بين الخوف من الوحدة والقناعة الدينية.. لماذا تختلف النساء حول تعدد الزوجات؟
لماذا تختلف النساء حول تعدد الزوجات؟
تعد قضية تعدد الزوجات من أكثر القضايا التي تثير الجدل بشكل مستمر، وخاصة عندما تعلن بعض النساء تأييدهن لفكرة زواج زوجها من أخرى أو قبولهن الزواج من رجل متزوج.
لماذا تختلف النساء حول تعدد الزوجات؟
وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول الأسباب التي تدفع بعض النساء إلى هذا الموقف، بينما ترفض أخريات الفكرة بشكل قاطع، وهل يرتبط الأمر بقناعة دينية فقط، أم أن هناك عوامل نفسية واجتماعية أعمق تقف خلفه؟
البعد النفسي وراء قبول أو رفض النساء لتعدد الزوجات
وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة إيمان عبدالله، استشاري العلاج النفسي الأسري، في تصريحاتها لـ"تليجراف مصر"، أنه لا يمكن تفسير موقف المرأة من تعدد الزوجات من زاوية واحدة، إذ لكل سيدة تجربتها الخاصة وبيئة نفسية مختلفة، قائلة إن تأييد التعدد لا يلزم أن يكون نتيجة لضعف الشخصية أو احتقار الذات، كما أن رفضه لا يعني معارضة الشريعة.
وأضافت أن القضية الحقيقية ليست تعدد الزوجات في حد ذاته، ولكن العلاقة التي تبنيها المرأة مع نفسها منذ سنوات الطفولة. وأوضحت أن الإنسان أحيانًا لا يدافع عن الشيء لأنه يريده، بل لأنه اعتاد عليه وأصبح جزءًا من ثقافته وتربيته.

وقالت الدكتورة إيمان عبدالله إن كثيرًا من الفتيات ينشأن على رسائل وعبارات متكررة مثل: "حافظي على بيتك"، أو "إوعي يتجوز عليكي"، أو "متخليش واحدة تانية تخطفه منك"، وأخريات ينشأن في بيئات تعتبر التعدد أمرًا مشروعًا وله إيجابيات وضوابط، وذلك هو ما يفرق بين قرار سيدة وأخرى.
كما أشارت إلى أن بعض البيئات تغرس في المرأة أن التضحية غير المشروطة هي المعيار الحقيقي للزوجة الصالحة، فتقتنع مع الوقت بأنها مطالبة بالتنازل عن جزء من احتياجاتها أو هويتها من أجل استمرار الحياة الزوجية، مؤكدة أن هذا لا يكون مجرد قرار لحظي، بل نتيجة سنوات طويلة من التنشئة.
وأوضحت أن هناك مفهومًا نفسيًا يُعرف بـ"التكيف مع الألم"، حيث يعتاد الإنسان على المعاناة إلى درجة يتوقف معها العقل عن مقاومة الواقع، فيبدأ في تقبل الأوضاع المؤلمة باعتبارها الخيار الأقل ضررًا.
وأضافت أن بعض النساء لا يقبلن التعدد لأنهن يفضلنه، ولكن لأن عقولهن تعلمت أن قبوله أفضل من التعرض للرفض أو فقدان العلاقة.
وأوضحت أن من أهم الأسباب النفسية التي تدفع بعض السيدات إلى قبول التعدد الخوف من الهجر أو الوحدة، وخاصة إذا تعرضت إحداهن إلى الحرمان العاطفي أو الرفض من قبل، وفي هذه الحالة ترى المرأة أن وجود زوجة أخرى يكون أقل ألمًا من الطلاق أو البقاء بمفردها.
وقالت إن العقل في هذه الحالة يضع الرغبة في البقاء فوق الاحتياجات النفسية والعاطفية، كما أضافت أن هناك نساء يعانين مما يسمى بالاعتماد العاطفي، حيث يتحول الزوج إلى مصدر الأمان الوحيد في حياتها، فيصبح وجوده أهم من شكل العلاقة نفسها.
كما تناولت مفهوم "التقدير الوظيفي للذات"، ويعني أن بعض النساء لا ينظرن إلى أنفسهن باعتبارهن أشخاصًا لهن قيمة مستقلة، وإنما يقسن قيمتهن بما يقدمنه داخل الأسرة، مثل الإنجاب، ورعاية الأبناء، وخدمة الزوج فقط.
وأشارت إلى أن هناك نساء يقلن لأنفسهن بشكل غير واعٍ: "طالما أنجبت وضحيت وخدمت زوجي فأنا أستحق أن أعيش معه مهما كانت الظروف".
ولكن شددت الدكتورة إيمان عبدالله على ضرورة عدم التعميم، موضحة أن هناك نساء يؤيدن تعدد الزوجات بسبب قناعة دينية واجتماعية، وليس بسبب ضعف الشخصية.
كما اختتمت حديثها بأن الشريعة الإسلامية لم تجعل التعدد حقًا مطلقًا للرجل، وإنما ربطته بشروط ومسؤوليات وأسباب، وأنه ليس مجرد نزوة أو رغبة شخصية، بل تحكمه أحكام فقهية تتعلق بالعدل والقدرة وتحمل المسؤولية.
البعد الاجتماعي وراء قبول أو رفض النساء لتعدد الزوجات
ومن الجانب الاجتماعي، قالت الدكتورة ابتسام مرسي محمد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، في تصريحاتها لـ"تليجراف مصر": تؤكد الدراسات الاجتماعية أن مواقف النساء من التعدد متباينة، وترتبط بالبيئة الاجتماعية والثقافية، والظروف الشخصية والاقتصادية، والخبرات الحياتية لكل امرأة.
وأضافت قائلة: فهناك من ترفضه رفضًا قاطعًا باعتباره يهدد استقرارها الأسري، وهناك من تتقبله في ظل ظروف خاصة إذا رأت فيه حلًا لمشكلة اجتماعية أو أسرية، مثل مرض الزوجة أو عدم الإنجاب أو غيرها من الحالات التي يجيزها الشرع.

ومن منظور علم الاجتماع، أوضحت أنه لا يمكن تفسير هذه الظاهرة بأنها تعكس "احتقار المرأة لنفسها"، لأن هذا تبسيط شديد لظاهرة اجتماعية معقدة، فالمواقف الإنسانية لا يصنعها عامل واحد، وإنما تتشكل من خلال منظومة التنشئة الاجتماعية، والقيم الدينية، والثقافة السائدة، والخبرات الشخصية، والظروف الاقتصادية.
وقالت الدكتورة ابتسام: لو أردنا أن نطرح السؤال بصورة علمية، فلن يكون: لماذا تؤيد بعض النساء التعدد؟ وإنما: لماذا تختلف النساء في مواقفهن من القضية نفسها؟
فكلما أُثيرت قضية تعدد الزوجات انقسم الناس إلى فريقين؛ أحدهما يتصور أن كل امرأة ترفض التعدد تعارض الشرع، والآخر يتصور أن كل امرأة تقبله فاقدة لكرامتها.
وأوضحت أن كلا التصورين بعيد عن الواقع، لأن الإنسان لا يتخذ مواقفه في فراغ، وإنما تتشكل مواقفه من تفاعل الدين، والثقافة، والظروف الاقتصادية، والخبرات الشخصية، وطبيعة العلاقات داخل الأسرة.
وقالت إنه من خلال الواقع الاجتماعي المصري، يمكن القول إن الغالبية العظمى من النساء لا يتقبلن التعدد على المستوى النفسي والعاطفي، حتى وإن كن يحترمن مشروعيته الشرعية.
وبالنسبة لمعظم النساء، لا يمثل الزواج مجرد عقد قانوني، وإنما علاقة تقوم على الخصوصية والشراكة والاستقرار والأمان العاطفي، ولذلك فإن رفض التعدد في كثير من الأحيان يكون تعبيرًا عن احتياج إنساني طبيعي، وليس اعتراضًا على الحكم الشرعي.
لكن في المقابل، ليس من الإنصاف أن نحاكم كل امرأة قبلت بالتعدد أو استمرت في زواج تعددي، فقبولها لا يعني بالضرورة أنها كانت راغبة فيه أو سعيدة به، فقد يكون قبولًا نابعًا من قناعة دينية ما، أو حفاظًا على كيان الأسرة والأبناء، أو لعدم قدرتها الاقتصادية على الانفصال، أو لضغوط اجتماعية وأسرية، أو لأنها رأت أن ضرر الانفصال سيكون أكبر من ضرر الاستمرار، وهناك أيضًا من تقبلته عن قناعة كاملة، وإن كانت هذه الحالات أقل شيوعًا.
وأوضحت أن المشكلة تكمن في تناول القضية على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يجري اختزالها في سؤال سطحي: "هل أنتِ مع التعدد أم ضده؟"، بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك، فالمرأة قد ترفض التعدد في حياتها الخاصة، وفي الوقت نفسه تؤمن بأنه حكم شرعي له ضوابطه وشروطه، وقد تتقبله امرأة أخرى لظروفها الخاصة، دون أن يعني ذلك أنها أقل كرامة أو أقل احترامًا لذاتها.
وقالت إن من أخطر ما تفعله وسائل التواصل الاجتماعي أنها تدفع الأشخاص إلى إصدار أحكام قاطعة على الناس دون معرفة ظروفهم أو ملابسات حياتهم، وهذه ليست الطريقة التي تُبنى بها المجتمعات المتماسكة.
وقالت في نهاية حديثها: ليس كل رفض للتعدد تمردًا على الشرع، وليس كل قبولٍ له رضا به أو رغبة فيه، فكثير من النساء يعشن بين ما يؤمنَّ به، وما يشعرن به، وما تفرضه عليهن ظروف الحياة.
اقرأ أيضًا:
التعدد في مشروع قانون الأسرة.. هل الزوج ملزم بالحصول على إذن للزواج الثاني؟
الأكثر قراءة
-
بدون تصالح.. الكهرباء تزف بشرى بشأن تحويل العدادات الكودية
-
جدل واسع حول اختلاف صورة دليفري الرحاب بعد تلقيه 100 ألف جنيه.. ما الحقيقة؟
-
فوز السنغال بكأس أمم أفريقيا بقرار من "الكاس".. القصة الكاملة
-
تطورات جديدة في قضية دهس هدير فتاة الشاي.. نص أقوال جودي في التحقيقات (انفراد)
-
في قضية دهس فتاة الشاي.. صاحبة الكوافير تفجر مفاجأة في التحقيقات (خاص)
-
المحامية لؤة خلف بعد إيقافها: أتعرض لحملة تشهير وتنمر بسبب عدم ارتداء الحجاب (خاص)
-
إيقاف بطاقة التموين 2026.. هل المدارس الخاصة تؤدي إلى حذف الدعم؟
-
كان نازل يحقق حلم ابنه.. تفاصيل وفاة أب دهسا أثناء الاحتفال بعودة المنتخب (خاص)
أخبار ذات صلة
كيف يُترجم الإنجاز المونديالي لـ نهضة كروية بعيدا عن "الشو" والروتين؟
12 يوليو 2026 04:10 م
إغلاق هرمز وضربات مكثفة.. ماذا حدث في الساعات الماضية بين واشنطن وطهران؟
12 يوليو 2026 11:49 ص
السر وراء شهادات الـ19.5%.. لماذا تتنافس البنوك على أموال المصريين؟
12 يوليو 2026 10:18 ص
رحلة بدأت من شوارع حلوان إلى تكريم السيسي.. التوأم حسن يبهر العالم بإنجاز تاريخي
11 يوليو 2026 08:07 م
أكثر الكلمات انتشاراً