الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

01:23 م

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

01:23 م

جميلة بوحيرد.. امرأة هزمت السجن ولم يهزمها التعذيب

في تاريخ حركات التحرر الوطني، هناك أسماء لا تبقى حبيسة صفحات الكتب، ولا تظل مجرد أسماء عابرة في سجلات التاريخ، بل تتحول مع مرور السنوات إلى رموز تختصر في سيرتها حكاية وطن بأكمله. ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، التي ارتبط اسمها بثورة التحرير الجزائرية، وأصبحت واحدة من أشهر رموز المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي.

وُلدت جميلة بوحيرد في حي القصبة بالجزائر العاصمة عام 1935، وكانت الابنة الوحيدة لوالديها مع سبعة أبناء من الذكور. ومنذ سنوات طفولتها الأولى، بدأت ملامح شخصية مختلفة في التكوين؛ شخصية لم تكن مستعدة لأن تقبل ما يُفرض عليها لمجرد أنه مفروض.

وفي أحد طوابير الصباح المدرسية، كان الطلاب الجزائريون يرددون أن “فرنسا أمنا”، لكنها رفضت أن تردد العبارة، وأصرت على أن تقول: “الجزائر أمنا”.

قد تبدو الجملة بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت في ذلك الزمن أكبر من أن تمر بسلام داخل مدرسة خاضعة للإدارة الاستعمارية. عوقبت جميلة وأُخرجت من الطابور، لكن العقوبة لم تستطع أن تطفئ ذلك الشعور المبكر بالانتماء إلى وطنها، ولم تنجح في اقتلاع بذرة الرفض التي كانت تنمو في داخلها.
واصلت جميلة تعليمها، ثم التحقت بمعهد لتعلم الخياطة والتفصيل، وكانت تهوى تصميم الأزياء، وكانت حياتها تبدو، في ظاهرها، أقرب إلى حياة فتاة يمكن أن تمضي في طريق هادئ، قبل أن يأتي عام 1954حاملاً معه تحولًا كبيرًا في تاريخ الجزائر، ومعه تحولًا أكبر في حياة جميلة نفسها.

فمع اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954، اختارت جميلة أن تنضم إلى صفوف جبهة التحرير الوطني الجزائرية، والتحقت بالفدائيين، لتبدأ مرحلة جديدة لم يعد فيها الخيط والإبرة هما أداتها الأساسية، وإنما أصبح النضال من أجل استقلال الجزائر القضية التي كرست لها حياتها.

1جميلة بو حريد
جميلة بو حريد

كانت جميلة من أوائل المتطوعات، وارتبط اسمها بعمل الخلايا الفدائية في مدينة الجزائر، كما أدت دور حلقة الوصل بين قيادة الثورة في الجبال والقيادة الموجودة في المدينة.

ومع اتساع نشاطها، أصبحت واحدة من أبرز المطلوبين لدى السلطات الفرنسية، وتحولت إلى هدف للمطاردة، حتى جاءت لحظة القبض عليها عام 1957.

لكن سقوط جميلة في أيدي الفرنسيين لم يكن نهاية قصتها، بل كان بداية فصل أكثر قسوة وأشد ألمًا.

أُصيبت برصاصة في كتفها وسقطت وهي تنزف، قبل أن يتم القبض عليها ونقلها إلى المستشفى. وهناك بدأت مرحلة أخرى من المعاناة، إذ تعرضت للصعق الكهربائي في محاولة لانتزاع معلومات منها عن زملائها في المقاومة.

كانت تفقد وعيها ثم تستفيق، ويتكرر التعذيب، لكن ما كان المحققون يريدون الوصول إليه ظل بعيدًا عن أيديهم. جسدها كان يتعرض للألم، أما إرادتها فلم تكن قابلة للانتزاع.
وحين لم يتمكن المحققون من انتزاع اعتراف منها، مضت السلطات الفرنسية في محاكمتها، وصدر بحقها حكم بالإعدام عام 1957.

وفي قاعة المحكمة، لم يكن الحكم وحده هو المشهد اللافت؛ فقد تحولت كلمات المتهمة إلى رسالة تجاوزت جدران القاعة، حين قالت إن إعدامها لن يمنع الجزائر من الوصول إلى حريتها واستقلالها.
كان من المقرر تنفيذ حكم الإعدام في 7 مارس 1958، غير أن قضية جميلة بوحيرد لم تعد قضية سجينة جزائرية تقف وحدها أمام محكمة فرنسية. فقد تجاوز صداها حدود الجزائر وفرنسا، وأثارت موجة واسعة من الاحتجاجات الدولية، كما وصلت برقيات استنكار عديدة إلى الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

وتحت ضغط هذه الحملة، أُجّل تنفيذ الحكم، ثم عُدّل في النهاية إلى السجن مدى الحياة.
وبعد استقلال الجزائر عام 1962، خرجت جميلة بوحيرد من السجن. لكنها لم تخرج كما دخلت؛ فقد أصبحت صورتها، خلال سنوات السجن والمحاكمة والتعذيب، أكبر من حدود حياتها الشخصية. خرجت لتجد أن اسمها أصبح رمزًا من رموز الثورة الجزائرية، ووجهًا حاضرًا بقوة في الذاكرة العربية.
وكان لمصر مكان خاص في رحلتها بعد ذلك.

جميلة بو حريد المناضلة الجزائرية 1
جميلة بو حريد المناضلة الجزائرية

فقد التقت المناضلة جميلة بوحيرد بالزعيم جمال عبد الناصر مرتين؛ كانت المرة الأولى أثناء زيارتها الأولى لمصر في 10 أكتوبر 1962، أما المرة الثانية فكانت أثناء زيارة الزعيم جمال عبد الناصر للجزائر في مايو 1963، حيث استقبلها في قصر الشعب في 7 مايو 1957.

كما التقت خلال زيارتها الأولى لمصر بالموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي قالت عنه في إحدى مقابلاتها إنها كانت قد حلمت أثناء وجودها في السجن بأنها سوف تلتقي به.

وتكررت زيارات جميلة بوحيرد لمصر مرات ومرات، حتى جاءت آخر زياراتها إليها في 17 فبراير 2018، حين جرى تكريمها في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة.

وفي عام 1965، تزوجت جميلة بوحيرد من المحامي الفرنسي جاك فيرجيس، وأنجبت طفلين هما مريم وإلياس.

لكن حكاية جميلة لم تتوقف عند حدود السجن والمحاكمة والاستقلال. فقصتها سرعان ما تجاوزت الواقع السياسي والعسكري لتدخل عالم الأدب والشعر والفن، وتتحول إلى مصدر إلهام للأدباء والشعراء في العالم العربي.

ارتبط اسمها بعدد كبير من القصائد والأعمال الأدبية، وكتب عنها شعراء بارزون مثل نزار قباني، وصلاح عبد الصبور، وبدر شاكر السياب، ومحمد مهدي الجواهري وغيرهم.

ولم يكن من الممكن أن تبقى قصة بهذه القوة بعيدة عن السينما؛ فتم تجسيد قصة المناضلة الجزائرية الكبيرة جميلة بوحيرد في السينما المصرية من خلال الفيلم التاريخي الشهير جميلة ، الذي أُنتج عام 1958، وقامت فيه الفنانة ماجدة بدور جميلة بوحيرد.

وهكذا خرجت جميلة بوحيرد من كونها امرأة شاركت في معركة التحرر إلى كونها صورة أدبية ورمزية للمقاومة؛ صورة استلهم منها الشعراء معنى التضحية والصمود، وأصبح اسمها في الوجدان العربي مرتبطًا بحكاية الجزائر وهي تبحث عن استقلالها.

وظلت جميلة بوحيرد حاضرة في الذاكرة، لا فقط لأنها حملت السلاح في مواجهة الاستعمار، وإنما لأنها أصبحت واحدة من أشهر الوجوه النسائية التي ارتبطت بحركات التحرر في العالم العربي.
إنها صورة امرأة دخلت السجن، وحاول التعذيب أن يكسرها، وحاول حكم الإعدام أن يخيفها، لكن شيئًا من ذلك لم يستطع أن يهزم إرادتها.

خرجت جميلة من خلف القضبان، بينما بقي السجن خلفها.
أما صورتها، فقد خرجت إلى العالم كله، لتصبح واحدة من أشهر رموز المقاومة الجزائرية، ولتبقى قصتها شاهدة على زمن كانت فيه الحرية حلمًا، وكان ثمن الحلم أحيانًا سنوات من الألم والسجن، وربما الحياة نفسها.
تلك هي جميلة بوحيرد؛ امرأة هزمت السجن، ولم يهزمها التعذيب.

search