الإثنين، 27 يوليو 2026

11:34 م

لماذا لم نعد كما كنا ؟!

الأشياء هي التي غيّرتنا دون أن ننتبه.. لا أحد يستيقظ صباحًا ويقرر أن يصبح شخصًا مختلفًا ولا أحد يقول لنفسه سأكون أقل حديثًا، أقل ثقة، أقل اندهاشًا، أو أقل قدرة على منح قلبي كما كنت أفعل من قبل، لكننا وبطريقة ما نشعر بكل ما حدث بداخلنا من تغيرات.

ليس لأننا أردنا ذلك بل لأن الحياة كانت أسرع من قدرتنا على البقاء كما نحن.

في يومٍ ما، كنا نضحك من أعماقنا دون أن نحسب ردود الأفعال نثق في الناس بسهولة ونحكي كل ما بداخلنا دون خوف من أن يُساء فهمنا كنا نفرح بالأشياء الصغيرة ونبكي ثم ننسى ونغضب ثم نسامح وكأن قلوبنا كانت أخف مما هي عليه الآن.

ثم مرّت الأيام..

لا حدث واحد غيرنا، بل مئات التفاصيل الصغيرة.

خيبة لم نجد لها تفسيرًا، وعد لم يكتمل، ورسالة لم تصل.
شخص ظنناه عمرًا كاملًا  فاكتشفنا أنه كان مجرد فصلٍ عابر.
وحلم انتظرناه طويلًا  ثم مرّ بجوارنا كأنه لم يكن لنا.

علم النفس لا يرى أن الإنسان يتغير فجأة بل يؤكد أن التعرض المستمر للضغوط والخذلان وعدم اليقين يغير طريقة استجابتنا للحياة فالعقل يحاول حمايتنا فيجعلنا أكثر حذرًا وأقل اندفاعاً وأبطأ في منح الثقة، إنها ليست قسوة بقدر ما هي محاولة صامتة للبقاء.

ولهذا أصبحنا نبتسم أكثر مما نفرح، ونقول “أنا بخير”.. ليس لأننا بخير فعلًا بل لأننا تعبنا من شرح ما لا تستطيع الكلمات أن تحمله.

أصبح الصمت أسهل من التبرير.

لا لأن الكلام انتهى بل لأننا اكتشفنا أن بعض المشاعر تفقد معناها كلما اضطررنا إلى الدفاع عنها.

وأصبحنا نؤجل الحديث عن أنفسنا حتى لأنفسنا.

الغريب أننا لم نفقد القدرة على الحب لكننا أصبحنا نخاف من الخسارة قبل أن تبدأ الحكاية لم نفقد الرغبة في القرب لكننا أصبحنا نقترب بخطوات محسوبة وكأن كل قلب يحمل داخله ذاكرة قديمة تهمس له “انتبه لقد تألمت هنا من قبل”.

نحن لا نعيش فقط بما يحدث اليوم نحن نحمل معنا كل الأمس.

كل كلمة قاسية قيلت لنا وكل باب أُغلق في وجوهنا وكل مرة شعرنا فيها أننا لم نكن كافيين لأحد تظل تسكن مكاناً خفياً داخلنا وتشارك في تشكيل النسخة التي أصبحنا عليها.

ومع ذلك ما زلت أؤمن أن الإنسان مهما تغير لا يفقد جوهره بالكامل.

قد يختبئ خلف الحذر.. قد يصمت طويلًا.. قد يتظاهر بالقوة لكنه حين يجد الأمان الحقيقي، يعود إليه شيء ظن أنه فقده إلى الأبد.

يعود ليضحك بعفوية.

ليحكي دون خوف.

وليؤمن أن الحياة لم تُخلق لتكون سلسلة من الخيبات فقط ربما لهذا لا ينبغي أن نقسو على النسخة التي أصبحنا عليها فهذه النسخة لم تأتِ من فراغ.

لقد صنعتها أيام لم تكن سهلة وتجارب لم نستعد لها وأوجاع لم يخبرنا أحد كيف نعبرها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله لأنفسنا ألا نحاول أن نعود كما كنا.

بل أن نصبح نسخة أكثر وعيًا دون أن نفقد دفء القلب. 

أن نكون أكثر نضجًا دون أن نفقد قدرتنا على الدهشة.

وأكثر حذرًا دون أن نتوقف عن الإيمان بأن في هذه الحياة أشخاصًا يستحقون أن نفتح لهم أبواب أرواحنا من جديد.

والآن أخبرني أيها القارئ: هل غيرتك الحياة أم أنها كانت تكشف في كل مرة جزءًا جديداً منك لم تكن تعرفه؟ ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها أن الحياة تعيد تشكيلك لا تحطمك ؟!

search