الإثنين، 31 أغسطس 2026

08:18 م

اتفاقية الـ30 مليار يوان.. هل يستطيع المستورد المصري الاستغناء عن الدولار؟

مصر والصين

مصر والصين

مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، تتجه الأنظار إلى الملفات الاقتصادية التي يمكن أن تدفع الشراكة بين القاهرة وبكين إلى مرحلة جديدة، وفي مقدمتها اتفاقية مبادلة العملات المحلية، التي ارتفعت قيمتها إلى 30 مليار يوان صيني، مقابل 18 مليار يوان في الاتفاق السابق.

وتأتي هذه الخطوة في توقيت مهم بالنسبة للمستورد المصري، في ظل ضخامة حجم التجارة بين البلدين واعتماد السوق المصرية على المنتجات والآلات ومستلزمات الإنتاج الصينية، لتطرح اتفاقية مبادلة العملات سؤالًا مباشرًا: هل يستطيع المستورد المصري استخدام اليوان بدلًا من الدولار في جزء من تعاملاته مع الصين؟

وتبلغ قيمة الاتفاقية الجديدة نحو 4.43 مليار دولار وفق القيمة المشار إليها رسميًا، وتمتد لمدة 3 سنوات إضافية قابلة للتجديد، بما يعكس توجهًا نحو زيادة استخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات التجارية والمالية بين البلدين.

ما هي اتفاقية مبادلة العملات؟

ببساطة، اتفاقية مبادلة العملات ليست قرضًا تحصل عليه مصر من الصين، وإنما هي آلية بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني تتيح توفير السيولة بالعملتين المحليتين، بما يساعد على تسوية جزء من المعاملات التجارية دون الحاجة إلى استخدام الدولار كعملة وسيطة.

وتكمن أهمية الاتفاقية في منح البنوك إمكانية الوصول إلى اليوان والجنيه ضمن إطارها، بما يدعم عمليات التجارة والاستثمار بين البلدين.

وبالتالي، فإن رفع قيمة الاتفاقية من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان يعني زيادة قدرة النظام المصرفي على توفير السيولة بالعملات المحلية للتعاملات المرتبطة بالعلاقات الاقتصادية المصرية الصينية.

ماذا يستفيد المستورد المصري؟

تتمثل الفائدة الأهم بالنسبة للمستورد المصري في إتاحة إمكانية تسوية جزء من قيمة الواردات من الصين باليوان، بدلًا من الاعتماد الكامل على الدولار.

فعلى سبيل المثال، إذا كان مستورد مصري يستورد أجهزة أو معدات أو مستلزمات إنتاج من شركة صينية، فإن استخدام اليوان في التسوية يمكن أن يقلل الحاجة إلى تحويل الجنيه إلى دولار أولًا، ثم استخدام الدولار لشراء اليوان.

وبالتالي، يمكن أن تتيح آلية التعامل بالعملات المحلية للمستورد المصري سداد قيمة وارداته من الصين باليوان مباشرة، بدلًا من اللجوء إلى الدولار كعملة وسيطة، وهو ما قد يسهم في تقليل تكلفة التحويلات وتسهيل عمليات التجارة بين البلدين.

لكن ذلك لا يعني أن كل مستورد مصري سيحصل تلقائيًا على اليوان أو أن الدولار سيختفي من المعاملات التجارية، إذ تعتمد آلية الاستفادة الفعلية على البنوك المشاركة وشروط التسوية وطبيعة التعاقد بين المستورد والمورد.

هل اتفاقية الـ30 مليار يوان تلغي الدولار؟

لا، رفع قيمة اتفاقية مبادلة العملات لا يعني إلغاء استخدام الدولار في التجارة المصرية الصينية، وإنما يوفر قناة إضافية للتسوية بالعملات المحلية.

وتستهدف الاتفاقية بشكل أساسي تنويع أدوات الدفع وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في بعض المعاملات، وهو ما يمكن أن يمنح المستوردين والشركات خيارات أوسع في تسوية تجارتهم مع الصين.

كما أن الصين تمثل شريكًا تجاريًا رئيسيًا لمصر، ما يجعل توفير آليات دفع بديلة أكثر أهمية مع نمو حجم التجارة بين البلدين.

لماذا يحتاج المستورد إلى اليوان؟

تأتي أهمية اليوان من ضخامة حجم الواردات المصرية من الصين، والتي تشمل قطاعات متعددة، أبرزها الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية والإلكترونيات ومستلزمات الإنتاج وقطع الغيار وغيرها.

وبالتالي، كلما توسعت قدرة الشركات والبنوك على استخدام اليوان في تسوية التجارة، أصبح من الممكن تقليل الاعتماد على عملة وسيطة في جزء من هذه العمليات.

وقد يساعد ذلك في تنويع مصادر العملة الأجنبية المستخدمة في التجارة، مع منح الشركات قدرة أكبر على إدارة مدفوعاتها وفق طبيعة تعاملاتها مع الموردين الصينيين.

ماذا يعني ذلك لسعر الدولار؟

من المبكر اعتبار الاتفاقية حلًا مباشرًا لسعر الدولار أو نقص العملة الأجنبية، لكنها قد تساعد على تخفيف الطلب على الدولار في جزء من التجارة مع الصين إذا توسع استخدام اليوان فعليًا في عمليات الاستيراد والتسوية.

وهذا يعني أن تأثير الاتفاقية على سوق الصرف سيكون مرتبطًا بحجم المعاملات التي يتم تحويلها بالفعل من الدولار إلى اليوان، وليس بمجرد قيمة الاتفاقية المعلنة.

بمعنى آخر، فإن الـ30 مليار يوان تمثل سقفًا وأداة للسيولة، وليست 30 مليار يوان ستدخل السوق المصرية نقدًا دفعة واحدة.

ماذا عن حجم التجارة بين مصر والصين؟

تكتسب الاتفاقية أهمية أكبر بالنظر إلى ضخامة حركة التجارة بين القاهرة وبكين.

وبحسب البيانات الواردة في التقرير، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 20.78 مليار دولار خلال 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024.

لكن التحدي الرئيسي بالنسبة لمصر لا يتعلق فقط بزيادة حجم التجارة، وإنما أيضًا بتركيبة هذا التبادل، في ظل الفارق الكبير بين الصادرات المصرية إلى الصين والواردات منها.

وتشير البيانات الواردة إلى وصول الواردات المصرية من الصين إلى نحو 19.9 مليار دولار خلال 2025، مقابل صادرات مصرية إلى السوق الصينية تقدر بنحو 819 مليون دولار.

وهنا تظهر أهمية الملفات الاقتصادية التي يمكن أن تبحثها القاهرة وبكين خلال زيارة الرئيس الصيني، خاصة ما يتعلق بزيادة الصادرات المصرية، وجذب الاستثمارات الصينية، وتوطين الصناعة في مصر.

اليوان والتمويل الصيني.. مساران متكاملان

لا تتوقف الشراكة المالية بين البلدين عند مبادلة العملات، وإنما تمتد إلى التمويلات والقروض الميسرة التي ساهمت في تمويل مشروعات تنموية داخل مصر.

ومن أبرز الأمثلة الحديثة اتفاق القرض الميسر بقيمة 200 مليون دولار مع بنك التصدير والاستيراد الصيني لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف، على أن يتم سداد القرض باليوان الصيني.

وهنا يظهر اتجاه أوسع في العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية، يقوم على زيادة استخدام العملة الصينية في بعض جوانب التمويل والتجارة، بالتوازي مع الاستثمارات والمشروعات المشتركة.

هل يستفيد المواطن من الاتفاقية؟

رغم أن الاتفاقية موجهة في الأساس إلى دعم النظام المصرفي والتجارة والاستثمار، فإن تأثيرها يمكن أن يصل إلى المواطن بصورة غير مباشرة.

فإذا ساعد استخدام اليوان في خفض تكلفة بعض عمليات الاستيراد أو تقليل تكاليف التحويل والتسوية، فقد ينعكس ذلك على تكلفة بعض السلع والمعدات ومستلزمات الإنتاج المستوردة من الصين.

لكن هذا التأثير ليس تلقائيًا، ولا يعني انخفاض أسعار السلع الصينية فورًا، لأن السعر النهائي يتأثر بعوامل أخرى، من بينها سعر المنتج، وتكاليف الشحن والتأمين، والجمارك، وهوامش الربح، وسعر الصرف.