الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

01:36 ص

قاع الهامور.. جرس إنذار للوعي

هناك أشياء تبدأ صغيرة إلى الحد الذي لا يدفعنا إلى الالتفات إليها، ثم نكتشف بعد قليل أنها كانت تحمل في داخلها معنى أكبر من حجمها بكثير، هكذا تبدو قصة «قاع الهامور» في مشهد السوشيال ميديا، تريند بدأ في مساحة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الفكاهة واللعب، ثم اتسع حتى صار عالما افتراضيا له لغته وشخصياته ومسمياته، ويستعير بعض مفردات الواقع ومؤسساته ويعيد تقديمها في قالب ساخر.

«قاع الهامور» ليس مجرد تريند عابر يستحق المشاهدة ثم النسيان، وإنما ظاهرة رقمية تستحق التوقف أمامها، لأنها تكشف حجم المساحة التي أصبحت السوشيال ميديا تشغلها في تشكيل الوعي وصناعة المزاج العام، وما يبدو في بدايته مجرد مساحة للترفيه قد يتحول، مع التكرار والانتشار، إلى نافذة تتسلل منها أفكار وصور ومفاهيم جديدة إلى الوعي الجمعي، ومن هنا تأتي خطورة «قاع الهامور»: باعتباره ثقبا صغيرا في جدار الوعي، والثقوب الصغيرة هي التي ينبغي أن ننتبه إليها قبل أن تتسع.

الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، ولا منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه ولكنها أصبحت بيئة متكاملة يعيش داخلها الإنسان جزءا معتبرا من يومه، يتلقى منها الأخبار، ويتابع من خلالها الأحداث، ويكون انطباعاته عن الأشخاص والمؤسسات والقضايا، بل ويشارك في صناعة المحتوى الذي سيشاهده الآخرون بعد دقائق لذلك فإن أي ظاهرة واسعة الانتشار على هذه المنصات لم تعد شأنا رقميا خالصا، ولكنها جزءا من المشهد الاجتماعي والثقافي والسياسي و الحديث عن السوشيال ميديا هو حديث عن قطاع واسع من المجتمع، وعن واحدة من أهم ساحات تشكيل الرأي العام.

المسألة ليست أن هناك شبابا يضحكون أو يتبادلون صورا ساخرة؛ فهذا أمر طبيعي، بل إن الفكاهة والسخرية جزء أصيل من الشخصية المصرية، المسألة في التحول الذي يحدث عندما تنتقل الفكرة من مجرد نكتة إلى عالم كامل، وعندما تبدأ المساحة الافتراضية في إنتاج مفردات تشبه مفردات الحياة الواقعية، ومحاكاة مؤسساتها وأدوارها، وصناعة حالة من المشاركة الجماعية حول عالم غير موجود إلا على الشاشة، عند هذه النقطة يصبح من المشروع أن نسأل: ماذا تقول هذه الظاهرة عن الطريقة التي يتعامل بها الجيل الجديد مع الواقع؟ ولماذا أصبح من السهل إنشاء عالم افتراضي كامل، بينما تبدو المشاركة في العالم الحقيقي أكثر تعقيدا وبطئا؟

لا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن «قاع الهامور» يحمل مشروعا سياسيا أو أن وراءه بالضرورة نوايا خفية، القراءة الجادة للظواهر الاجتماعية ترفض مثل هذه القفزات، لكن الوعي السياسي لا يتعامل مع الظاهرة فقط وفق نية أصحابها، وإنما يتأمل أثرها المحتمل وتراكماتها، فقد يبدأ الأمر بالضحك، ثم يصبح عادة، ثم تتحول العادة إلى لغة، ثم تصبح اللغة إطارا لرؤية الواقع وهنا تكمن أهمية التحذير: الوعي لا يتغير دائما عبر الأحداث الكبرى؛ أحيانا يتغير عبر آلاف التفاصيل الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح مألوفة.

المشكلة الأكبر أن السوشيال ميديا لا تعمل بالطريقة التي يعمل بها المجال العام التقليدي، في الصحافة والإعلام التقليديين توجد، نظريا، قواعد للتحقق ومسؤوليات مهنية ومصادر يمكن الرجوع إليها أما في الفضاء الرقمي، فالأكثر انتشارا ليس بالضرورة الأكثر دقة، والأكثر إثارة ليس بالضرورة الأكثر أهمية، والأكثر تفاعلا ليس بالضرورة الأكثر قيمة، الخوارزميات تقيس الانتباه، وتدفع بالمحتوى الذي يثير الفضول أو الغضب أو الضحك أو الصدمة، ولذلك يمكن أن تنتقل فكرة بسيطة إلى ملايين المستخدمين في وقت قصير، بينما تحتاج المعلومة الجادة إلى جهد كبير حتى تصل إلى جزء من هذا الجمهور.

هنا يصبح «قاع الهامور» مثالا على سؤال أكبر: من يصنع وعي المواطن اليوم؟ هل المدرسة وحدها؟ هل الأسرة؟ هل الإعلام؟ هل الأحزاب؟ أم أن الهاتف أصبح شريكا أساسيا في عملية تشكيل الوعي؟ الإجابة الواقعية أن كل هذه العناصر موجودة، لكن تأثير المنصات الرقمية يتزايد بصورة لا يمكن تجاهلها، المعركة الحقيقية ليست مع تريند بعينه، وإنما مع فكرة ترك تشكيل الوعي بالكامل لمنطق الخوارزمية، المجتمع الذي لا يقدم لأبنائه المعرفة الموثوقة، والحوار الجاد، والمشاركة الحقيقية، سيجد أن المنصات الرقمية تقدم لهم بدائل جاهزة، بعضها مفيد، وبعضها ترفيهي، وبعضها قد يكون مضللا أومؤثرا في اتجاهات الرأي العام دون أن يشعر المتلقي بذلك.

ومن هنا أيضا تأتي أهمية المجال العام والحياة الحزبية والإعلام، المواطن الذي يجد مساحة حقيقية للتعبير عن رأيه ومناقشة مشكلاته والمشاركة في الشأن العام يكون أقل احتياجا إلى البحث عن بدائل افتراضية تؤدي الوظيفة نفسها، والأحزاب الوطنية، إذا أرادت أن تؤدي دورا حقيقيا في حماية الوعي، عليها أن تدخل إلى هذا الفضاء بلغة العصر، لا أن تتركه بالكامل للمؤثرين وصناع المحتوى و أن المنافسة لم تعد مع صحيفة أو قناة ، وإنما مع هاتف المواطن نفسه، ومع عشرات التنبيهات التي تصل إليه كل دقيقة.

إن حماية الوعي لا تعني وضع المجتمع في مواجهة التكنولوجيا، ولا تعني اعتبار كل تريند خطرا، الوعي الحقيقي أكثر ثقة من ذلك؛ فهو يسمح بالضحك، لكنه يعرف متى يتوقف للتفكير، يسمح بالنقد، لكنه يفرق بين النقد والبناء وبين التشكيك والهدم، ويتعامل مع العالم الرقمي باعتباره أداة يمكن أن تصنع المعرفة مثلما يمكن أن تصنع الوهم.

ولذلك فإن «قاع الهامور» قد ينتهي غدا ويأتي بعده «تريند» آخر، لكن السؤال الذي تركه وراءه سيظل قائما: إذا كانت السوشيال ميديا قادرة على بناء عالم افتراضي كامل خلال أيام، فمن المسؤول عن بناء جدار الوعي الذي يحمي المجتمع من أن يتحول هذا العالم الافتراضي إلى بديل عن الواقع؟ هنا تحديدا يجب أن نفهم معنى «ثقب السوشيال ميديا»: ليس الخطر في وجود الثقب، وإنما في أن نراه صغيرا فنقرر ألا نهتم به، فالوعي الوطني لا ينهار بضربة واحدة، لكنه قد يتآكل من ثقوب صغيرة لا ننتبه إليها إلا بعد أن يصبح إصلاحها أصعب بكثير.