الإثنين، 14 سبتمبر 2026

10:54 ص

وزارة الثقافة.. تحتاج إلى قيادة لا إلى قائم بأعمال

هناك أسئلة لا ينبغي أن نخشى طرحها، خصوصًا عندما تتصل بمؤسسة بحجم وزارة الثقافة، وبملف يتجاوز حدود الإدارة اليومية إلى تشكيل الوعي وصناعة الذوق العام وحماية الهوية المصرية، ومن بين هذه الأسئلة: إلى أي مدى ستظل وزارة الثقافة خاضعة لإدارة قائم بأعمال؟ وهل أصبح اختيار وزير للثقافة أمرًا بالغ الصعوبة؟ وهل خلت مصر، بما تملكه من تاريخ ثقافي وأكاديمي وفني طويل، من الشخصيات القادرة على إدارة هذا الملف؟ وإلى أي مدى ستظل بعض الهيئات الثقافية الحيوية، وفي مقدمتها هيئة الكتاب، في انتظار قيادة مستقرة تستطيع أن تضع لها رؤية واضحة ومستدامة؟.

هذه الأسئلة ليست موجهة إلى شخص بعينه، ولا تنتقص من جهود الدكتور عبد العزيز قنصوة، الذي يتابع عددًا من الملفات الثقافية إلى جانب مسؤولياته الأكاديمية، وإنما هي محاولة لفتح نقاش أوسع حول مفهوم الإدارة الثقافية في مصر، وحول الطريقة التي ينبغي أن ننظر بها إلى الثقافة باعتبارها قطاعًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن غيره من القطاعات المرتبطة ببناء الدولة والإنسان.

فالثقافة، في المفهوم الحديث، ليست مجموعة من الفعاليات والمهرجانات والندوات والمعارض، وليست نشاطًا ترفيهيًا يأتي في نهاية قائمة الأولويات، الثقافة منظومة متكاملة لصناعة الوعي، تبدأ من المدرسة والكتاب والمسرح والموسيقى، وتمتد إلى السينما والفنون التشكيلية والمكتبات وقصور الثقافة وأكاديمية الفنون وهيئات النشر والترجمة، ثم تصل في نهايتها إلى الإنسان نفسه، باعتباره الهدف الأهم لكل سياسة ثقافية.

ولهذا فإن استقرار القيادة داخل المؤسسة الثقافية ليس مسألة شكلية أو إدارية بحتة. القيادة المستقرة تعني وجود مسؤول يستطيع أن يضع استراتيجية، ويتابع تنفيذها، ويحاسب على نتائجها، ويطور أدواتها، ويعرف أن المشروع الثقافي الحقيقي لا يمكن أن يقاس بعدد الفعاليات التي أقيمت خلال عام، وإنما بمدى تأثيرها في المجتمع، وقدرتها على الوصول إلى الأجيال الجديدة.

الصورة التي ظهر فيها الدكتور عبد العزيز قنصوة خلال جولته بأكاديمية الفنون تفتح بابًا مهمًا لهذا النقاش. فالاهتمام بالشق الأكاديمي داخل المؤسسات الفنية والثقافية أمر بالغ الأهمية، لأن أكاديمية الفنون ليست مجرد مؤسسة تعليمية، وإنما واحدة من أهم المنارات التي تخرج أجيالًا من الفنانين والمبدعين.

لكن السؤال الأوسع يظل قائمًا: من يضع الرؤية الثقافية الشاملة للدولة؟ ومن يربط بين التعليم الفني والمسرح والنشر والكتاب وقصور الثقافة والفنون المختلفة؟ ومن يضمن أن تعمل هذه المؤسسات ضمن مشروع ثقافي واحد بدلًا من أن يتحول كل قطاع إلى جزيرة منفصلة؟.

هنا تظهر أهمية وجود وزير ثقافة متفرغ، يمتلك رؤية واضحة، ويستطيع أن يمنح هذا الملف وقته وجهده الكاملين. فإدارة وزارة الثقافة تحتاج إلى معرفة دقيقة بتفاصيل المشهد الثقافي، لكنها تحتاج أيضًا إلى قدرة على التخطيط والتنسيق وصناعة السياسات العامة، وهي مسؤوليات لا يمكن اختزالها في متابعة المناسبات والفعاليات.

والأمر نفسه ينطبق على الهيئات التابعة للوزارة. هيئة الكتاب، على سبيل المثال، ليست مجرد مؤسسة تنشر الكتب، وإنما هي إحدى الأدوات الأساسية في نشر المعرفة وإتاحة الكتاب ودعم حركة التأليف والترجمة والنشر.

ولذلك فإن استقرار قيادتها ينبغي أن يكون جزءًا من رؤية أوسع لإعادة بناء منظومة النشر الثقافي، والوصول بالكتاب المصري إلى القارئ داخل مصر وخارجها، والاستفادة من التكنولوجيا والمنصات الرقمية بدلًا من ترك الأجيال الجديدة فريسة لمحتوى سريع لا يقدم بالضرورة معرفة أو قيمة.

والسؤال الأهم هنا: لماذا نعيد أحيانًا تدوير الأدوات والأفكار نفسها تحت مسميات مختلفة، بينما يحتاج الواقع الثقافي إلى تفكير جديد؟ التغيير الحقيقي لا يبدأ بتغيير الاسم، وإنما بتغيير طريقة التفكير. ولا يمكن أن نبني مستقبلًا ثقافيًا جديدًا بعقلية تكتفي بإعادة إنتاج ما تم فعله في الماضي.

مصر لديها من الكفاءات الأكاديمية والفنية والثقافية والإدارية ما يسمح لها بأن تختار وزيرًا للثقافة يمتلك مشروعًا حقيقيًا. لدينا أساتذة جامعات، ومثقفون، وفنانون، وباحثون، وإداريون يمتلكون خبرات طويلة، ولدينا مؤسسات عريقة تراكمت فيها خبرات عبر عقود. وبالتالي فإن القضية ليست غياب الكفاءات، وإنما حسن الاختيار، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ومنحه مساحة حقيقية للعمل والمحاسبة.

نحن في حاجة إلى أن تنتقل وزارة الثقافة من فكرة إدارة النشاط الثقافي إلى صناعة السياسة الثقافية. نحتاج إلى استراتيجية تحدد ما الذي نريده من المسرح، وما الذي نريده من قصور الثقافة، وكيف نعيد الكتاب إلى حياة الشباب، وكيف نكتشف الموهبة في القرى والنجوع قبل أن تقتلها ظروف الحياة، وكيف نعيد للفنون مكانتها داخل العملية التعليمية، وكيف نجعل الثقافة جزءًا من مواجهة التطرف والعنف والتنمر والانغلاق الفكري، وكيف نستفيد من أدوات العصر بدلًا من أن نتركها تعمل وحدها في تشكيل وعي الأجيال.

الثقافة ليست ترفًا مؤجلًا حتى تتحسن الظروف، وإنما إحدى الأدوات التي تساعد على تحسين الظروف نفسها. الإنسان الذي يقرأ ويفكر ويتذوق الفن ويعرف تاريخ بلاده ويملك القدرة على الحوار، هو مواطن أكثر قدرة على فهم وطنه، واحترام الاختلاف، ومواجهة الأفكار المتطرفة، والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

ولهذا فإن حسم وضع وزارة الثقافة، واستقرار قيادات هيئاتها، ليس مجرد شأن إداري يخص الوزارة وحدها، وإنما هو جزء من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الثقافة المصرية نفسها.

نحن لا نحتاج إلى وزير يملأ مقعدًا شاغرًا، وإنما إلى عقل يضع مشروعًا. ولا نحتاج إلى إعادة تدوير ما سبق، وإنما إلى قراءة جديدة للواقع. ولا نحتاج إلى كثرة الفعاليات بقدر حاجتنا إلى أثر حقيقي يصل إلى الإنسان.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام رئيس الوزراء وكل من يملك مسؤولية القرار: هل آن الأوان لأن تحصل الثقافة المصرية على قيادة مستقرة، ومشروع واضح، ورؤية تمتد إلى المستقبل؟.

إن مصر التي امتلكت عبر تاريخها قوة ناعمة صنعت تأثيرها في محيطها العربي، لا ينبغي أن تكتفي بإدارة حاضرها الثقافي، بل عليها أن تستعيد قدرتها على صناعة المستقبل. فالثقافة حين تُدار برؤية تصبح قوة، وحين تُترك بلا مشروع تتحول إلى مجرد نشاط.

والفارق بين الاثنين هو الإنسان المصري نفسه.

search