السبت، 15 أغسطس 2026

01:53 م

"قسما".. حكاية لحن لـ محمد فوزي خلدته الجزائر في نشيدها الوطني

المطرب الراحل محمد فوزي

المطرب الراحل محمد فوزي

"قسما بالنازلات الماحقات.. والدماء الزاكيات الطاهرات".. كلمات تتردد في مختلف المناسبات الوطنية الجزائرية، وتعلو بها أصوات الجماهير قبل مباريات المنتخب، بينما يقف لاعبو "محاربي الصحراء" في أرض الملعب، في مشهد يختصر تاريخًا طويلًا من النضال والاعتزاز بالهوية الوطنية.

لكن خلف هذا المشهد حكاية فنان مصري رحل عن عالمنا قبل نحو 60 عامًا، إلا أن موسيقاه ظلت حاضرة في وجدان الجزائريين؛ إذ وضع الموسيقار محمد فوزي، الذي وُلد في مثل هذا اليوم 15 أغسطس عام 1918، لحن النشيد الوطني الجزائري "قسما"، لتتحول موسيقاه مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الوطنية الجزائرية، وتبقى حاضرة كلما وقف المنتخب قبل صافرة البداية.

من الثورة الجزائرية إلى "قسما"

بدأت القصة في خمسينيات القرن الماضي، خلال الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، عندما كتب شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا كلمات «قسماً»، التي جاءت محملة بروح المقاومة والتضحية والرغبة في التحرر والاستقلال.

وفي منتصف خمسينيات القرن الماضي، وصلت كلمات النشيد إلى القاهرة، التي كانت آنذاك مركزًا مهمًا لدعم الثورة الجزائرية إعلاميًا وسياسيًا وثقافيًا، وكانت إذاعة "صوت العرب" من أبرز المنابر التي نقلت صوت الثورة إلى العالم العربي.

وهناك التقى مفدي زكريا بالموسيقار المصري محمد فوزي، الذي أعجب بالنص وتحمس لتلحينه، لتبدأ من القاهرة واحدة من أشهر الحكايات الفنية التي جمعت بين مصر والجزائر، في مرحلة كان فيها الفن والموسيقى جزءًا من التعبير عن قضايا التحرر العربي.

محمد فوزي يلحن النشيد دعمًا للثورة

لم يتعامل محمد فوزي مع «قسماً» باعتباره عملًا فنيًا عاديًا، وإنما جاء تلحينه في سياق التضامن المصري الواسع مع الثورة الجزائرية، وتشير الروايات إلى أنه لم يتقاضَ مقابلًا ماديًا عن العمل دعمًا للقضية الجزائرية، فيما تذكر بعض الروايات أنه تحمل كذلك تكاليف تنفيذ العمل الموسيقي.

وبغض النظر عن اختلاف التفاصيل الواردة في الروايات بشأن ظروف إنجاز اللحن، فإن الثابت أن اسم محمد فوزي ارتبط منذ تلك الفترة بالنشيد الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أبرز الرموز الوطنية الجزائرية، وأن تعاونه مع مفدي زكريا تحول إلى نموذج بارز للتضامن الفني العربي مع الثورة الجزائرية.

وبعد استقلال الجزائر، أصبح «قسماً» النشيد الوطني للبلاد، وارتبط لحن محمد فوزي بالمناسبات الرسمية والاحتفالات الوطنية، قبل أن يمتد حضوره إلى مختلف تفاصيل الحياة العامة.

المطرب الراحل محمد فوزي

"قسما".. من النشيد الوطني إلى الملاعب

مع مرور السنوات، لم يعد النشيد مجرد عمل وطني يُؤدى في المناسبات الرسمية، وإنما أصبح جزءًا من الوجدان الجزائري، يتردد في المدارس والاحتفالات والميادين والملاعب.

ومن هنا جاءت العلاقة اللافتة بين محمد فوزي وكرة القدم الجزائرية؛ فكلما وقف لاعبو المنتخب الوطني قبل مباراة دولية، وعلا صوت الجماهير مرددًا كلمات مفدي زكريا، عاد لحن الفنان المصري إلى الواجهة من جديد، وكأن الموسيقار الذي رحل عام 1966 ما زال حاضرًا في المشهد.

ويظهر هذا الحضور بصورة خاصة قبل مباريات المنتخب الجزائري، عندما يقف اللاعبون والجهاز الفني والجماهير احترامًا للنشيد الوطني، ثم تتردد كلماته الشهيرة: "نحن ثرنا فحياة أو ممات.. وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.. فاشهدوا، فاشهدوا، فاشهدوا".

وفي تلك اللحظة، لا يكون محمد فوزي حاضرًا باعتباره اسمًا من كتب التاريخ الفني، وإنما من خلال لحن يعرفه الملايين ويحفظه الجزائريون جيلًا بعد جيل.

الجزائر تخلد اسم محمد فوزي

ولم تكتفِ الجزائر بالحفاظ على لحن محمد فوزي داخل نشيدها الوطني، وإنما حرصت أيضًا على تخليد اسمه وتكريم دوره الفني.

وفي عام 2017، أُطلق اسم الفنان المصري على المعهد الوطني العالي للموسيقى في الجزائر العاصمة، في خطوة عكست المكانة التي يحظى بها داخل الذاكرة الموسيقية الجزائرية، كما ارتبط اسمه بتكريمات رسمية تقديرًا لدوره في تلحين النشيد الوطني.

"قسما" يجدد ذكرى محمد فوزي في الجزائر

وفي يوليو 2026، تجددت مظاهر الوفاء لمحمد فوزي من خلال أمسية تكريمية أقامتها أوبرا الجزائر بالتعاون مع سفارة مصر في الجزائر، احتفاءً بإسهاماته الفنية وعلاقته بالثقافة الجزائرية.

وأقيمت الأمسية يوم 11 يوليو، بحضور وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، وسفير مصر لدى الجزائر عبد اللطيف اللايح، إلى جانب نجل الفنان الراحل منير محمد فوزي وأفراد من عائلة شاعر الثورة مفدي زكريا.

ولم تتوقف علاقة محمد فوزي بالثورة الجزائرية عند «قسماً» وحده، إذ ارتبط اسمه أيضًا بأغنية "مليون شهيد"، التي جاءت في سياق الاحتفاء بالثورة الجزائرية وطريقها نحو الاستقلال.

محمد فوزي.. لحن عاش بعد صاحبه

تكمن خصوصية قصة محمد فوزي في أن الفنان المصري لم يعش طويلًا بعد استقلال الجزائر؛ فقد رحل عام 1966، بينما كان اللحن الذي وضعه قد بدأ بالفعل طريقه نحو أن يصبح واحدًا من أكثر الألحان ارتباطًا بالهوية الجزائرية.

وهكذا أصبحت قصة "قسما" أكثر من مجرد حكاية عن نشيد وطني؛ إنها قصة تعاون بين شاعر جزائري وموسيقار مصري، جمعتهما الثورة الجزائرية في القاهرة، ثم حمل لحنهما المشترك إلى الأجيال التالية.

فمفدي زكريا كتب الكلمات التي أصبحت صوت الثورة والاستقلال، ومحمد فوزي وضع اللحن الذي أصبح جزءًا من هوية الجزائر، وبينهما بقيت أغنية تحولت من عمل فني إلى رمز وطني يتردد في المناسبات الرسمية، ويعلو في الملاعب، ويقف على أنغامه لاعبو المنتخب الجزائري قبل بداية كل مباراة.

اقرأ أيضا:

متى يغلق القيد الصيفي وبداية الدوري المصري 2026؟.. المواعيد كاملة

search