الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

01:43 ص

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

01:43 ص

ليس كل ما يُبكينا حقيقة!!

تخيّل أن يظهر أمامك رجل هزيل، يبدو عليه المرض والبؤس، ويخبرك مؤثر يتابعه الآلاف بأنه طبيب مصري مصاب بمرض عضال، انتهى به المطاف مشرداً في أحد شوارع اليمن، ربما لن يكون سؤالنا: هل هذه الرواية صحيحة؟ بل: كيف يمكننا مساعدته؟

هكذا انتشرت حكاية «الطبيب المصري المشرّد» في الحديدة، مستندة إلى مشهد إنساني يصعب تجاهله، لكن تحقيق صحفي أجراه «تليجراف مصر» كشف، استناداً إلى شهادة أحد جيران الرجل، أنه يمنيّ وليس طبيباً، وأنه معروف لدى سكان المنطقة منذ سنوات.

القصة هنا أكبر من تصحيح هوية رجل أو مهنته، بل إنها تكشف كيف يمكن لرواية أن تستحوذ على مشاعرنا قبل أن نعرف حقيقتها، وكيف يتحوّل التعاطف، وهو من أنبل المشاعر الإنسانية، إلى مدخل محتمل للتضليل.

في عالم منصات التواصل الاجتماعي، لم تعد القصة تحتاج إلى أدلة مكتملة كي تنتشر، فقد تكفي صورة مؤثرة، أو كلمات تستثير الشفقة، أو مشهد يستدعي الغضب، حتى تتحول الرواية إلى حقيقة في أذهان جمهور واسع، ثم تأتي المشاهدات والتعليقات والمشاركات لتمنحها مزيداً من المصداقية، رغم أنها لا تثبت شيئاً عن صحتها.

قد يشارك شخص الفيديو رغبة في المساعدة، ويعيد آخر نشره لأنه تأثر بما شاهده، بينما يتداوله ثالث باعتباره دليلاً على مأساة تستحق الاهتمام، وربما تكون النيات حسنة، لكن النتيجة واحدة، انتشار رواية قبل التحقق من تفاصيلها.

وهنا تكمن خطورة اللحظة الرقمية؛ فالمشاعر قد تسبق التفكير، والانتشار قد يسبق الحقيقة، بينما يأتي التصحيح متأخراً، بعدما تكون الرواية الأولى قد استقرت في أذهان كثيرين، وبكل أسف لا يتوقف الضرر الأكبر عند تصديق قصة غير صحيحة، بل يمتد إلى ما بعدها.

فحين يكتشف الناس أنهم تعرضوا للتضليل، قد يتعلمون التحقق في المرة التالية، وقد يسلكون الطريق المعاكس، فيشككون في كل قصة إنسانية، ويتعاملون مع كل مريض أو فقير أو مشرد باعتباره احتمالاً للخداع.

وهنا يدفع أصحاب المعاناة الحقيقية ثمن أخطاء لم يرتكبوها، ويصبح المريض مطالباً بإثبات صدق ألمه، والمحتاج مطالباً بإثبات استحقاقه للمساعدة، فقط لأن آخرين استغلوا مشاعر الجمهور في قصص سابقة.

إن أخطر ما يفعله التضليل أنه لا يسرق الحقيقة من الجمهور فحسب، بل قد يسرق أيضاً تعاطفه مع من يستحقه، ولذلك، ليست الإجابة في أن نتوقف عن تصديق الناس، أو أن نتعامل مع كل قصة مؤثرة باعتبارها محاولة للاستغلال، بل المطلوب أن نفصل بين التعاطف والتصديق؛ يمكننا أن نشعر بالألم تجاه إنسان، وأن نتمنى له المساعدة، من دون أن نعتبر كل ما قيل عنه حقيقة مؤكدة.

وهنا يأتي دور الصحافة المهنية في فحص الروايات، والبحث عن المصادر، ومقارنة الادعاءات بالأدلة، فالتدقيق ليس خصماً للإنسانية، ولا محاولة لإطفاء مشاعر الجمهور، بل وسيلة لحماية هذه المشاعر من الاستغلال.

كما أن مسؤولية المستخدم تبدأ من لحظة بسيطة، وهي ألا يحوّل انفعاله الأول إلى حكم نهائي، وألا يمنح المشاهدات سلطة الحقيقة، وألا يعيد نشر رواية حساسة قبل التثبت منها.

في النهاية، لسنا بحاجة إلى قلوب أقل تعاطفاً، بل إلى عقول أكثر انتباهاً، فالمجتمع الذي يصدّق كل شيء عرضة للتضليل، كما أن المجتمع الذي يشك في كل شيء قد يصبح أقل قدرة على مساعدة أصحاب المعاناة الحقيقية.
لا تجعلوا التضليل ينتصر مرتين، الأولى حين يدفعنا إلى تصديق ما لم تثبته الأدلة، والمرة الثانية حين يجعلنا نشكّ في كل من يستحق أو يحتاج إلى التصديق.
 

search