الجمعة، 30 أكتوبر 2026
05:33 م
لم تكن تلك الفتاة المصرية الصغيرة التي سجدت على منصة التتويج، ثم قفزت من فرط السعادة قبل أن تجد نفسها في أحضان الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تحتفل بفوزها بجائزة فحسب، بل كانت تختصر في لحظات عفوية واحدة حكاية حلم طويل، وتختصر معها مشاعر ملايين العرب الذين تابعوا المشهد.
وربما لم يتمالك كثيرون منا دموعهم ونحن نشاهد ميار محمد رجب عثمان، ابنة محافظة كفر الشيخ، تقف بطلةً لتحدي القراءة العربي في دورته العاشرة، وتبهرنا بطلاقتها، وخفة دمها، وثقافتها الاستثنائية، وجرأتها وحضورها – حفظك الله يا ابنتي.
بكينا نحن المصريين ونحن نراها، ليس لأنها رفعت اسم مصر وحده، وإنما لأنها بدت واحدة منا جميعاً، فتاة خرجت من رحم مدرسة حكومية مصرية، ومن محافظة مصرية، ومن أسرة آمنت بأن التعليم والقراءة يمكن أن يفتحا أبواباً تبدو بعيدة، لتصل إلى منصة عربية كبرى، وتثبت أن الأحلام لا ينبغي أن تكون حكراً على أبناء المدن الكبرى أو أصحاب الفرص الاستثنائية.
كانت سجدتها، وقفزتها، واحتضان الشيخ محمد بن راشد لها، مشهداً أكبر من التتويج نفسه، إذ كان انتصاراً للطفلة التي بداخل كل إنسان، حين تكتشف فجأة أن الحلم الذي عاشت من أجله أصبح حقيقة، وأن العالم الذي بدا بعيداً صار في متناول يديها.
وفي تلك اللحظة، لم تكن ميار وحدها هي التي تستحق الاحتفاء، بل الفكرة التي أوصلتها إلى هناك، والمشروع الذي منحها وملايين الأطفال العرب فرصة لأن يحلموا بالمعرفة، وأن يجدوا في الكتاب طريقاً إلى مستقبل مختلف.
وهنا تحديداً تتجاوز الحكاية حدود مسابقة للقراءة، لتصبح مدخلاً لفهم قيمة قائد مثل الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس الوزراء، حاكم دبي الذي يبدو في هذه اللحظة العربية المضطربة كأنه منارة وسط العتمة.
ففي الوقت الذي نستيقظ فيه وننام على أخبار الحروب والتوترات والمخاوف، وفيما تتزاحم حولنا خطابات القلق والتشاؤم، يصرّ الرجل على أن هناك طريقاً آخر يستحق أن نسلكه، طريق العلم والثقافة والمعرفة، وأن الاستثمار الحقيقي في الإنسان وعقله وقدرته على صناعة المستقبل.
ليس أمراً عابراً أن يختار قائد أن يجعل القراءة مشروعاً عربياً بهذا الحجم، وأن يضع ملايين الأطفال في مواجهة الكتب بدلاً من الاستسلام لعالم تستهلكه الشاشات والمعلومات السريعة والخطابات المتطرفة.
وليس تفصيلاً أن يتحول مشروع تحدي القراءة، الذي انطلق عام 2015، إلى منصة شارك فيها في دورته العاشرة أكثر من 40 مليون طالب وطالبة من عشرات الدول، في واحدة من أوسع المبادرات الثقافية والتعليمية في المنطقة.
فتحدي القراءة العربي ليس سباقاً لتكديس الكتب أو استظهار عناوينها، وإنما محاولة لإعادة بناء علاقة الإنسان العربي بالمعرفة، وتعليم أجيال جديدة كيف تقرأ وتفهم وتناقش وتفكر، وكيف تمتلك أدواتها في عالم لن يكون فيه مكان لمن يكتفي بتلقي ما يقال له دون أن يسأل أو يبحث أو يتحقق.
والأجمل أن هذا المشروع لا يمنح الأطفال كتباً يقرؤونها فقط، بل يمنحهم إحساساً بأن أصواتهم مسموعة، وأن أحلامهم تستحق أن تصل، وأن المسافة بين قرية صغيرة في كفر الشيخ ومنصة التتويج في دبي ليست مستحيلة.
ربما لهذا كان مشهد ميار مؤثراً إلى هذا الحد، لأنها لم تكن تحتفل بفوزها وحدها، بل كانت تحمل معها أحلام ملايين الأطفال الذين يملكون الموهبة ولا تنقصهم إلا الفرصة، وتقول لهم إن الطريق ممكن، وإن القراءة ليست ترفاً، وإن الكتاب قد يكون بداية حكاية تغير حياة إنسان بأكملها.
وفي عالم يمتلئ اليوم بما يدعو إلى الخوف، نحتاج إلى مثل هذه المشاهد أكثر مما نتصور .. نحتاج إلى من يذكرنا بأن المستقبل ليس بالضرورة امتداداً لكل هذا القلق، وأن الأمل ليس خطاباً عاطفياً نردده عندما تضيق بنا الأيام، بل مشروعاً يُبنى، واستثماراً يحتاج إلى صبر، وإيماناً بأن طفلاً يقرأ اليوم قد يصبح غداً عالماً أو مفكراً أو قائداً يغير حياة الآخرين.
هذه هي الرسالة التي جسدها الشيخ محمد بن راشد، وهذه هي الصورة التي منحتها ميار وجهاً إنسانياً لا يُنسى.
قد تختلف الشعوب في حساباتها ومواقفها، وقد تضطرب المنطقة وتثقلها الأزمات، لكن ثمة ما يستحق أن نتفق عليه جميعاً، وهو أن إنقاذ المستقبل يبدأ من عقول الأطفال، وأن الأمة التي تريد أن تنهض لا بد أن تربي أبناءها على المعرفة لا الخوف، وعلى الحلم لا اليأس.
في النهاية، لم يكن أجمل ما في المشهد أن ميار فازت، بل أن ملايين الأطفال رأوا فيها أنفسهم، وأن قائداً احتضن حلمها، وأن مشروعاً عربياً منح تلك اللحظة معناها.
في زمن ينشغل فيه العالم بصناعة أسباب الخوف، ثمة من لا يزال منشغلاً بصناعة أسباب الأمل، وهذا، في حد ذاته، إنجاز يستحق أن نتوقف أمامه طويلاً، وسبب يجعل قلوبنا متعلقة برجل مثل محمد بن راشد.
27 أكتوبر 2026 05:25 م
24 أكتوبر 2026 04:20 م
17 أكتوبر 2026 03:25 م
10 أكتوبر 2026 04:45 م
أكثر الكلمات انتشاراً