من التاج لـ الشارع.. كيف أصبحت الأفعى "سيئة السمعة" في عصر التريند؟
من رمز للحماية فوق تاج الفرعون إلى مصدر للقلق في صيف 2026
منذ أكثر من 7 آلاف عام، منح المصري القديم الأفعى مكانة استثنائية، لم يحظ بها كثير من الكائنات، فإذا دخلت أحد المعابد المصرية القديمة، ستلاحظ أنها حاضرة في أكثر من مكان، فوق تيجان الملوك، وعلى جدران المعابد، وحتى داخل النصوص الدينية.
لم يكن ذلك مجرد زخرفة أو صدفة، فالمصري القديم لم ينظر إليها باعتبارها كائنًا سامًا، بل رمزًا للقوة والحماية، يعتقد أنها تقف حارسًا للفرعون وتتصدى لأعدائه.

حين كانت الأفعى إلهة للحماية
ومع مررور الوقت صورت الأفعى رمز ًا"دينيًا"، إذ ارتبطت بإله الشمس"رع"، حيث كانت الكوبرا تنفث النار في وجوه أعدائه، وفي دلتا النيل ارتبطت الأفعى بالمعبودة "واجيت" التي جسدت في هيئة كوبرا، فاستقرت على تيجان الملوك، رمزًا للحماية، وعلى أطراف الصحراء، ظهرت "ميريت سجر"، التي ارتبطت بالمقابر والعالم الآخر، واعتقد المصريون أنها تحرس أرواح الموتى، بينما اتخذت "رينينوتت" مكانها بين الحقول، حيث ارتبطت بالحصاد وصوامع الغلال، إذ كانت الأفاعي التي تعيش في الأراضي الزراعية تلتهم الفئران والقوارض، وذلك وفقًا للأساطير المصرية القديمة.


لكن كبير الآثاريين بوزارة الآثار، الدكتور مجدي شاكر، يوضح لـ"تليجراف مصر"، أن المصري القديم لم يكن يقدس الأفعى في حد ذاتها، وإنما كان يقدس ما ترمز إليه من قوة وحماية ويقظة، ولهذا السبب ظهرت الأفعى على تيجان الفراعنة، وفي نقوش المعابد والمقابر، خاصة في معابد الكرنك والأقصر وإدفو ووادي الملوك، باعتبارها رمزًا للحماية والقوة.
ويضيف شاكر أن المصري القديم ربط أيضًا بين الأفعى وفكرة التجدد والخلود، إذ رأى في تبديلها لجلدها رمزًا لاستمرار الحياة والبعث، لافتًا إلى أن هذه النظرة لم تكن واحدة دائمًا، فبينما مثلت الكوبرا الحماية والسلطة، جسد ثعبان "أبوفيس" الفوضى والظلام، ليصبح الاستثناء الوحيد تقريبًا بين رموز الأفاعي في العقيدة المصرية القديمة.

من المعابد إلى الحقول
مرت القرون، وسقطت الممالك، واختفت التيجان، لكن الأفعى لم تعد فوق رأس الملك، بل اتخذت من الصحارى والجبال والحقول موطنًا لها، حيث وجدت بيئة توفر لها المأوى والغذاء، إلا أن اتساع العمران وتغير البيئة جعلا المسافة بينها وبين الإنسان أقصر من أي وقت مضى.
يفسر خبير الزواحف، أحمد الدكروني، الأسباب وراء ظهور الأفعى بالقرب من السكان، موضحًا أن الكوبرا المصرية، وهي أكثر الأنواع السامة انتشارًا في دلتا مصر، تعيش بطبيعتها في الأراضي الزراعية المرتبطة بالترع والمصارف ونهر النيل، حيث تجد غذاءها من الضفادع والقوارض، خاصة في حقول الأرز، مضيفًا أن تراجع الجسور الطينية للترع والمصارف، إلى جانب التوسع في تبطين الترع، قلّل من أماكن اختباء الأفاعي ما دفعها بعضها للبحث عن أماكن بديلة توفر الرطوبة والغذاء.

صيف خرجت فيه الأفاعي إلى العلن
وفي صيف 2026، لم تكتف الأفاعي بالخروج من جحورها، بل خرجت أيضًا إلى منصات التواصل الاجتماعي لتخطف "التريند"، ففي 19 يونيو، توفيت "سهام البسيوني" إثر تعرضها للدغة ثعبان أثناء عملها في شتل الأرز ، وفى 29 يونيو استقبل مستشفى منيا القمح المركزي الطفل "عبدالرحمن إبراهيم عطية" 10 سنوات مصابًا بلدغة ثعبان، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بإصابته، ولم تمضِ أيام، حتى توفيت الطفلة "ملك عصام"،11 عامًا، بعد تعرضها للدغة ثعبان أثناء مرافقتها والدها في ري الأرض بقرية كفر حسين الطوبجي، كما تمكنت قوات الحماية المدنية بمحافظة القاهرة، من ضبط ثعبان عثر عليه داخل إحدى الشقق السكنية بمنطقة مصر القديمة.

الحقيقة بعيدًا عن التريند
هنا يتدخل خبير الزواحف، ويؤكد لـ "تليجراف مصر" أن ما يحدث في صيف 2026 لا يعني أن أعداد الأفاعي زادت بصورة غير مسبوقة، موضحًا أن ظهورها في هذا التوقيت يتكرر كل عام، لكن تسليط الضوء الإعلامي، إلى جانب وقوع حالتي وفاة أو ثلاث في منطقة واحدة، جعل الأمر يبدو وكأنه ظاهرة استثنائية، مشددًا على أن الكوبرا المصرية كائن دفاعي لا هجومي، فهي تتجنب البشر بطبيعتها، وأن 90٪ من حالات اللدغ تحدث عندما يدوس شخص عليها دون أن يراها، أو يحاول الإمساك بها أو محاصرتها، وليس لأنها تهاجم الإنسان عمدًا، لافتًا إلى أن شهري يونيو ويوليو يمثلان فترة نشاط أنثى الكوبرا حيث تضع ما بين 12 و40 بيضة بحسب عمرها وحجمها، وتخرج بكثرة بحثًا عن الغذاء، بالتزامن مع انتشار الضفادع في الأراضي الزراعية، وهو ما يزيد فرص احتكاكها بالمزارعين.

ليست كلها قاتلة
ويكفي أن يسمع أحدهم كلمة "ثعبان" حتى يبدأ البحث عن عصا أو حجر، لكن الحقيقة أن ليس كل ما يزحف على الأرض يحمل السم، ولا كل أفعى تمثل خطرًا على الإنسان, فمصر تضم نحو 36 نوعًا من الأفاعي، لا يتجاوز السام منها 9 أنواع، بينما يؤدي الباقي دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن البيئ.

ورغم أن الأنواع السامة تمثل نسبة محدودة، فإن لدغاتها قد تكون قاتلة إذا لم تُعالج سريعًا، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن لدغات الثعابين تتسبب سنويًا في وفاة ما بين 81 ألفًا و138 ألف شخص حول العالم، بعد تعرض ما يصل إلى 5.4 مليون شخص للدغات.
وتتصدر "الكوبرا المصرية" قائمة أشهر الأفاعي السامة في البلاد، إذ قد يصل طولها إلى مترين، وتشتهر بفرد رقبتها عندما تشعر بالخطر، بينما تعد "الطريشة"، أو الأفعى المقرنة، من أكثر الأنواع انتشارًا في المناطق الصحراوية والمدن الجديدة، حيث يساعدها لونها الرملي على الاختباء بين الرمال والانقضاض سريعًا عند الشعور بالتهديد، أما "الصل الأسود"، فيعيش غالبًا في المناطق الجبلية والصحراوية، ويُعرف بسمه شديد الخطورة، في حين يُعد "الأسود الخبيث" من أخطر الأنواع لصغر حجمه وقدرته على اللدغ حتى وفمه شبه مغلق.

داخل جحر الكوبرا
ويتفق صياد الأفاعي، مصطفى هجرس مع خبير الزواحف، مؤكدًا أن البلاغات التي يتلقاها خلال الصيف تتكرر كل عام، موضحًا أنه يتعامل يوميًا مع بلاغ أو اثنين لضبط الكوبرا، وأن ما شهده صيف 2026 لا يختلف كثيرًا عن الأعوام السابقة، باستثناء زيادة الاهتمام الإعلامي ومواقع التواصل، مضيفا أنه يتعامل مع معظم الحالات من خلال بلاغات المواطنين، سواء بعد العثور على ثعبان داخل منزل أو في محيطه، لافتًا أن الأفاعي لا تدخل البيوت بشكل متعمد، وإنما يتم اكتشافها بالصدفة في الأماكن التي تجد فيها مأوى مناسبًا، ليتم إبلاغه للتعامل معها، أما في الأراضي الزراعية والمناطق الصحراوية، فيعتمد على تتبع آثارها، مثل أثر الزحف أو بقايا انسلاخ الجلد، لتحديد أماكن وجودها.

عندما تبحث الكاميرا عن الثعبان
ولأن الأفاعي تجيد الاختباء، ومهمة الوصول إليها ليست سهلة، بدأت بعض الشركات المتخصصة بالاستعانة بوسائل تكنولوجية حديثة، مثل كاميرات التصوير الحراري، التي تكشف أماكن وجودها دون الحاجة إلى تكسير عشوائي أو البحث لساعات.

المفترس الذي اختفى
ومع تكرار الحديث عن زيادة أعداد الأفاعي، يؤكد خبير الزواحف أن الأمر يحتاج إلى وضعه في سياقه الطبيعي، موضحًا أن تراجع أعداد "النمس"، المفترس الطبيعي للكوبرا في مصر، قد يساهم في زيادة أعدادها بمرور الوقت.

الوجه الآخر للأفاعي
ورغم السمعة السيئة التي تلاحق الأفاعي، فإنها تؤدي وظيفة لا يمكن تجاهلها داخل الطبيعة، فهي تتغذى على القوارض التي تفسد المحاصيل وتنقل الأمراض، كما أنها نفسها تمثل غذاءً لحيوانات أخرى، لتبقى جزءًا من سلسلة تحافظ على التوازن البيئي.
اقرأ أيضًا:
كيف تحمي منزلك من الثعابين؟ نصائح الخبراء لسكان القرى بعد لدغات الشرقية
الأكثر قراءة
-
تفاصيل وظائف الكهرباء الجديدة 2026.. بدون خبرة وبمرتب 15 ألف جنيه
-
كيف تحمي منزلك من السرقة خلال السفر؟.. حرامي تائب يوضح
-
سعر الدولار اليوم مقابل الجنيه المصري.. كم وصل سعر الصرف؟
-
ذروة الارتفاع غدا.. "الأرصاد" تكشف موعد انتهاء الموجة الحارة
-
"ماتضيعش وقتك".. مستند ترفضه “الكهرباء” في تحويل العدادات الكودية
-
استثمر 50 ألف جنيه.. واحصل على عائد يتخطى 44 ألفًا من بنك مصر
-
مصرع خمسيني وفتاة عشرينية صعقًا بالكهرباء عقب إخماد حريق في أسيوط
-
احصل على 8125 جنيهًا.. تفاصيل شهادات CIB الجديدة 2026
أخبار ذات صلة
الملف الكامل لـ"سفاح الجيزة".. 4 ضحايا و5 سنوات من الغموض انتهت بالإعدام
21 يوليو 2026 10:00 ص
"النصب بالذكاء الاصطناعي".. كل ما تريد معرفته لحماية نفسك من مجرمي الإنترنت
21 يوليو 2026 01:10 ص
ماذا أنجز مجلس الشيوخ قبل الإجازة البرلمانية؟.. حصاد بالأرقام
20 يوليو 2026 03:49 م
ضربات أمريكية ضد إيران وشلل في هرمز.. تفاصيل الليلة التاسعة من المواجهة
20 يوليو 2026 10:30 ص
أكثر الكلمات انتشاراً