الإثنين، 27 يوليو 2026

11:34 م

السمسرة العقارية.. وحماية السوق

لم يعد تنظيم نشاط السمسرة العقارية مجرد استجابة لمطالب العاملين في القطاع أو محاولة لمعالجة بعض التجاوزات الفردية، وإنما أصبح ضرورة فرضتها طبيعة التحولات التي يشهدها السوق العقاري المصري خلال السنوات الأخيرة خاصة مع التوسع العمراني غير المسبوق الذي تشهده الدولة، وظهور عشرات المدن الجديدة، وزيادة حجم الاستثمارات المحلية والأجنبية في القطاع العقاري، فأصبح من غير المقبول أن يظل أحد أهم حلقات هذه المنظومة، وهو الوسيط العقاري، يعمل في كثير من الأحيان دون إطار مهني واضح أو ضوابط قانونية حاكمة.

ومن هنا جاءت أهمية بدء التطبيق الفعلي لقانون تنظيم نشاط السمسرة العقارية بعد انتهاء مهلة توفيق الأوضاع، باعتباره خطوة تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الانضباط والاحتراف والشفافية، وليس مجرد إضافة تشريعية إلى منظومة القوانين.

لقد أثبتت التجربة أن السوق العقارية لا تعتمد فقط على حجم المشروعات أو قيمة الاستثمارات، وإنما تعتمد بالدرجة الأولى على الثقة، المواطن الذي يبحث عن شراء وحدة سكنية أو المستثمر الذي يضخ أمواله في مشروع جديد يحتاج إلى بيئة يشعر فيها بالأمان القانوني، ويطمئن إلى أن المعلومات التي يحصل عليها صحيحة، وأن الوسيط الذي يتعامل معه مسؤول أمام القانون، وليس مجرد شخص يمارس النشاط دون ترخيص أو رقابة.

وخلال السنوات الماضية شهدنا حالات عديدة تعرض فيها مواطنون لعمليات نصب أو احتيال أو تضليل نتيجة التعامل مع سماسرة غير مؤهلين أو إعلانات عقارية وهمية، وهو ما أضر بسمعة السوق وأوجد حالة من عدم اليقين لدى بعض المتعاملين لذلك فإن القانون الجديد لا يحمي الأفراد فقط، وإنما يحمي أيضا سمعة السوق العقارية المصرية ويعزز قدرتها على جذب المزيد من الاستثمارات.

من المهم التأكيد على أن تنظيم المهنة لا يعني التضييق على العاملين بها، بل على العكس تماما، فهو يرفع من قيمتها ويحولها من نشاط يمارسه أي شخص إلى مهنة لها قواعد وأصول ومسؤوليات، الأسواق المتقدمة لا تقوم على العشوائية، وإنما على الاحتراف، وكلما ارتفع مستوى التنظيم ارتفعت جودة الخدمات المقدمة للمواطنين لذلك فإن اشتراط الترخيص، والالتزام بعقود واضحة، والتحقق من بيانات العقارات، والالتزام بالقواعد المنظمة للتعاملات المالية، كلها إجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أعباء، وإنما باعتبارها ضمانات تعزز الثقة بين جميع أطراف المنظومة العقارية، وتخلق بيئة أكثر استقرارًا وعدالة.

ومن واقع الخبرة في الإدارة المحلية، فإن أي عملية تنمية عمرانية ناجحة لا تكتمل بمجرد إنشاء المدن أو تنفيذ المشروعات، وإنما تحتاج إلى سوق منظمة تدير حركة البيع والشراء والاستثمار بكفاءة، الدولة أنفقت مئات المليارات على تطوير البنية الأساسية، وإنشاء المدن الذكية، وتوسيع الرقعة العمرانية.

ومن الطبيعي أن يصاحب ذلك تطوير للإطار التشريعي الذي يحكم التعاملات داخل هذا القطاع الحيوي لذلك فإن تنظيم نشاط السمسرة يمثل جزءا من منظومة الإصلاح الاقتصادي والإداري التي تنتهجها الدولة، ويعكس إدراكا بأن التنمية لا تقتصر على تشييد المباني، وإنما تشمل أيضا بناء مؤسسات قوية وقواعد عمل واضحة تحقق التوازن بين حرية السوق وحماية المتعاملين.

إن القانون يحمل رسالة مهمة إلى المستثمرين في الداخل والخارج، مفادها أن السوق العقارية المصرية أصبحت أكثر نضجا وقدرة على تنظيم نفسها وفق معايير مهنية وقانونية حديثة، المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم الفرص المتاحة، بل يهتم أيضا بدرجة الشفافية، وسهولة الإجراءات، ووضوح المسؤوليات، ومدى قدرة الدولة على حماية الحقوق، وكلما نجحت مصر في ترسيخ هذه المبادئ، ازدادت قدرتها على المنافسة وجذب رؤوس الأموال، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من تنافس كبير على استقطاب الاستثمارات العقارية.

وفي المقابل، فإن نجاح القانون لن يتحقق بمجرد توقيع العقوبات على المخالفين، لأن التشريع وحده لا يصنع واقعا جديدا إذا لم تصاحبه ثقافة مجتمعية تؤمن بأهمية الالتزام ومن ثم فإن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار حملات التوعية للمواطنين بأهمية التعامل مع الوسطاء المرخصين فقط، وتشجيع العاملين في القطاع على استكمال إجراءات الترخيص وتطوير قدراتهم المهنية.

إلى جانب استمرار أجهزة الدولة في الرقابة والمتابعة لمنع أي محاولات للالتفاف على القانون، كما أن التحول الرقمي يمكن أن يلعب دورا مهما في هذا المجال من خلال إنشاء قواعد بيانات محدثة للسماسرة المرخصين، وإتاحة وسائل إلكترونية تمكن المواطن من التحقق بسهولة من قانونية الوسيط قبل إتمام أي تعاقد.

إن بناء سوق عقارية قوية لا يعتمد فقط على حجم المشروعات أو ارتفاع معدلات البناء، وإنما يعتمد أيضا على وجود منظومة متكاملة تحكم العلاقة بين جميع الأطراف، وتمنع استغلال المواطن، وتحقق العدالة في المنافسة، وتحافظ على استقرار الأسعار بعيدًا عن الممارسات غير المشروعة لذلك تنظيم السمسرة العقارية ليس هدفا في حد ذاته، بل هو وسيلة لبناء سوق أكثر انضباطا ومهنية، يتناسب مع مكانة القطاع العقاري باعتباره أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني.

وفي تقديري، فإن تطبيق قانون تنظيم نشاط السمسرة العقارية يمثل خطوة متقدمة في مسار إصلاح السوق، لكنه في الوقت نفسه بداية لمرحلة تتطلب تعاون الجميع؛ الدولة بأجهزتها الرقابية، والعاملين في القطاع بالتزامهم بالمعايير المهنية، والمواطنين بحرصهم على التعامل مع الجهات المرخصة وعندما تتحول السمسرة العقارية إلى مهنة تقوم على الكفاءة والمسؤولية والشفافية.

فإن المستفيد الحقيقي لن يكون طرفًا واحدًا، وإنما الاقتصاد المصري بأكمله، الذي يحتاج إلى أسواق منظمة بقدر احتياجه إلى مشروعات جديدة، فالدول الحديثة لا تقاس فقط بما تبنيه من عمران، وإنما أيضا بقدرتها على إدارة هذا العمران وفق قواعد راسخة من القانون والاحتراف، وهو ما تسير الدولة المصرية بخطوات ثابتة نحو تحقيقه في إطار رؤية الجمهورية الجديدة.

اقرأ أيضًا:

د. رضا فرحات يكتب .. الصمت الإستراتيجي

search