الأربعاء، 23 سبتمبر 2026
02:06 ص
كان سامي شرف واحدًا من أكثر رجال جمال عبد الناصر قربًا وثقة، وأكثرهم اطلاعًا على أسرار الدولة المصرية في عهد الجمهورية الأولى. وُلد محمد سامي شرف في 20 أبريل 1929 بالقاهرة، وتخرج في الكلية الحربية عام 1949، وكان جمال عبد الناصر أحد أساتذته. التحق بالقوات المسلحة، ثم عمل في المخابرات الحربية، قبل أن ينتقل في مارس 1955 إلى رئاسة الجمهورية، حيث تولى ملف المعلومات وأصبح لاحقًا مديرًا لمكتب معلومات الرئيس.
وعلى مدى ما يقرب من خمسة عشر عامًا، ظل شرف داخل الدائرة الضيقة المحيطة بعبد الناصر، يتابع التقارير والمعلومات السياسية والأمنية والاستخباراتية التي تصل إلى الرئيس، حتى أصبح في أبريل 1970 وزير دولة لشئون رئاسة الجمهورية. وبعد وفاة عبد الناصر، دخل شرف في صدام مع نظام أنور السادات، واعتُقل في أحداث مايو 1971، وظل في السجن حتى الإفراج عنه عام 1981.
توفي سامي شرف في 23 يناير 2021 عن عمر ناهز 91 عامًا، بعد حياة امتدت من سنوات ما قبل ثورة يوليو إلى قمة السلطة في عهد عبد الناصر، ثم إلى المحاكمة والسجن في عهد السادات.
ظل اسم سامي شرف حاضرًا في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ العلاقات المصرية ـ السوفيتية: هل كان شرف مسؤولًا مصريًا وثيق الصلة بالاتحاد السوفيتي، أم كان في الوقت نفسه عميلًا للمخابرات السوفيتية؟
سامي شرف كان قريبًا جدًا من الرئيس عبد الناصر، ويمر عبر مكتبه سيل من المعلومات التي كانت تصنع جانبًا من قرارات الدولة؛ ولذلك فإن اتهامه بالعمالة للـKGB لم يكن اتهامًا عابرًا، بل مسّ أحد أكثر المواقع حساسية في بنية الحكم الناصري.
كانت مصر في منتصف الخمسينيات تعيد صياغة موقعها في النظام الدولي. وبعد صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، ثم العدوان الثلاثي وأزمة السويس عام 1956، تطورت العلاقات المصرية ـ السوفيتية بصورة كبيرة، ولم تقتصر على التسليح والاقتصاد والدعم السياسي، بل امتدت إلى التعاون الأمني والاستخباراتي.
ولكن التعاون مع موسكو لم يكن، في حد ذاته، دليلًا على تبعية مصر للاتحاد السوفيتي. فقد استخدم جمال عبد الناصر العلاقة مع موسكو ضمن سياسة أوسع تقوم على تنويع مصادر السلاح والدعم الدولي وموازنة النفوذ الغربي.
وهنا ظهر اسم فاديم ألكسييفيتش كيربشنكو، أحد أبرز ضباط الاستخبارات الخارجية السوفيتية.
وصل كيربشنكو إلى القاهرة في ديسمبر 1954 نائبًا لرئيس محطة الاستخبارات السوفيتية، وظل بها حتى عام 1960. ثم تولى رئاسة محطة الـKGB في تونس بين عامي 1962 و1964، وأصبح عام 1967 رئيسًا للإدارة الإفريقية في الاستخبارات الخارجية السوفيتية. وفي عام 1970 عاد إلى القاهرة، ولكن هذه المرة رئيسًا لمحطة المخابرات السوفيتية، وظل في منصبه حتى 1974.
ثم أصبح نائبًا لرئيس المديرية الأولى للـKGB ورئيسًا لإدارة «S» المختصة بالعمل الاستخباراتي غير القانوني، ثم أصبح عام 1979 النائب الأول لرئيس المديرية الأولى، وهو الموقع الذي ظل فيه حتى انهيار الاتحاد السوفيتي.
وهنا يلتقي اسمه بقضية سامي شرف.
في عام 1974 نشر الصحفي الأمريكي جون بارون كتابه:
«كي جي بي: العمل السري لعملاء المخابرات السوفيتية»
(KGB: The Secret Work of Soviet Secret Agents)
وذكر فيه أن سامي شرف كان عميلًا للـKGB، وأن كيربشنكو هو الذي نجح في تجنيده.
واعتمد بارون في روايته بدرجة كبيرة على شهادات منشقين عن أجهزة الاستخبارات السوفيتية، ومن بينهم فلاديمير ساخاروف. ووفق الرواية التي قدمها، كان شرف، بحكم موقعه بالقرب من عبد الناصر، مصدرًا بالغ الأهمية للمعلومات بالنسبة إلى السوفيت.
ولم تبق الرواية في حدود الكتاب، بل انتقلت إلى الخطاب السياسي الأمريكي.
وفي السجل الرسمي للكونجرس الأمريكي بتاريخ 21 يناير 1976 أُعيد نقل ادعاء بارون بأن الـKGB كان، من خلال سامي شرف، يسيطر على المعلومات الاستخباراتية التي كان عبد الناصر يعتمد عليها في تكوين أحكامه وسياساته.
وهكذا اكتسب الاتهام حضورًا سياسيًا أوسع، رغم أن أصله ظل مرتبطًا بروايات استخباراتية وشهادات منشقين.
في كتابه:
«جهاز المخابرات المصري: تاريخ المخابرات، 1910–2009»
(The Egyptian Intelligence Service: A History of the Mukhabarat, 1910–2009)
الصادر عن Routledge عام 2010، يتناول أوين ل. سيرز العلاقة بين المخابرات المصرية والـKGB، وينقل الرواية التي تقول إن كيربشنكو نجح في تجنيد سامي شرف عام 1957.
لكن سيرز يضع قيدًا مهمًا للغاية على هذه الرواية، إذ يقول إن إثبات خضوع شرف لسيطرة الـKGB بصورة قاطعة غير ممكن.
وفي الوقت نفسه، يؤكد أن شرف لعب دورًا مهمًا في تطوير التعاون بين المخابرات المصرية والسوفيتية، ويذكر أنه اقترح عام 1959 توسيع التعاون ليشمل العمليات المشتركة وتدريب مصريين في الاستجواب ومكافحة التجسس.
وهنا يظهر الفارق بين أمرين لا يجوز الخلط بينهما: التعاون الاستخباراتي بين مصر والاتحاد السوفيتي من جهة، وتحول مسؤول مصري إلى عميل لجهاز أجنبي من جهة أخرى.
جاءت واحدة من أهم الروايات في:
«أرشيف ميتروخين 2: الـKGB والعالم»
(The Mitrokhin Archive II: The KGB and the World)
للمؤرخ كريستوفر أندرو وفاسيلي ميتروخين.
وفق الرواية التي ينقلها الكتاب، فإن ضابط الـKGB فلاديمير كوزيتشكن والدبلوماسي فلاديمير ساخاروف حددا شخصًا كان على اتصال بكيربشنكو باعتباره سامي شرف، وأن الاسم الحركي لسامي شرف كان «أسد» (ASAD).
وتعود إحدى الوقائع التي استندت إليها الرواية إلى مايو 1956، أثناء زيارة ديمتري شيبيلوف إلى القاهرة. فبعد فشل السوفيت في ترتيب لقاء بين شيبيلوف وعبد الناصر، تمكن كيربشنكو من الاتصال بمصدر سري، ثم تلقى منه تأكيدًا بموعد وصول الموكب الرئاسي لنقل شيبيلوف إلى لقاء عبد الناصر.
ووفق كوزيتشكن وساخاروف، كان ذلك المصدر هو سامي شرف.
لكن الكتاب نفسه يحمل عنصرًا يقلب القضية من اتهام مباشر إلى ملف شديد التعقيد.
كيربشنكو ينفي
فالضابط الذي نسبت الرواية إليه عملية تجنيد شرف نفى أن يكون شرف عميلًا للـKGB.
وينقل أندرو وميتروخين عن كيربشنكو قوله:
««سامي شرف لم يكن عميلنا، وأنا لم أكن أعرفه».»
وهذا النفي لا يأتي من خصم سياسي أو من مدافع عن شرف، وإنما من الضابط السوفيتي نفسه الذي نسبت إليه عملية التجنيد.
وفي الوقت نفسه، لم ينكر كيربشنكو أن شرف كان مؤيدًا قويًا للعلاقات المصرية ـ السوفيتية، وهو ما يفسر بقاء اسمه حاضرًا في الروايات المتعلقة بالنفوذ السوفيتي داخل مصر.
ولم يكتفِ سامي شرف بالاستناد إلى النفي المنسوب إلى كيربشنكو في المصادر والمذكرات، بل عاد إلى حوارين أجراهما الضابط السوفيتي السابق مع صحيفة «الوسط» السعودية في 4 مايو و8 يونيو 1992.
وكانت أهمية هذين الحوارين بالنسبة إلى سامي شرف أن كيربشنكو، الذي نسبت إليه الرواية الغربية عملية تجنيده، تحدث عن سنوات عمله في مصر وعن مهمته داخل محطة الاستخبارات السوفيتية، في الوقت الذي تمسك فيه بنفي أن يكون سامي شرف عميلًا للـKGB.
واستند شرف إلى هذه المقابلات في تفنيد الرواية التي قدمها جون بارون، معتبرًا أن شهادة كيربشنكو تكتسب أهمية خاصة؛ لأنه الضابط الذي يفترض أن تكون له المعرفة المباشرة بعملية التجنيد المزعومة.
وتزداد أهمية هذه الشهادة من الناحية الزمنية؛ فكيربشنكو كان رئيسًا لمحطة الـKGB في القاهرة من 1970 إلى 1974، في حين كان سامي شرف قد اعتُقل في مايو 1971 وظل في السجن حتى عام 1981.
وهكذا أصبحت شهادة كيربشنكو واحدة من أهم ركائز دفاع سامي شرف عن نفسه: الرجل الذي تنسب إليه الرواية عملية تجنيده ينفي أن يكون قد جنده.
بعد وفاة جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، تغيرت موازين القوى داخل الدولة المصرية سريعًا.
كان سامي شرف أحد أبرز رجال العهد الناصري، واستمر في موقعه خلال بداية عهد أنور السادات، لكنه استقال في 13 مايو 1971، ثم اعتُقل مع عدد من كبار المسؤولين في أحداث مايو 1971، فيما عُرف لاحقًا بـ«ثورة التصحيح».
واتُّهم بالمشاركة في مؤامرة ضد نظام السادات، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، وظل في السجن حتى الإفراج عنه عام 1981.
ومنذ ذلك الحين أصبحت صورة شرف مرتبطة، في جانب من الأدبيات السياسية والتاريخية، بملفين متداخلين: صراعه مع نظام السادات، وعلاقته الوثيقة بالاتحاد السوفيتي.
لم يترك شرف الاتهام بلا رد.
في مذكراته:
«سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر: شهادة سامي شرف»
نفى بصورة قاطعة أنه كان عميلًا للـKGB، وركز في دفاعه على مصادر الاتهام وعلى نفي كيربشنكو.
كما استند إلى مقابلات كيربشنكو المنشورة في صحيفة «الوسط» السعودية عام 1992، وإلى ما ورد في مذكراته.
وكان جوهر دفاع شرف واضحًا: الرواية التي تتهمه بالعمالة تستند إلى شهادات وروايات متعارضة، بينما الضابط الذي تنسب إليه عملية تجنيده ينفيها.
تزداد القضية تعقيدًا مع مرور الزمن.
فدراسة حديثة منشورة عام 2026 بعنوان:
«مسرح الحرب الباردة للـKGB في الشرق الأوسط: التداعيات العالمية والمحلية»
(The KGB’s Middle Eastern Cold War Theatre: Global and Domestic Implications)
تتناول النشاط السوفيتي في الشرقالأوسط، وتقدم سامي شرف ضمن الشخصيات التي نسبت إليها الدراسة دورًا مهمًا في شبكة الاستخبارات السوفيتية داخل مصر، لكنها في الوقت نفسه تنقل نفي كيربشنكو لكون شرف عميلًا للـKGB.
وهكذا ظل اسم سامي شرف عالقًا بين روايتين: رواية استخباراتية تتهمه بالعمالة للسوفيت، وشهادة كيربشنكو التي تنفيها.
-------
المراجع
- جون بارون، «كي جي بي: العمل السري لعملاء المخابرات السوفيتية»
KGB: The Secret Work of Soviet Secret Agents، 1974.
- أوين ل. سيرز، «جهاز المخابرات المصري: تاريخ المخابرات، 1910–2009»
The Egyptian Intelligence Service: A History of the Mukhabarat, 1910–2009، Routledge، 2010.
- كريستوفر أندرو وفاسيلي ميتروخين، «أرشيف ميتروخين 2: الـKGB والعالم»
The Mitrokhin Archive II: The KGB and the World.
- سامي شرف، «سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر: شهادة سامي شرف».
- جيسي فيريس، «مغامرة عبد الناصر: كيف أدى التدخل في اليمن إلى حرب الأيام الستة وتراجع القوة المصرية»
Nasser’s Gamble: How Intervention in Yemen Caused the Six-Day War and the Decline of Egyptian Power، Princeton University Press.
- «مسرح الحرب الباردة للـKGB في الشرق الأوسط: التداعيات العالمية والمحلية»
The KGB’s Middle Eastern Cold War Theatre: Global and Domestic Implications، 2026.
أكثر الكلمات انتشاراً