم الأمريكي: الإدماج الديمقراطي في الثقافة السياسية الأمريكية المعاصرة"، إن الحلم الأمريكي ظل يتمحور حول تحسين مستوى الحياة مقارنة بالماضي.

وأضاف: "بالنسبة إلى بعض الناس، كانت الحياة الأفضل تعني ببساطة ألا يتعرضوا للاضطهاد من قبل كنيسة إنجلترا، فالأمر لا يتعلق بالماديات وحدها، بل بالأمان أيضاً، إنه يتعلق بتحقيق حياة أفضل من تلك التي وُلد فيها الإنسان أو نشأ عليها. وهذا ما كان يعنيه الحلم الأمريكي دائماً".

الهجرة لم تعد كما كانت

ولطالما مثل الحلم الأمريكي أحد أبرز عوامل جذب المهاجرين إلى الولايات المتحدة، إلا أن أعداد الوافدين إليها تبدو اليوم أقل مما كانت عليه في السابق.

وجعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحد من الهجرة محوراً أساسياً في رئاسته، بعدما خاض حملته الانتخابية متعهداً بتنفيذ أكبر برنامج ترحيل جماعي في تاريخ الولايات المتحدة.

وخلال ولايته الثانية، شدد ترامب القيود على المهاجرين الذين يدخلون البلاد بصورة غير قانونية عبر الحدود الجنوبية، كما أغلق بعض المسارات القانونية المؤدية إلى الولايات المتحدة، ومن بينها برنامج "تأشيرة التنوع" الذي استفاد منه عبدي.

تزايد الرغبة في مغادرة الولايات المتحدة

ولا يقتصر الأمر على انخفاض أعداد المهاجرين القادمين إلى الولايات المتحدة، إذ يرى بعض الباحثين أن عدداً قياسياً من الأشخاص قد يغادرونها.

ويعتقد هؤلاء الباحثون أن كثيراً من الأمريكيين يشعرون بأن بلادهم لم تعد تحقق الوعد الذي يقوم على أن العمل الجاد والالتزام بالقواعد يكفيان للحصول على حياة مستقرة ومريحة.

وشهد العام الماضي تحولاً في حركة الهجرة بين الولايات المتحدة وأيرلندا، بعدما تجاوز عدد الأمريكيين المنتقلين إلى أيرلندا عدد الأيرلنديين الذين انتقلوا إلى الولايات المتحدة.

كما سجل عدد الأمريكيين المتقدمين للحصول على الجنسية البريطانية مستوى قياسياً، وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن أعداد الأمريكيين الذين ينتقلون للعيش والعمل في معظم دول الاتحاد الأوروبي تشهد ارتفاعاً.

أسباب مغادرة الأمريكيين

وتتعدد الأسباب التي تدفع بعض الأمريكيين إلى مغادرة بلادهم، إذ يشير بعضهم إلى الأوضاع السياسية الحالية، بينما يتحدث آخرون عن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وتراجع مستوى المعيشة.

وفي كثير من الحالات، يكون قرار المغادرة نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها أسباب شخصية.

متى بدأ الحلم الأمريكي يتراجع؟

يرى مارك رانك، المشارك في تأليف كتاب "مطاردة الحلم الأمريكي: فهم العوامل التي تشكل مصائرنا"، أن بداية تراجع الحلم الأمريكي تعود إلى نحو خمسين عاماً، وتحديداً منذ سبعينيات القرن الماضي، مع تسارع العولمة وركود الأجور.

وقال: "أصبح تحقيق الحلم الأمريكي أكثر صعوبة بكثير، فالفكرة كانت تقوم على صفقة اقتصادية مفادها أنك إذا عملت بجد والتزمت بالقواعد، فمن المفترض أن تحظى بحياة اقتصادية كريمة ومريحة، كما أن فكرة أن يكون كل جيل أفضل حالاً من الجيل الذي سبقه اقتصادياً تُعد عنصراً أساسياً في الحلم الأمريكي، وقد ظل ذلك صحيحاً حتى نحو سبعينيات القرن الماضي".

الأزمة المالية عمقت التراجع

ويقول خبراء إن الحلم الأمريكي دخل بعد ذلك مرحلة تراجع طويلة مع اتساع الفجوة الاجتماعية والاقتصادية وازدياد اللامساواة.

ويرى بعضهم أن الأزمة المالية العالمية عام 2008 شكلت نقطة تحول إضافية، بعدما جعلت تداعياتها امتلاك منزل والاستقرار في العمل أكثر صعوبة.

ورغم أن الأجور في الولايات المتحدة لا تزال أعلى بكثير من مثيلاتها في المملكة المتحدة ومعظم الدول الأوروبية، فإن كثيراً من الأمريكيين، بحسب هذه الآراء، لم يستعيدوا منذ ذلك الوقت تفاؤلهم الاقتصادي.

اقرأ أيضًا:

"منحناهم أسبوعًا لأننا لطفاء".. كيف علق ترامب على انطلاق مراسم تشييع خامنئي؟

search