الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026
09:37 م
يحتل فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس» مكانة خاصة في تاريخ السينما السياسية المصرية، ليس فقط بسبب موضوعه أو نجاحه الجماهيري، وإنما لأنه ظهر في لحظة سياسية كانت مصر فيها تعيد صياغة صورتها عن نفسها، وعن السنوات التي سبقت وصول أنور السادات إلى الحكم.
كان السادات قد بدأ في بناء شرعية مختلفة عن شرعية جمال عبد الناصر، وشرع في تفكيك كثير من سياسات 23 يوليو، والانتقال بمصر إلى الانفتاح الاقتصادي، وإعادة ترتيب علاقاتها الدولية، وصولًا إلى التحول الكبير في العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولم يكن تغيير السياسات وحده كافيًا؛ كان لا بد من تغيير الصورة التي يحملها المصريون عن المرحلة السابقة.
وهنا دخلت السينما إلى المعركة.
لم يكن المطلوب فقط أن تتغير السياسة، وإنما أن يتغير معنى الماضي نفسه؛ أن تتحول تجربة عبد الناصر من مشروع ارتبط في الوعي المصري بالعدالة الاجتماعية، والتعليم المجاني، والتصنيع، والاستقلال الوطني، ومقاومة الاستعمار، وحركات التحرر العربية والأفريقية، إلى عبء تاريخي ينبغي التخلص منه.
ومن هنا يمكن فهم موجة الأفلام التي تناولت الحقبة الناصرية بصورة شديدة السواد خلال النصف الثاني من السبعينيات، وفي مقدمتها «الكرنك» (1975)، و«وراء الشمس» (1978)، و«إحنا بتوع الأتوبيس» (1979).
لم تكن هذه الأفلام مجرد أعمال منفصلة عن المناخ السياسي الذي أنتجها، بل أصبحت جزءًا من إعادة تشكيل الذاكرة العامة عن عهد عبد الناصر.
القصة التي قام عليها فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس» لم تبدأ في السينما، وإنما ظهرت أولًا في الصحافة، وتحديدًا في كتاب «حوار وراء الأسوار» للصحفي جلال الدين الحمامصي.
والحمامصي نفسه يمثل نموذجًا لافتًا في تاريخ الصحافة المصرية؛ فقد بدأ حياته في حزب الوفد، أقوى الأحزاب المصرية قبل ثورة يوليو، ثم انضم بعد الخلاف الشهير بين مكرم عبيد ومصطفى النحاس عام 1942 إلى الكتلة الوفدية، وتحول إلى خصم شرس للوفد.
وفي عام 1943 ارتبط اسمه بـ«الكتاب الأسود» الذي كشف مخالفات ووقائع فساد منسوبة إلى قيادات وفدية، ورد الوفد على ذلك بالقبض عليه واعتقاله في سجن الزيتون.
وفي المعتقل التقى أنور السادات، الذي كان وقتها ضابطًا بالجيش أُبعد من الخدمة بسبب الاتصالات التي اتُّهم بها مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية. ونشأت بين الرجلين صداقة استمرت سنوات طويلة.
بعد ثورة يوليو، اقترب الحمامصي من جمال عبد الناصر، وكان من المشاركين في تأسيس وكالة أنباء الشرق الأوسط عام 1956.
وعندما أعلن عبد الناصر تنحيه عقب هزيمة يونيو 1967، كتب الحمامصي مقالته الشهيرة «ابقَ معنا»، مدافعًا عن عبد الناصر دفاعًا بلغ حد التقديس.
لكن الرجل نفسه انقلب بعد وفاة عبد الناصر إلى مهاجم شرس لعصره.
وهكذا انتقل الحمامصي بين مواقع سياسية وفكرية متباينة، وكان في كل مرحلة قريبًا من السلطة الجديدة وخطابها؛ من الوفد إلى خصوم الوفد، ومن القرب من عبد الناصر إلى الهجوم عليه بعد رحيله.
وهذا السياق مهم لفهم القصة التي ظهرت لاحقًا في «حوار وراء الأسوار».
بعد حرب أكتوبر 1973، لم يكن السادات يعمل فقط على إعادة ترتيب السياسة المصرية، بل كان يبني شرعية جديدة لنظامه.
وفي 7 نوفمبر 1973 عقد أول لقاء له مع هنري كيسنجر في القاهرة، وفي هذا السياق أعلن السادات عزمه على تصفية ميراث جمال عبد الناصر وسياساته.
لم تكن العبارة مجرد تفصيل عابر؛ فقد بدأت بعدها عملية واسعة لإعادة ترتيب المجال السياسي والإعلامي والثقافي المصري.
في 1 فبراير عام 1974، أُبعد محمد حسنين هيكل عن رئاسة الأهرام، وعاد علي أمين من لندن، وصدر عفو صحي عن مصطفى أمين، رغم إدانته في قضية تجسس لصالح المخابرات الأمريكية عام 1965.
وكان أحمد كامل، رئيس جهاز المخابرات العامة في بداية عهد السادات وصديق مصطفى أمين، قد وصف قضية أمين في مذكراته بأنها «قضية تجسس مكتملة الأركان».
كان المشهد يتغير تدريجيًا: رجال جدد، وخطاب جديد، وتحالفات جديدة، وسياسة جديدة، ومعها سردية جديدة للماضي.
كان لا بد من تقديم السنوات الناصرية باعتبارها مرحلة مظلمة، حتى تبدو سياسات السادات باعتبارها خروجًا من تلك الظلمة.
في يناير 1976 نشر جلال الدين الحمامصي قصة «حوار وراء الأسوار»، وهي القصة التي ستصبح بعد ذلك الأساس الذي بُني عليه فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس».
ادعى الحمامصي في كتابه أن جمال عبد الناصر اختلس، بعد هزيمة يونيو 1967، منحة قدرها 15 مليون دولار من الملك سعود لمصر، وهي رواية أثارت ضجة كبيرة.
وبعد تصاعد الاعتراضات الشعبية، جرى فتح تحقيق برلماني رسمي، واستُدعي المسؤولون الاقتصاديون في عهد عبد الناصر وعهد السادات، وانتهى التحقيق إلى تبرئة عبد الناصر من الاتهام.
لكن التقرير وُضع في أمانة المجلس ولم يُنشر للرأي العام.
وهكذا بقي الاتهام حيًا في الذاكرة العامة، بينما ظلت نتيجة التحقيق بعيدة عن الجمهور.
وهذا هو المناخ الذي ظهرت فيه قصة «إحنا بتوع الأتوبيس».
القصة المنشورة في «حوار وراء الأسوار»، في الصفحات 124 إلى 127، لا تحدد تاريخًا دقيقًا للواقعة، ولا تقدم أسماء حقيقية للرجلين، ولا تسند الرواية إلى شاهد مستقل أو وثيقة.
تحكي القصة عن مواطنين عاديين يستقلان أتوبيس نقل عام، ثم يدخلان في مشادة مع المحصل بسبب «الفكة». يتطور الخلاف، فيُقبض عليهما بتهمة الاعتداء على المحصل وتعطيل مرفق عام.
وبالمصادفة، يجري نقلهما ضمن حملة اعتقالات واسعة استهدفت جماعة الإخوان المسلمين.
يُحقق مع الرجلين باعتبارهما من الإخوان، وكلما سألهما المحققون عن التنظيم، يصرخان:
«إحنا بتوع الأتوبيس!»
لكن لا أحد يصدق.
تستمر المأساة، ويقضي الرجلان سنوات في السجن، قبل أن تنكشف الحقيقة ويتم الإفراج عنهما.
هذه هي القصة الأصلية.
لكن السينما صنعت منها شيئًا آخر.
عندما خرج الفيلم عام 1979، لم يكن مجرد نقل للقصة إلى الشاشة.
لقد جرى توسيع الحكاية حتى أصبحت صورة شاملة لدولة عبد الناصر.
الجهاز الأمني يظهر باعتباره وحشًا بلا قانون ولا قواعد ولا عقل؛ معتقلات ضخمة، وغرف تعذيب، وكلاب، وسياط، وضباط لا يعرفون سوى القمع، ومؤسسات تتحرك بلا رقابة أو عدالة.
المجتمع نفسه يتحول إلى شبكة من المخبرين؛ كل شخص يراقب جاره، وكل مؤسسة تراقب العاملين فيها.
حتى السياسات الاجتماعية والاقتصادية لجمال عبد الناصر تدخل في بناء هذه الصورة.
بطل الفيلم، جابر عبد ربه، حصل على التعليم الجامعي المجاني، ثم عُيّن موظفًا في الدولة وفق سياسة تعيين خريجي الجامعات، لكنه يشعر بالمرارة لأنه عُيّن بعيدًا عن تخصصه.
وهكذا تتحول واحدة من أبرز سياسات دولة يوليو الاجتماعية، وهي إتاحة التعليم والتعيين الحكومي، إلى جزء من صورة سلبية عن تلك الدولة.
أما النهاية، فهي الأكثر دلالة.
القصة الأصلية تنتهي باكتشاف الخطأ والإفراج عن الرجلين.
لكن الفيلم يحول النهاية إلى مشهد قتل جماعي للمعتقلين بالرشاشات، ويربط هذا المشهد بهزيمة يونيو 1967.
وهنا يتجاوز الفيلم قصة رجلين ضلا طريقهما إلى السجن، ليقدم تفسيرًا كاملًا للتاريخ: دولة تقمع مواطنيها، ثم تقودهم إلى الهزيمة، ثم تقتلهم بلا رحمة.
لماذا كان عام 1979 مهمًا؟
خرج الفيلم في لحظة شديدة الحساسية.
فقد جاءت زيارة السادات إلى القدس في نوفمبر عام 1977، ثم اتفاقيات كامب ديفيد في سبتمبر عام 1978، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس عام 1979، بينما كانت مصر تعيد تعريف موقعها في العالم وعلاقتها بالقوى الكبرى.
وفي الوقت نفسه، كان الماضي الناصري يجري تقديمه باعتباره النقيض الكامل لهذا المسار.
كان لا بد من جعل الخروج من الناصرية يبدو ضرورة تاريخية.
وهنا أصبحت السينما أكثر تأثيرًا من الخطاب السياسي المباشر.
فالخطاب السياسي يمكن مناقشته، أما الفيلم فيدخل إلى الذاكرة من خلال الصورة والشخصية والموسيقى والخوف والمأساة.
لا يحتاج الفيلم إلى أن يقول للمشاهد: «السادات أفضل من عبد الناصر».
يكفي أن يجعل الماضي سجنًا وتعذيبًا ورشاشات وهزيمة، ثم يترك الحاضر خارج الصورة، فيبدو الخروج من ذلك الماضي أمرًا طبيعيًا.
ولذلك لم يكن «إحنا بتوع الأتوبيس» عملًا منفردًا.
في «الكرنك» يصبح المعتقل عالمًا مغلقًا يتحكم في مصائر البشر.
وفي «وراء الشمس» يصبح الجهاز القمعي قوة تتجاوز القانون والمؤسسات.
وفي «إحنا بتوع الأتوبيس» يتحول الخطأ الفردي إلى مأساة جماعية، وتنتهي الحكاية بالرصاص.
تتغير الشخصيات والوقائع، لكن البناء الدرامي واحد تقريبًا: دولة بلا وجه، وسلطة بلا حدود، ومعتقل يتحول إلى عالم كامل، وجلاد يبدو أكبر من أي قانون.
وهكذا تتكون صورة ذهنية لا تحتاج إلى وثيقة؛ لأن السينما نفسها تصبح هي الوثيقة في وعي المشاهد.
المشكلة الأساسية هنا أن الفيلم ليس وثيقة تاريخية، ولا شهادة مستقلة على وقائع الاعتقال في عهد عبد الناصر.
إنه رؤية سينمائية مبنية على قصة صحفية غير موثقة بالقدر الذي يسمح بتحويلها إلى حقيقة تاريخية، ثم جرى توسيعها دراميًا لتصبح صورة كاملة عن مرحلة سياسية بأكملها.
وهنا تكمن قوة «إحنا بتوع الأتوبيس» وخطورته في الوقت نفسه.
لم يكن المطلوب فقط أن يقتنع المصري بأن سياسة معينة قد انتهت، وإنما أن ينظر إلى الماضي نفسه باعتباره مصدرًا للخوف والفشل والهزيمة.
كان لا بد من تحويل عبد الناصر من صاحب مشروع إلى متهم، ومن رمز للاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية إلى رمز للمعتقل والتعذيب والهزيمة.
وهنا جاءت السينما كـ«رصاصة ناعمة»: لا تصرخ في وجه المشاهد، ولا تطلب منه موقفًا سياسيًا مباشرًا، لكنها تزرع في داخله صورة يصعب التخلص منها.
لقد جرى قطع التاريخ ولصقه وفق الرواية الجديدة؛ اختيار مشاهد بعينها، وتضخيم وقائع بعينها، وإسقاط ما عداها، حتى يصبح الماضي قابلًا لإعادة الاستخدام السياسي.
لم تكن المعركة إذن على ما حدث في المعتقل وحده، بل على الصورة التي سيبقى بها جمال عبد الناصر في ذاكرة المصريين.
وحين تعجز عن هزيمة رجل في التاريخ، سوف تحاول هزيمته في الذاكرة.
وهذا هو المعنى الأعمق لـ«إحنا بتوع الأتوبيس»: أنه لم يكتفِ بأن يروي عبد الناصر، بل حاول أن يصنع عبد الناصر جديدًا في الوعي المصري؛ عبد الناصر الذي لا يُرى إلا من خلف قضبان المعتقل، وفي غرف التعذيب، وتحت فوهات الرشاشات.
وهكذا لم تكتفِ سينما السادات بأن تروي تاريخ عبد الناصر؛ لقد حاولت اغتيال عبد الناصر معنويًا وتشويه عصره.
28 سبتمبر 2026 10:55 ص
25 سبتمبر 2026 08:32 ص
24 سبتمبر 2026 10:19 ص
23 سبتمبر 2026 10:04 ص
أكثر الكلمات انتشاراً