الخميس، 24 سبتمبر 2026

06:55 م

الخميس، 24 سبتمبر 2026

06:55 م

اللواء محمد نجيب متحدثًا عن نفسه.. حين تعيش المظلومية أكثر من صاحبها

ثمة حكايات لا تموت بموت أصحابها، بل تبدأ حياتها الحقيقية بعد ذلك. وبعض المظلوميات، على وجه الخصوص، تمتلك قدرة عجيبة على البقاء؛ تتناقلها الأجيال، وتعيد السياسة إنتاجها، ويُضاف إليها من الروايات ما يجعلها، مع مرور الوقت، أشبه بأسطورة مكتملة الأركان.

ولعل هذا هو أحد الأساليب التي برع فيها الإخوان المسلمون في تقديم خصومهم السياسيين والتاريخيين؛ إذ جرى التركيز على مظلوميات بعينها، وإعادة سردها وتضخيم حضورها في الوعي العام، حتى غدت بعض الشخصيات ضحية أبدية لا تكاد تترك للمتلقي فرصة ليسأل السؤال البسيط: وماذا قال صاحب الحكاية عن نفسه؟
ومن هنا تبدأ هذه السلسلة: اللواء محمد نجيب متحدثًا عن نفسه.

فالرجل الذي امتلأت حوله الكتب والروايات والحكايات، والذي أصبح في بعض السرديات التاريخية عنوانًا جاهزًا للمظلومية، فما كتبه بنفسه، وما نُشر باسمه، لا يخلو من تناقضات تستحق أن نتوقف أمامها كثيراً، بعيدًا عن أي أحكام مسبقة لهذه الرواية أو تلك.

فقد كُتبت للواء محمد نجيب مذكرات، أو نُشرت له خمس مذكرات بصور وروايات متناقضة، الأمر الذي يجعل التعامل معها باعتبارها نصًا واحدًا متماسكًا يحتاج إلى قدر من التروي، وإلى العودة إلى الوثائق الأصلية كلما أمكن ذلك.

ولنكن منصفين في هذه السلسلة؛ فلا الغرض أن نستبدل مظلومية بمظلومية، ولا أن نُصدر حكمًا جديدًا لمجرد أننا لا نحب حكمًا قديمًا. إنما الغرض أن نترك الوثيقة تتحدث، وأن نعطي الرجل فرصة نادرة للحديث بصوته، لا بأصوات الذين جاءوا بعده.

وهنا تظهر وثيقة شديدة الدلالة، مكتوبة بخط يد اللواء محمد نجيب نفسه، أثناء إقامته في فيلا زينب هانم الوكيل، زوجة مصطفى النحاس باشا، في المرج.

والوثيقة مؤرخة في 26 مايو سنة 1962.

وفيها يتوجه اللواء محمد نجيب إلى الرئيس جمال عبد الناصر بطلب يتعلق بصهره، اللواء بالمعاش محمود الديب، ملتمسًا تعيينه في أي عمل مناسب.

وهنا تبدأ المفارقة الصغيرة التي تستحق التأمل.

فاللواء محمد نجيب يوضح في طلبه أن صهره لا يزاول أي عمل في ذلك الوقت، بعد ظهور التشكيلات الجديدة لمجالس إدارات الشركات، وتنحيته عن العمل في شركة سيناء للمنجنيز.

لكن الأهم أن اللواء محمد نجيب نفسه يشير في الوثيقة إلى أن تعيين صهره في شركة سيناء للمنجنيز كان بمعرفة الرئيس جمال عبد الناصر، وأنه عمل في الشركة من فبراير سنة 1961 إلى فبراير سنة 1962.

أي أن الرجل، بحسب الوثيقة التي كتبها بيده، لم يكن يتحدث عن شخص مجهول الصلة بمراكز القرار، ولا عن رجل تُرك في العراء بلا سند، فلو كان اللواء محمد نجيب مضطهداً هل كان له أن يطلب تعيين صهره الذي كان جمال عبد الناصر قد عينه في شركة سيناء للمنجنيز؟ 

وبالنظر إلى حال صهره اللواء بالمعاش، محمود الديب، هل كان يحتاج لعمل يسد حاجته بكل تأكيد لا فهو لواء بالمعاش وبكل تأكيد يتقاضى ما يكفيه ولا ينطبق عليه ما قاله اللواء محمد نجيب في خطابه بأن (البطالة) قد أرهقته. إذا فماذا نصف العامة من الشعب وهل لإنسان مضطهد أن يتوسط لتعيين شخص غير محتاج للعمل من باب الوجاهة الاجتماعية.

لسنا أمام محاولة لإدانة محمد نجيب، كما أننا لسنا أمام محاولة لتبرئة أحد. نحن فقط نحاول أن نضع الرواية أمام الوثيقة، وأن نترك للقارئ فرصة اكتشاف المسافة بينهما وأن الوثائق التي سوف تُنشر تباعاً سوف تُكمل الصورة.
فاللواء محمد نجيب، حين كتب بخط يده، كان يتحدث عن نفسه دون أن يدري ربما أن سطورًا قليلة ستصبح بعد أكثر من ستين عامًا تقريبًا أكثر بلاغة من عشرات الصفحات التي كُتبت عنه.

قد يكتب الإنسان مذكراته ليحكي لنا ما حدث، ثم تأتي ورقة صغيرة كتبها في لحظة عابرة لتقول لنا شيئًا آخر.
أما المظلومية، فقصتها مختلفة.

المظلوم قد يموت، لكن مظلوميته قد تعيش طويلًا، لهذا من الإنصاف أن نسمع صاحب القصة، وأن نقرأ ما كتبه، وأن نضع الوثيقة بجوار الرواية، ثم نترك القارئ يفكر.
 

وفي هذه السلسلة، سنفعل ذلك بالضبط.

اللواء محمد نجيب متحدثًا عن نفسه... لا كما رواه الآخرون، وإنما كما ترك هو أوراقه تتحدث.

WhatsApp Image 2026-09-23 at 11.54.31 AM
search