الأربعاء، 12 أغسطس 2026

09:11 م

ضغوط "التارجت" تورط العملاء.. كيف تلاعب موظفو شركات الاتصالات ببيانات المصريين؟

شركات الاتصالات

شركات الاتصالات

في الوقت الذي تواجه فيه سوق الاتصالات أزمة تتعلق بتسجيل خطوط المحمول بأسماء المواطنين دون علمهم، تكشف شهادات عدد من العاملين الحاليين أو السابقين في فروع شركات الاتصالات عن كواليس أخرى داخل منظومة البيع، تربط بين ضغوط "التارجت" وبعض الممارسات التي تفتح الباب أمام تداول شرائح المحمول خارج القنوات الرسمية.

حرق الخطوط

شهادات العاملين تشير إلى مواجهة بعض الموظفين لمستهدفات شهرية لا تتعلق فقط بعدد الخطوط المباعة، وإنما تشمل كذلك خدمات الإنترنت المنزلي والهوائي، وخطوط الشركات، والأجهزة، فضلًا عن قيمة الباقات نفسها، إذ يقول أحد الموظفين إن جزءًا من دخل الموظف يرتبط بتحقيق هذه المستهدفات، ما يجعل عدم الوصول إليها مصدرًا مباشرًا لخسارة جزء من دخله.

وكشف موظف بإحدى الشركات في شهادة لـ"تليجراف مصر"، عن ممارسات وصفها  بـ"الحرق"، موضحًا أنها قد تعني تحمل الموظف جزءًا من تكلفة بعض المبيعات من ماله الخاص ليتمكن من تسجيلها ضمن أرقامه الشهرية.

راتب الموظف مرتبط بالـ"تارجت"

بحسب الشهادة، يُقسم راتب الموظف إلى جزء أساسي وآخر مرتبط بتحقيق المستهدف، ويخضع الأخير لشرائح مختلفة وفق نسبة الإنجاز، وعدم الوصول إلى نسبة معينة يحرم الموظف من الحصول على كامل راتبه.

لا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تحدث الموظف عن وجود حوافز إضافية قد تصل إلى نصف الراتب في حالة تحقيق المستهدف بالكامل، فإذا كان راتبه 8 آلاف جنيه فإنه قد يحصل على 12 ألف في هذه الحالة.

 المفارقة هنا بحسب الشهادة، أن جزءًا من هذه الحوافز قد يستخدم لتعويض خسائر يتحملها الموظف نتيجة ممارسات "الحرق"، ما يجعله يدور في حلقة تبدأ بتحقيق المستهدف وتنتهي بإنفاق جزء من العائد للحفاظ على تحقيق الأرقام.

لماذا يلجأ الموظف إلى "حرق" الخطوط والأجهزة؟

لا تقتصر الضغوط على بيع خطوط المحمول، إذ يقول الموظف إن الأجهزة تمثل جزءًا من مستهدفات بعض العاملين، في وقت تكون فيه أسعار الأجهزة داخل الفروع أعلى من أسعارها لدى بعض التجار والمحلات الخارجية.

وأضاف أن الموظف قد يجد نفسه مضطرًا في بعض الحالات إلى شراء جهاز بقيمة مرتفعة ثم بيعه لتاجر خارجي بسعر أقل، متحملًا الفارق من جيبه، مقابل تسجيل عملية البيع وتحقيق المستهدف.

وضرب مثالًا، بأن قيمة الجهاز قد تصل إلى 10 آلاف جنيه، بينما يتحمل الموظف نحو ألف جنيه كخسارة في عملية إعادة بيعه لتاجر، على أمل تعويض هذا الفارق من الحوافز المرتبطة بتحقيق المستهدف.

وهذه الممارسة، لا تحقق للموظف مكسبًا حقيقيًا، لكنها تساعده على الحفاظ على نسب الإنجاز المطلوبة منه، على أمل الترقي مستقبلًا.

من بيع الخط إلى التحكم في الباقة

ويكشف موظف آخر، عن جانب مختلف من ضغوط المبيعات يتعلق بالباقات، إذ يقول الموظف إن العاملين لا يطلب منهم فقط بيع عدد معين من الخطوط، بل هناك أهداف مرتبطة بقيمة الباقة التي يحصل عليها العميل.

وضرب مثالًا بوجود خط بسعر أساسي معروف للعميل، لكن الموظف قد يكون مطالبًا بعرض باقات أعلى قيمة، وقد يُفرض على الفرع عدد محدد من الخطوط التي يمكن بيعها ضمن الباقات الاقتصادية.

ويؤدي ذلك، بحسب روايته، إلى دفع الموظف لإقناع العميل بالحصول على باقة أعلى، أو شراء أكثر من خط في بعض الحالات، حتى إذا كان احتياج العميل الفعلي يقتصر على خط واحد أو باقة أقل سعرًا.

ويقول الموظف، إن هذه السياسة تخلق شكاوى متكررة من العملاء بشأن الأسعار، بينما يجد العامل نفسه مطالبًا بتحقيق المستهدف الذي تحدده الإدارة.

الجزء الأخطر.. تسجيل خطوط على بطاقات عملاء سابقين

الجزء الأكثر حساسية في شهادة موظفي الفروع يتعلق بكيفية استخدام بيانات عملاء سبق لهم التعامل مع الفروع، فالعميل الذي يدخل الفرع لإجراء عملية مثل استبدال شريحة قد تٌحفظ بيانات بطاقته على جهاز الموظف ضمن إجراءات الخدمة.

وبحسب الروايات، قد يحتفظ بعض الموظفين بصور أو بيانات بطاقات لعملاء سابقين، ثم يستخدمونها في نهاية الشهر لتسجيل خطوط جديدة عندما تكون أرقام المبيعات أقل من المستهدف.

ويقول أحد الموظفين، إنه قد يجد لديه نحو 20 بطاقة لعملاء سابقين، وقد تٌستخدم بياناتها لتسجيل خطوط جديدة إذا كان الموظف ينقصه عدد معين من الخطوط لتحقيق المستهدف، قبل بيع هذه الخطوط خارج الفرع لتجار.

كيف تصل الخطوط إلى السوق السوداء؟

بحسب الشهادات، يتم بيع بعض الخطوط التي جرى استخراجها بهذه الطريقة إلى تجار في محلات الهواتف، حيث يعيد التاجر بيعها “بطريقته”، وتختلف قيمة الخط، بحسب خصائصه والطلب عليه، ويصبح أكثر قيمة إذا كان مرتبطًا بمحفظة إلكترونية.

ويشير الموظف، إلى أن بعض التجار يبحثون تحديدًا عن خطوط مرتبطة بمحافظ إلكترونية، بسبب إمكانية استخدامها في عمليات السحب والإيداع مقابل عمولات، إذ يوجد عدد محدود في المحافظ التي يمكن تسجيلها على بيانات الشخص الواحد.

ويخلق هذا الأمر طلبًا على خطوط مرتبطة بأسماء أشخاص آخرين، ما قد يدفع بعض التجار إلى دفع سعر أعلى للخط الذي توجد عليه محفظة إلكترونية، مقارنة بالخط العادي.

مخاطر على صاحب الهوية

المشكلة لا تنتهي عند بيع الشريحة، فصاحب البيانات يظل هو الشخص المرتبط رسميًا بالخط، وبحسب شهادات الموظفين، فإن صاحب الخط أو المحفظة يمكنه في أي وقت، اتخاذ إجراءات بشأن الخط أو سحب الأموال الموجودة في المحفظة، ما يضع التاجر الذي اشترى الخط بصورة غير رسمية أمام مخاطر مستمرة.

كما أن استخدام بيانات مواطن في تسجيل خط لم يطلبه يضع صاحب الهوية أمام مشكلة أكبر، خاصة إذا استُخدم الخط في معاملات أو أغراض لا علاقة له بها.

ويقول أحد الموظفين، إن بعض التجار يحاولون معالجة المشكلات التي تواجه المحافظ عبر العودة إلى الموظف الذي أصدر الخط.

“الخط الشمال”

لا تقتصر السوق غير الرسمية، على الخطوط المرتبطة بالمحافظ الإلكترونية، فالخطوط العادية التي يتم تسجيلها ثم بيعها خارج القنوات الرسمية قد تجد مشترين لأغراض مختلفة، دون أن يعرف الموظف الذي أصدرها في النهاية الغرض من استخدامها.

ويشير الموظف، إلى أن بعض المشترين قد يبحثون عن خطوط لاستخدامها في أغراض مخالفة أو غير معلومة، ما يضاعف مخاطر تسجيلها بأسماء مواطنين لا يعلمون بوجودها من الأساس.

خطوط الشركات.. باب آخر للممارسات غير الرسمية

وتكشف شهادة الموظف، كذلك عن وجود ضغوط مرتبطة بمبيعات خطوط الشركات، التي تتطلب مستندات مثل البطاقة الضريبية.

وبحسب الموظف، قد يحصل بعض العملاء على عروض أو مزايا مرتبطة بفتح حسابات وخطوط شركات، لكن المشكلة تظهر عندما لا يكون العميل على دراية كاملة بالتزامات العقد.

ويقول إن بعض العملاء قد يوقعون على عقود تتضمن عدة خطوط، ثم يكتشفون لاحقًا وجود فواتير والتزامات مالية مستمرة عليهم، قد تمتد لعدة أشهر.

هل تعرف الشركات بما يحدث؟

الأمر الأكثر حساسية هو ما يتعلق بعلاقة الإدارات في هذه الممارسات، فبحسب الشهادات، يرى العاملون إدارات أعلى منهم تعلم بوجود ممارسات "الحرق" وغيرها من طرق استكمال المستهدفات.

وبحسب الروايات، فإن الرسالة التي تصل إلى الموظف ليست بالضرورة "اعمل بشكل مخالف"، وإنما تأتي بصورة غير مباشرة: "أنت عايز تكمل؟ أنت ضامن المرتب الثابت؟ يبئى لازم تحقق التارجت". وتتغاضى الإدارات عن هذه الممارسات طالما أن الأرقام النهائية تتحقق.

ويربط الموظف بين تحقيق المستهدف وبين فرص الترقية وزيادة المستهدفات مستقبلًا، فالموظف الذي يحقق أرقامًا مرتفعة قد يحصل على فرصة للترقي، لكن المستهدف نفسه يرتفع مع صعوده في السلم الوظيفي.

اقرأ أيضا:

توجه للفرع أو يُلغى خطك.. قرار عاجل لمشتركي المحمول في مصر

search