كرة القدم
في مسلسل «لعبة جهنم»، الذي حقق نجاحا باهرًا خلال عرضه بالأيام الأخيرة الماضية، تُبنى الأحداث على عالم مظلم من الأسرار والمخاطر، حيث تتحول اللعبة إلى اختبار حقيقي للبقاء، ويصبح ما يحدث خلف الكواليس أخطر بكثير مما يظهر أمام المشاركين، ومن هنا يمكن أن نفتح بابًا على عالم آخر موجود بالفعل، لكنه لا يظهر على شاشات التلفزيون بنفس الصورة “الدارك ويب”.
فكرة الدارك ويب تقوم على وجود جزء من الإنترنت لا يظهر عبر محركات البحث التقليدية، ويُستخدم لأغراض مشروعة وغير مشروعة على حد سواء. لكن عندما تدخل الأموال الضخمة للرياضة إلى هذا العالم، تظهر أسئلة أكثر خطورة: هل يمكن أن تتحول كرة القدم نفسها إلى لعبة سرية؟ ومن يستطيع شراء المعلومات؟ ومن يملك القدرة على التأثير في مباراة؟
الإجابة لا تأتي من الدراما، وإنما من التحقيقات الدولية، إذ وثقت جهات مثل الإنتربول ويوروبول قضايا حقيقية مرتبطة بـالمراهنات غير القانونية والتلاعب بنتائج المباريات وغسل الأموال والجريمة المنظمة.
وفي بعض العمليات، امتدت التحقيقات إلى شبكات عابرة للحدود استخدمت التكنولوجيا ووسائل الاتصال السرية لإخفاء نشاطها.
الحقيقة أن كرة القدم لا تحتاج إلى سيناريو تلفزيوني حتى تواجه عالمًا من الجرائم الرقمية.
فالمصادر الدولية تتحدث عن وقائع حقيقية شملت التلاعب بالمباريات، المراهنات غير القانونية، غسل الأموال، الرشاوى، سرقة البيانات والهجمات الإلكترونية، بينما كشفت تحقيقات دولية عن استخدام شبكات إجرامية للتكنولوجيا والاتصالات المشفرة لإخفاء أنشطتها.
والأخطر أن بعض الجرائم لا تحتاج إلى تغيير نتيجة المباراة بالكامل. قد يكفي التأثير في بطاقة، أو ركلة ركنية، أو هدف، أو توقيت حدث معين، ثم تحويل هذه المعلومة إلى أرباح عبر سوق المراهنات.
الدارك ويب.. جزء من الصورة
كرة القدم التي يراها الملايين كل أسبوع ليست دائمًا كل القصة. فخلف المدرجات وصفارات الحكام وعقود اللاعبين، توجد صناعة مالية ضخمة تجذب أيضًا شبكات الجريمة المنظمة، التي تبحث عن طرق لاستغلال المراهنات، وتدوير الأموال، والتلاعب بالمباريات، وسرقة البيانات، واختراق الأندية.
ولهذا لم يعد الحديث عن «جرائم كرة القدم» مقتصرًا على لاعب تلقى رشوة أو حكم ارتكب مخالفة، بل أصبح يتعلق بشبكات عابرة للحدود يمكن أن تجمع بين أكثر من نشاط إجرامي في الوقت نفسه.
ويقول الإنتربول إن التلاعب بالمباريات والجرائم المرتبطة بالرياضة يمكن أن تستخدمها الشبكات المنظمة لتحقيق أرباح كبيرة وغسل عائدات غير مشروعة مع صعوبة نسبية في اكتشافها.
الدارك ويب ليس غرفة سرية تتحكم في نتائج مباريات كرة القدم حول العالم، وهذه نقطة مهمة حتى لا يتحول التقرير إلى مبالغة.
لكن البيئة الرقمية الخفية يمكن أن توفر للمجرمين مساحة للتواصل وبيع البيانات والخدمات غير القانونية وإخفاء هوياتهم. وفي عالم كرة القدم، يتقاطع ذلك مع سوق المراهنات والتلاعب بالمباريات والبيانات المسروقة.
والأخطر أن بعض ما يعرض على هذه المنصات باعتباره «معلومات سرية عن مباريات متلاعب بها» قد يكون في حد ذاته عملية احتيال تستهدف المراهنين.
الباب الذي تدخل منه الجريمة
المراهنات هي واحدة من أكبر نقاط الضعف، وتقول فيفا إن حجم المراهنات العالمية على بطولات كرة القدم يصل إلى مليارات الدولارات، وإن هذا السوق يمثل في الوقت نفسه خطرًا على نزاهة اللعبة.
وهنا لا يحتاج المجرم بالضرورة إلى شراء المباراة كاملة، وقد يكون الهدف الحصول على بطاقة حمراء، أو ركلة جزاء، أو عدد معين من الأهداف، أو التأثير في مرحلة محددة من اللقاء.
وتعرّف فيفا التلاعب بالمباراة بأنه التأثير غير القانوني في نتيجتها أو مسارها أو أي جانب آخر منها، سواء لتحقيق مكاسب مالية أو للحصول على أفضلية رياضية.
وهذه النقطة تجعل الجريمة أكثر تعقيدًا، لأن المباراة يمكن أن تنتهي بنتيجة تبدو طبيعية للجمهور، بينما يكون التلاعب قد حدث في تفصيلة صغيرة.
عندما تدخل العصابات إلى الملعب
القضية لم تعد مجرد «مراهن خالف القانون»، الإنتربول يتحدث صراحة عن ارتباط التلاعب بالمباريات بشبكات الجريمة المنظمة، التي يمكن أن تستخدم الرياضة لتحقيق أرباح وغسل الأموال.
وفي عملية SOGA IX التي قادها الإنتربول لمكافحة المراهنات غير القانونية والجرائم المرتبطة بكرة القدم، شاركت 19 دولة، وأسفرت عن نحو 1200 عملية توقيف، مع ضبط أموال بقيمة مليوني دولار تقريبًا وسجلات مراهنات رقمية بقيمة 76 مليون دولار بحسب الإنتربول.
أما عملية SOGA X في 2024، فكانت أضخم، إذ شاركت فيها 28 دولة وأسفرت عن أكثر من 5100 توقيف وضبط أكثر من 59 مليون دولار من العائدات غير المشروعة.
والأخطر أن الإنتربول كشف أن المراهنات غير القانونية كانت مرتبطة بجرائم أخرى، بينها غسل الأموال والاحتيال والاتجار بالبشر، هنا تتحول كرة القدم من مجرد وسيلة للمراهنة إلى جزء من منظومة إجرامية أكبر.
كرة القدم وغسل الأموال
واحدة من أكثر الجرائم تعقيدًا هي غسل الأموال في كرة القدم التي تعد صناعة ضخمة حول العالم، وفيها انتقالات بملايين الدولارات، ورعاية وإعلانات وحقوق بث وتذاكر وبيع منتجات وحقوق صور وعقود وكلاء.
وتحذر وزارة الخزانة البريطانية في تقييمها الوطني لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب لعام 2025 من أن الأندية، خصوصًا التي تعاني ضغوطًا مالية، يمكن أن تصبح هدفًا للاستغلال الإجرامي.
ويشير التقرير إلى أن الأموال غير المشروعة قد تدخل إلى كرة القدم عبر انتقالات اللاعبين، ومبيعات التذاكر، والخدمات التجارية، والرعاية، وحقوق الصور والعمولات. كما أن صعوبة تحديد القيمة الحقيقية للاعب يمكن أن تزيد مخاطر التلاعب المالي.
بمعنى آخر، صفقة لاعب بمبلغ ضخم ليست دائمًا مجرد صفقة رياضية من منظور مكافحة الجريمة المالية.
منطقة رمادية
اللاعب ينتقل من نادٍ إلى آخر، والوكيل يحصل على عمولة، والأموال تمر بين شركات وأطراف مختلفة، هذه السلسلة المالية المعقدة يمكن أن تصبح مشكلة إذا دخلت فيها شركات وهمية أو أطراف لا تظهر بصورة مباشرة.
وتشير التقارير البريطانية إلى أن الوكيل الذي يمثل اللاعب والنادي في الوقت نفسه يمكن أن يخلق مخاطر إضافية، خصوصًا عندما تكون هناك مدفوعات أو عمولات يصعب تتبع المستفيد الحقيقي منها بحسب صحيفة “تايمز”.
وهناك أيضا طبقة أخرى من الجرائم: الرشوة والفساد داخل اللعبة، مثل قضية «Operation Clean Hands» في بلجيكا كشفت عن تحقيقات شملت مزاعم بالرشوة وغسل الأموال وتزوير عقود انتقالات وتورط الجريمة المنظمة، وطالت شخصيات من وكلاء وإداريين وحكام ومدربين.
وهذا يوضح أن الخطر لا يأتي دائمًا من شخص يقف خارج كرة القدم، أحيانًا يكون المطلوب هو الوصول إلى شخص داخل المنظومة يمتلك سلطة أو معلومة أو قدرة على التأثير.
جرائم عابرة للحدود
أما أحد أخطر جوانب القضية أن مباراة واحدة قد تكون مرتبطة بأطراف موجودة في دول مختلفة، إذ أن المجرم قد يكون في دولة، والمراهن في دولة ثانية، واللاعب في دولة ثالثة، والمنصة التي تستقبل الأموال في دولة رابعة.
ولهذا أنشأ الإنتربول Match-Fixing Task Force تضم وحدات من دول مختلفة لمشاركة المعلومات والتنسيق في التحقيقات المرتبطة بالتلاعب الرياضي. ويضم الفريق نحو 100 وحدة وأكثر من 150 نقطة اتصال وطنية حول العالم.
وفي 2026، أعلنت UEFA أن تحقيق Operation Mursal، الذي قادته إسبانيا ضد التلاعب المرتبط بالجريمة المنظمة، امتد إلى أكثر من 50 دولة على مدار ثلاث سنوات وانتهى بأكثر من 70 عملية توقيف.
ومن أحدث الأمثلة ما حدث في تركيا، في فبراير 2026، أعلنت السلطات توقيف 32 شخصًا ضمن تحقيق موسع بشأن المراهنات غير القانونية والتلاعب في كرة القدم، وقالت النيابة إن بعض المشتبه بهم راهنوا على مباريات تخص أنديتهم، بل وعلى فرق منافسة خلال مباريات رسمية.
وكان التحقيق قد توسع بعد إجراءات طالت حكامًا، ولاعبين ومسؤولين في كرة القدم التركية بحسب وكالة رويترز.
وفي يوليو 2026، أوقفت السلطات التركية 17 مسؤولًا بأندية في موجة جديدة من التحقيقات، بينهم مسؤولون في أندية كبيرة، بعد تحليل بيانات المراهنات خلال الفترة من 2020 إلى 2026.
اختراق الأندية والاتجار بالبشر
وتمتلك الأندية كمًا هائلًا من المعلومات، عقود لاعبين، جوازات سفر، بيانات مالية، معلومات جماهير، خطط تسويقية، مراسلات داخلية وملفات طبية وإدارية، وبالتالي أصبح النادي هدفًا جذابًا لمجرمي الإنترنت.
وفي بعض الحالات، يمكن أن تنتهي البيانات المسروقة على منصات إجرامية مخفية، بينما تستخدم العصابات هجمات الفدية للضغط على الأندية والمؤسسات الرياضية.
وهنا تلتقي الجرائم الإلكترونية مع “الدارك ويب” وكرة القدم في نقطة واحدة، البيانات أصبحت أصلًا يمكن سرقته ثم بيعه أو استغلاله.
وربما تكون أكثر حلقات القصة صدمة هي ارتباط المراهنات غير القانونية بجرائم لا علاقة ظاهرية لها بكرة القدم، خلال عملية SOGA X، التي استهدفت شبكات المراهنات غير القانونية، أعلنت الإنتربول إنقاذ أكثر من 650 ضحية للاتجار بالبشر.
وكشفت التحقيقات أن بعض العمال الذين تم الاتجار بهم أُجبروا على تشغيل عمليات احتيال إلكتروني.
وهذا يكشف طبيعة الجريمة المنظمة الحديثة: شبكة واحدة يمكن أن تربح من المراهنات، وتغسل الأموال، وتستغل البشر، وتستخدم التكنولوجيا في الوقت نفسه.
كيف تحاول كرة القدم مواجهة ذلك؟
وأنشأ "فيفا" منظومة نزاهة تراقب أسواق المراهنات والأحداث داخل المباريات، وتعمل FIFA Integrity Task Force بالتعاون مع جهات إنفاذ القانون والشركاء المختصين.
ويراقب الفريق يراقب المراهنات وحركة المباريات في الوقت الفعلي بهدف اكتشاف الأنماط غير الطبيعية والتعامل معها.
وفي كأس العالم 2026، تمت مراقبة جميع المباريات الـ104 بشكل مباشر، وأعلنت فيفا عدم رصد نشاط مراهنات مشبوه أو مؤشرات على التلاعب في أي مباراة بالبطولة.
وهذه النقطة مهمة، إذ أن وجود خطر لا يعني أن كل مباراة مشبوهة، بل يعني أن حجم الأموال والجريمة المحتملة فرض على كرة القدم إنشاء منظومة رقابة متخصصة، وتعد المشكلة الحقيقية أن كرة القدم أصبحت صناعة مالية هائلة، وهذا جعلها هدفًا طبيعيًا للشبكات الإجرامية.
لم يعد المجرم يبحث فقط عن نتيجة مباراة، قد يبحث عن معلومة داخلية، لاعب يمكن التأثير عليه، حكم يمكن رشوته، صفقة يمكن تضخيم قيمتها، نادٍ يعاني أزمة مالية، بيانات يمكن سرقتها، أو سوق مراهنات يمكن استغلاله.
ولهذا فإن قصة الدارك ويب وكرة القدم ليست قصة «موقع سري يبيع نتائج المباريات»، إنها قصة أكبر عن كيف دخلت الجريمة المنظمة عصر كرة القدم الرقمية، وكيف أصبحت المباراة نفسها مجرد حلقة داخل شبكة تمتد من الملعب إلى شركات الأوفشور، ومن المراهنات إلى العملات الرقمية، ومن البيانات المسروقة إلى الأسواق الخفية.
اقرأ أيضًا:
عصام عبدالفتاح يكشف سبب عدم نشر تسجيلات الـ"فار" في أزمة الأهلي وزد