الأحد، 05 يوليو 2026

08:46 م

ماذا حدث للمصريين في تلك الليلة؟

من قال إن كرة القدم مجرد لعبة؟

ربما كانت كذلك في بدايتها، أما اليوم فقد تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، وأصبحت لغة عالمية تتحدث بها الشعوب جميعًا. تحولت إلى سياسة واقتصاد، وإلى علم نفس واجتماع، بل وإلى وسيلة علاج نفسي تمنح الملايين جرعة من الأمل، وتعيد إليهم الإيمان بأن المستحيل ليس دائمًا مستحيلًا.

أصبحت كرة القدم مقياسًا لقدرة الشعوب على التنظيم، والانضباط، والعمل الجماعي، وتحولت في كثير من الأحيان إلى رمز يعكس صورة وطن بأكمله أمام العالم.

ولهذا لم تكن فرحتنا بعد مباراة مصر وأستراليا مجرد فرحة بفوز في مباراة.

ولم تكن فقط لأننا تأهلنا، أو لأننا اقتربنا من كتابة صفحة جديدة في تاريخ الكرة المصرية.

بل لأننا اكتشفنا شيئًا أهم…

اكتشفنا أنفسنا.

اكتشفنا أننا ما زلنا قادرين على الحلم.

وأن المصري، مهما مر بظروف صعبة، لا يزال يحمل بداخله طاقة هائلة من الإرادة، تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتخرج إلى النور.

بعد انتهاء المباراة…

بكيت.

ولم يكن بكائي بسبب النتيجة.

بل لأنني رأيت مصر كما أحب أن أراها.

رأيت شعبًا أصبح يدًا واحدة.

رأيت الاستبسال في عيون اللاعبين.

ورأيت الإرادة التي ترفض الاستسلام.

ورأيت حلمًا ظل سنوات طويلة يبحث عن فرصة، حتى وجدها أخيرًا.

وفي المدرجات كانت هناك مباراة أخرى.

كنت أرى الأطفال يصرخون من أعماق قلوبهم عندما نخسر، ويضحكون بنفس البراءة عندما ننتصر.

كنت أرى في أعين الجماهير خليطًا غريبًا من الحزن، والفرح، والخوف، والرجاء، والقلق، والثقة.

وكأن كل مشجع لم يكن جالسًا في المدرجات، بل كان يقاتل داخل الملعب مع اللاعبين.

وهنا فهمت أن الوطنية ليست كلمات تُقال في المناسبات.

الوطنية فطرة.

هي ذلك الشعور الذي يجعلك تفرح لإنجاز وطنك وكأنه إنجازك الشخصي.

ويجعلك تتألم لهزيمته وكأنك كنت أحد لاعبيه.

وربما لهذا السبب لا يستطيع أحد أن يفسر لماذا يجلس ملايين المصريين أمام شاشة واحدة في لحظة واحدة، ولماذا تتحول الشوارع إلى حالة من الفرح أو الصمت بعد كل مباراة.

و هم لا ينتظرون اي مقابل مادي 

أو أي منفعه شخصية تعود عليهم 

بل على العكس ينفقون و ينفقون 

من مال و تحمس و انفعال

إنها ليست كرة قدم فقط…

إنها انتماء.

لكن الدرس الأكبر الذي تعلمناه من هذه المباراة لم يكن الفوز.

بل كان الإيمان.

الإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يكون مختلفًا.

يستطيع أن يواجه من يقول له إنك لن تستطيع.

ويستطيع أن يهزم مخاوفه النفسية قبل أن يهزم خصمه.

كم من معركة خسرناها لأننا استسلمنا داخل عقولنا قبل أن تبدأ؟

وكم من انتصار تحقق لأن صاحبه آمن بنفسه، قبل أن يؤمن به الآخرون؟

لقد أثبتت لنا هذه المباراة أن القوة الحقيقية لا تبدأ من القدم التي تركل الكرة…

بل من العقل الذي يرفض الاستسلام.

ومن القلب الذي يصر على المحاولة.

ومن الروح التي تؤمن بأن لكل تعب ثمنًا.

وساعات كثيرة…

تأتي المعجزات لتسقط أكبر المعايير المنطقية.

وتثبت لنا أن القوة الروحية قد تهزم كل الحسابات.

عندما يجتمع الحلم مع الإيمان، والعمل مع الصبر، والتوكل على الله مع بذل الأسباب، يصبح المستحيل مجرد كلمة.

وربما لهذا لم تكن المباراة مجرد انتصار رياضي.

بل كانت رسالة.

رسالة لكل طفل كان يشاهد المباراة ويحلم أن يرتدي قميص منتخب مصر يومًا.

ورسالة لكل شاب فقد ثقته بنفسه.

ورسالة لكل إنسان ظن أن الفرصة انتهت.

فالفرص لا تموت…

بل تنتظر من يستعد لها.

لكن علينا أيضًا أن نتذكر أن المشوار لم ينته.

فالوصول إلى دور جديد ليس نهاية الحلم.

بل بدايته.

فالأمم لا تُبنى بمباراة واحدة.

ولا ببطولة واحدة.

الأمم تُبنى عندما تتحول روح الانتصار إلى ثقافة.

عندما يصبح الإصرار أسلوب حياة.

وعندما نؤمن أن مصر لا تحتاجنا في كرة القدم فقط.

بل تحتاجنا في الطب…

وفي البحث العلمي…

وفي الصناعة…

وفي التعليم…

وفي الإعلام…

وفي كل مكان يستطيع فيه مصري أن يصنع فرقًا حقيقيًا.

فلم يعد يكفي أن نقف أمام العالم لنقول إن أجدادنا كانوا فراعنة.

بل يجب أن نثبت للعالم أننا ما زلنا نستحق هذا التاريخ.

وأن عظمة المصري لم تكن يومًا مجرد حكاية في كتب التاريخ…

بل قدرة تتجدد كلما وجد الحلم، وآمن بالله، ووجد من يمنحه الفرصة.

ولهذا…

لم تكن فرحتنا بمباراة مصر وأستراليا مجرد فرحة بفوز.

كانت فرحة باستعادة الثقة.

واستعادة الحلم.

واستعادة الإيمان بأن هذا الوطن، مهما تعثر، لا يزال قادرًا على إدهاشنا.

وفرحتنا بالانتماء العربي وشعورنا بأن العرب سيظلون يد واحدة مهما واجهتهم المعوقات و الصعاب..

و “ لسه بنقول ياااارب”.…

title

مقالات ذات صلة

في الجون!

18 يونيو 2026 12:15 م

6 /6/ 2026 !!

07 يونيو 2026 09:33 ص

فكروني!

30 مايو 2026 08:29 ص

search