الأحد، 18 أكتوبر 2026
01:58 ص
ليست مهمة الرؤساء أن يديروا الحاضر فقط، وإنما أن يمتلكوا الشجاعة للتفكير في المستقبل، حتى ذلك المستقبل الذي لن يكونوا بالضرورة جزءًا من إدارته.
وهنا تحديدًا تكتسب كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال حفل تخريج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية، أهميتها، لأنها تفتح بابًا للنقاش يتجاوز تفاصيل المناسبة، ويصل إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الدولة المصرية بعد عام 2030.
والإنصاف يقتضي أن نمنح الرجل حقه في هذه القفزة التاريخية للمستقبل، حتى قبل أن تكتمل ترجمتها إلى واقع، إذ ليس من الضروري أن ننتظر نهاية تجربة كاملة حتى نعترف بأهمية طرح جديد، وليس مطلوبًا أن تتحول الأفكار إلى نتائج نهائية في اللحظة نفسها التي يُعلن عنها فيها.
أحيانًا تكون الخطوة الأولى الجديرة بالتقدير هي أن يضع صاحب القرار قضية مؤجلة أمام المجتمع، ويحدد لها أفقًا زمنيًا، ويفتح النقاش حول كيفية التعامل مع المستقبل.
كلمة الرئيس عن إعداد قادة الغد تضعنا أمام زاوية مختلفة للنظر إلى القيادة السياسية، فبدلاً من أن ينحصر الحديث في الحاضر، ومن يدير الدولة اليوم، يصبح السؤال متعلقًا بمن يستطيع إدارتها غدًا، وكيف يمكن إعداد هؤلاء، وما المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيارهم، وهذه، في حد ذاتها، نقلة تستحق التوقف أمامها.
فالرئيس الذي يتحدث عن إعداد قيادات للمستقبل يفتح، ولو من حيث المبدأ، ملفًا بالغ الأهمية في الدولة المصرية: كيف ننتقل من الاعتماد على الأشخاص إلى بناء منظومة تستطيع إنتاج الكفاءات وتجديد القيادات بصورة مستمرة؟.
والحديث هنا ليس عن منصب الرئيس وحده، وإنما عن الإدارة العامة ومؤسسات الدولة والقدرة على اكتشاف أصحاب الخبرات ومنحهم الفرصة لتحمل المسؤولية.
ما يستحق التقدير أيضًا هو أن فكرة الإعداد طُرحت باعتبارها عملاً يحتاج إلى وقت، لا قرارًا يمكن ارتجاله في اللحظة الأخيرة، فقد تحدث عن تأهيل كوادر من حملة الدكتوراه لمدة 30 شهرًا، وعن تشكيل لجنة تضم مسؤولين ومفكرين وسياسيين، إلى جانب إعداد إطار قانوني ينظم الاختيار.
قد تختلف الآراء حول تفاصيل هذا التصور، وقد تظل هناك أسئلة مشروعة بشأن معايير الاختيار، وطبيعة البرنامج، ومدى اتساع الفرص أمام الكفاءات المختلفة، لكن ذلك لا ينفي أهمية فتح الملف من الأساس.
بل إن الاعتراف بأهمية المبادرة ينبغي أن يقود إلى نقاش أكثر جدية حول كيفية إنجاحها، لا إلى الاكتفاء بالتصفيق لها أو رفضها قبل اختبارها، فالتقدير الحقيقي لأي فكرة هو أن نأخذها على محمل الجد، وأن نطالب بتحويلها إلى قواعد واضحة يمكن قياس نتائجها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وهنا يظهر المعنى الأعمق لفكرة أن الرجل يكتب تاريخًا جديدًا، فالتاريخ لا يُكتب فقط بالقرارات الكبرى، ولا بالمشروعات التي تترك أثرًا ماديًا يمكن رؤيته، وإنما أيضًا بالطريقة التي يفكر بها القائد في نهاية مسؤوليته، وبما إذا كان يترك وراءه مؤسسات أكثر قدرة على الاستمرار.
ليس سهلاً على أي نظام سياسي أن يفتح نقاشًا يتعلق بما بعد المرحلة الراهنة، وليس كل حديث عن المستقبل دليلاً على أن الانتقال إليه أصبح مضمونًا، لكن مجرد وضع هذا الملف في صدارة النقاش يمثل فرصة ينبغي البناء عليها.
والأهم أن تكون هذه الفرصة بداية لعمل مؤسسي يتجاوز الأشخاص، بحيث يصبح إعداد القيادات مسارًا مستمرًا، تحكمه الكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص، وتكون فيه المؤسسات الدستورية وآليات الاختيار صاحبة الدور الحاسم في تحديد من يتولى المسؤولية، عندها لن تكون قيمة التجربة مرتبطة باسم شخص بعينه، بل بما تتركه من قواعد قابلة للاستمرار بعد انتهاء فترته.
أما عن رسالته الإقليمية، أكد استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن أمن المملكة العربية السعودية وسيادتها، مع حديثه عن ضرورة الحصول على تفويض برلماني إذا اقتضت الظروف ذلك، حمل تأكيدًا على مكانة الأمن الخليجي في الحسابات المصرية.
وهذه رسالة مهمة في منطقة تتشابك فيها المصالح والتهديدات، ويصبح فيها التضامن العربي ذا قيمة تتجاوز العبارات السياسية، كلما استند إلى مواقف واضحة وإجراءات تحكمها القوانين والظروف الفعلية.
ومن الإنصاف هنا أيضًا التمييز بين وضوح الموقف المعلن وبين ما قد يترتب عليه مستقبلاً، فالأول يمكن تقييمه الآن، أما الثاني فيظل رهنًا بما ستفرضه الأحداث وما ستتخذه الدولة من قرارات.
في النهاية، نقدر للرئيس عبدالفتاح السيسي طرح هذه النقلة المهمة في توقيت صعب حرص على تصدر المشهد خلاله برسائل مهمة على مدار ثلاثة أيام متتالية، ولا يمكن أن ينسى له التاريخ هذا الموقف خصوصًا عند ترجمته على أرض الواقع، فالرجل بدأ مشواره محمولا على الأعناق كبطل أنقذ مصر من فترة ظلامية، وها هو يتحدث عن ختام مسيرة يليق ببدايتها.
الإنصاف هو أن نُقدّر المبادرة، وأن نتابع تنفيذها بالجدية نفسها، وأن نحتكم في النهاية إلى ما تحققه من نتائج،
فالرجل لا يحتاج إلى أن يضمن لنفسه مكاناً في كل مرحلة مقبلة حتى يترك أثراً في التاريخ، بل ربما يكون الإرث الأهم هو أن يهيئ الطريق لمرحلة يستطيع غيره أن يقودها، وهذه بطولة أخرى في حد ذاتها.
من حقي أن أحب الرئيس عبدالفتاح السيسي، وأعبر عن ذلك بطريقتي دون أن يزايد أحد على مشاعري، وأرقى أنواع الحب من وجهة نظري هو احترام إرادة من نحب.
10 أكتوبر 2026 04:45 م
05 أكتوبر 2026 08:22 م
29 سبتمبر 2026 06:35 م
25 سبتمبر 2026 01:49 م
أكثر الكلمات انتشاراً