"الجغرافي الدولي".. حدث أكاديمي ضخم وقف في الظل!
في الوقت الذي تتصارع فيه الدول على استضافة الفعاليات الدولية الكبرى لتعزيز نفوذها الأكاديمي ومكانتها الحضارية، مرّ حدث استثنائي في القاهرة مرور الكرام، دون تغطية إعلامية تليق به أو اهتمام مؤسسي يوازي رمزيته، إنه مؤتمر الاتحاد الجغرافي الدولي (IGU) الذي عاد إلى مصر بعد مئة عام كاملة من آخر انعقاد له في قلب العاصمة سنة 1925، ليتحول –رغم قيمته العلمية والرمزية– إلى "فرصة ضائعة" حقيقية.
حينما تحتضن القاهرة مؤتمرا علميا عالميا بهذا الحجم، تنظمه واحدة من أعرق المؤسسات الجغرافية في العالم – الجمعية الجغرافية المصرية– وتحت رعاية رئاسة الجمهورية، فإن الأمر يتجاوز حدود اللقاء الأكاديمي، نحن أمام حدث دولي يعكس موقع مصر العلمي والثقافي، ويعيد وصل حاضرها بماضيها الجغرافي المجيد.
لقد جاء مؤتمر IGU في أبريل 2025 بعنوان "التقنيات الجيو-مكانية التغيرات العالمية والاستدامة"، بمشاركة أكثر من 14 لجنة علمية متخصصة من مختلف القارات، تشمل مجالات الجغرافيا السياسية، البيئية، الاقتصادية، والحوكمة، والخرائط، والتغير المناخي، والموارد الطبيعية، والتنمية في إفريقيا والشرق الأوسط.
شارك في المؤتمر عشرات العلماء والباحثين من أكثر من أربعين دولة، وطرحت خلال أيامه التي امتدت من 12 إلى 19 أبريل أوراق بحثية نوعية حول أبرز القضايا الجغرافية المعاصرة، من ندرة المياه إلى التغير المناخي، ومن التوسع الحضري إلى التهديدات البيئية العابرة للحدود.
الجلسات العلمية شهدت زخماً معرفياً هائلًا، وتناولت محاور تخصّ حاضر ومستقبل القارة الإفريقية، وأخرى تتعلق بسبل توظيف التكنولوجيا الجغرافية الحديثة في صناعة القرار والتخطيط الحضري، ومع ذلك، ظل هذا الحدث الضخم غائباً عن نشرات الأخبار وصفحات الصحف، في مفارقة صادمة لا تليق بمكانة مصر العلمية ولا بحجم المؤتمر.
تعود جذور الجمعية الجغرافية المصرية إلى عام 1875، وتعد من أقدم المؤسسات العلمية في العالم، وقد شاركت في تأسيس الاتحاد الجغرافي الدولي عام 1923، واستضافت في العام التالي (1925) النسخة الحادية عشرة من مؤتمره في القاهرة، ليكون أول مؤتمر للاتحاد يُعقد خارج القارة الأوروبية.
إن عودة المؤتمر إلى مصر بعد مئة عام من انعقاده الأول ليست مجرد صدفة زمنية، بل هي اعتراف بجهود الجمعية في الحفاظ على إرثها العلمي، وبمبادرة الأساتذة والباحثين الذين سعوا لإعادة مصر إلى الساحة الجغرافية الدولية، وقد جاء المؤتمر هذا العام تكريمًا لرموز مثل الراحل الأستاذ الدكتور صلاح عيسى، وجهود رئيس الجمعية الحالي الأستاذ الدكتور محمد السديمي، وسكرتيرها العام الدكتور إسماعيل يوسف، وأحد أعضائها البارزين الدكتور عطية الطنطاوي عميد كلية الدراسات الإفريقية ومقرر لجنة الجغرافيا والبيئة بالأعلى للثقافة.
البرنامج العلمي للمؤتمر جاء محكمًا ومنوعًا، حيث نُظمت جلسات متزامنة في مواقع متنوعة مثل فندق تريومف بلازا، الجامعة الفرنسية، قناة السويس، الأهرامات، والمتحف الكبير، إلى جانب رحلات علمية إلى العاصمة الإدارية والفيوم والإسكندرية والصعيد.
لكنّ ما يثير الاستغراب، بل والقلق، هو غياب التمثيل الرفيع من الجامعات المصرية والمؤسسات البحثية الكبرى، وعدم إدراج المؤتمر ضمن أولويات، كما لم يُستثمر وجود هذا الحشد الدولي من الخبراء للترويج للسياحة العلمية أو لفتح شراكات أكاديمية جديدة بين الجامعات المصرية ونظيراتها حول العالم.
مكاسب كان يمكن تحقيقها... لكنها ضاعت
لقد كان من الممكن أن يُستثمر المؤتمر في: إطلاق مبادرات تعليمية لدمج الجغرافيا التطبيقية في المناهج، الترويج لمصر كوجهة للبحث العلمي والسياحة المعرفية، تحفيز الباحثين الشباب وإبراز مشاريعهم أمام لجان دولية مرموقة، ترسيخ حضور مصر كدولة فاعلة في صناعة المعرفة الجغرافية عالمياً، لكن للأسف، غابت تلك الرؤية الاستراتيجية، وظل المؤتمر حدثاً أكاديمياً ضخماً يقف في الظل، بينما تسابقت الدول الأخرى إلى الفضاءات الإعلامية لاحتلال مواقع الريادة.
من الضروري أن تتعامل المؤسسات الإعلامية المصرية مع الفعاليات العلمية الكبرى كجزء من أولوياتها الاستراتيجية، تمامًا كما تفعل مع الأحداث السياسية والاقتصادية والرياضية، ولتفادي تكرار تجاهل مؤتمرات دولية بحجم مؤتمر الاتحاد الجغرافي، يُقترح إنشاء وحدة تنسيق دائمة بين وزارات التعليم العالي والثقافة والإعلام والجمعيات العلمية، مهمتها إعداد خطط ترويجية مسبقة للمؤتمرات والندوات الدولية، تشمل إنتاج محتوى إعلامي مرئي ومكتوب، وتكليف فرق صحفية مختصة بالتغطية الميدانية، إلى جانب إدماج تلك الفعاليات ضمن خريطة البرامج التليفزيونية الحوارية والثقافية. إن تحويل الحدث العلمي إلى قصة إعلامية جاذبة للجمهور هو مفتاح رئيسي لتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة المعرفة، وإعادة الاعتبار للعلم والعلماء في وجدان الأمة.
لم يكن التجاهل الإعلامي هو الخلل الوحيد، بل إن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ارتكبت خطأً كبيرًا بعدم مشاركتها الفاعلة في هذا الحدث الدولي الذي يمثل فرصة نادرة لتعزيز الحضور الأكاديمي لمصر على الساحة العالمية، فقد كان من المنتظر أن تتصدر الوزارة المشهد، سواء من خلال دعم اللجان التنظيمية، أو عبر تكليف الجامعات الحكومية والخاصة بإيفاد وفود علمية لحضور الجلسات والمشاركة بالأوراق البحثية، أو على الأقل عبر توفير منصة رسمية لعرض إنجازات مصر في مجال الجغرافيا التطبيقية.
لقد عادت القاهرة لتستضيف مؤتمر الجغرافيين العالميين بعد غياب قرن كامل، في مشهد تاريخي لم يتكرر في عواصم كثيرة، لكنه، ويا للمفارقة، لم يحظَ بما يستحق من احتفاء أو تغطية. فهل نعيد الاعتبار لهذا الحدث؟ أم نتركه مجرد رقم في سجل المؤتمرات... لا يذكره أحد؟
الأكثر قراءة
-
موعد مباراة الأهلي والنصر الودية والقناة الناقلة
-
مأساة فتاة بشوارع مدينة نصر على يد مجموعة شباب
-
خلافات مع زوج أمها.. تفاصيل مثيرة بواقعة محامية الإسكندرية المتهمة بقتل والدتها (خاص)
-
سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الخميس 23 يوليو 2026.. هل البنوك تعمل؟
-
احذر قبل وقوع الكارثة.. 10 علامات تكشف اختباء الثعابين داخل منزلك
-
خبير لوائح يصدم الزمالك بعد الحصول على الرخصة الأفريقية
-
صديق محامية الإسكندرية المتهمة بقتل والدتها: حاولت إنهاء حياتها أكثر من مرة
-
كيف وفر الزمالك السيولة المالية لحل القضايا والحصول على الرخصة الأفريقية؟
مقالات ذات صلة
أجور أعضاء هيئة التدريس.. قضية وطن لا مطلب فئة
20 يوليو 2026 03:52 م
سفراء لا تعينهم وزارة الخارجية.. هل تكفي جودة التعليم وحدها لجذب الطلاب الوافدين؟
12 يوليو 2026 10:52 ص
رسالة إلى رئيس جامعة بنها: لماذا تُهدر الفرص ويحرم المرضى؟
03 يوليو 2026 11:53 ص
بوابة معلومات التجارة الخارجية.. كيف أصبحت البيانات سلاح مصر لتعزيز الصادرات؟
28 يونيو 2026 10:41 ص
المؤشر العالمي للبحث والتطوير.. قراءة جديدة لعلاقة البحث العلمي بالتنمية!
15 يونيو 2026 09:44 ص
مواءمة التخصصات الجامعية مع سوق العمل.. كيف نعيد تشكيل المستقبل؟
19 مايو 2026 10:40 ص
ظروف "الطنطاوي" القهرية وإثارة الضجيج حول جامعة القاهرة
27 أبريل 2026 02:41 م
بين المعرفة الدينية وإنتاج الوعي الثقافي.. ما الذي تمثله موسوعة الأديان؟
23 أبريل 2026 02:37 م
أكثر الكلمات انتشاراً