الأربعاء، 22 يوليو 2026

01:09 ص

تمام الكلام

عصى الحرف اليوم.. نعم، عصى الحرف، وأصبحت الكلمة عذابا وجحيما، حينما تتجرأ وتهم بأن تسكن جملة مفيدة؛ ربما تكون مفرحة للبعض، ومؤلمة للآخر.
نعم، كلما هممت بسكب خواطري العنيدة على تلك الورقة البيضاء المستسلمة، تتصارع الأفكار في رأسي، ويهدر قلبي، وأجد السطور تتهرب فارةً من قبلة قلمي القاسية، فتطير وتسابق الريح، حيث يتخلى بياضها عن سواد عاشقها بلا رحمة.

ذاك الذي لم يكفَّ أبدًا عن ملاحقتها، حتى وإن سالت دموعها على شغاف قلبي، لتتشكل لوحة بوهيمية لا تأويل لها، تزيدني حيرة فوق حيرتي المتأججة في صدري، وعقلي اللذين يتصارعان فيما بينهما؛ للتنبؤ بما سيكتبه القلم، والتساؤل الحائر: هل سيستطيع صدر الورقة استقبال رصاصه؟

نعم، كثيرًا ما ارتعشت يدي كي تقوى على الإمساك بهذه الأفكار المتضاربة دون جدوى، وهذا القلم، السلاح الصلب ذو القلب اللين، المختلف، المتأجج بالأشكال والألوان، وكأنه هو الآخر تعمَّد أن يرتدي لباسا مختلفا يعبر عما سيسكبه من جمر ممزوج بالحروف المتقدة على تلك الأوراق الطيبة.

الحمد لله.. مضت أيام زادتها شهور طويلة، والتجمد الذي يعتريني، ويدفعني إلى التقوقع في بؤرة الظل المائل، بدأ بالانكسار والاعتراف بظلمه القاسي الذي سيطر به على حالي وحروفي المسكينة، ليذيقني مرارة تجرع الإحباط، وهروب الأمل إلى اللا أمل.

لكن، بين هذا وذاك، انتصرت الروح على طغيان علة الجسد المسكون بالجمود، فأمسكت بقلمي الساخر، ليرسم أحلامًا زاهية على فستاني الزهري من جديد.

فلا جمود مع الإبداع، والكتابة أشبه بالبحارة الأبطال الذين يخرجون علينا بوجوههم المتشربة بالحيرة والتعب من شاشات السينما العملاقة، وهم يموتون فداءً لمبادئهم، وإصرارهم على الإمساك بموجة آمنة تصل بهم، ومن بصحبتهم، إلى أخضر الله.
فهنيئًا لمن يتشبث بالأمل حتى الثمالة، دون أن يكل أو يمل، ويكتب حتى النهاية... حتى الامتزاج التام بالفكرة، والحرف، والورقة.
فالحرف الصادق لا يموت، وإن تعثر طويلًا، بل يعود أكثر قوةً، يحمل نبض الروح، ويوقظ في القلب يقين البدايات الجديدة.

title

مقالات ذات صلة

لحظة فارقة

31 أغسطس 2025 06:19 م

عودة قابيل

28 يوليو 2025 10:34 ص

search