مراكز خدمة المجتمع، الثروة المهدرة بالجامعات
تثير فيديوهات الدكتور مصطفى أبوالسعود، أستاذ الاقتصاد بجامعة قناة السويس، حالة من اليقظة داخل الجامعة المصرية؛ فهي ليست مجرد محتوى معرفي أو رسائل توعوية، بل صوت إصلاحي جريء يُعيد طرح سؤال جوهري: هل ما زالت الجامعة تقوم بوظيفتها الكاملة في خدمة المجتمع وتنمية مهارات أفراده؟.
الدكتور أبوالسعود، من خلال لغته الهادئة وأسلوبه الرصين، وقوة طرحه، وجمال عباراته وفكاهته أحيانا، لا يدعو إلى فكرة عابرة، بل يضع أمام المؤسسات الأكاديمية مشروعًا متكاملًا يقوم على إنشاء كلية للتعليم المستمر تكون كيانا مؤسسيًا واضحا، له لائحته وهويته وبنيته وميزانيته، ويتولى مسؤولية التدريب والتنمية وبناء القدرات داخل الجامعة بشكل احترافي ومنظم.
إن مناشدته بضرورة توحيد كل المسميات المتناثرة: مراكز تنمية القدرات، مراكز القيادة، مراكز التدريب، تحت مظلة واحدة ليست ترفا إداريا، بل ضرورة استراتيجية لإنهاء التشتت الذي يعطل الجامعة عن أداء دورها الحقيقي، فاليوم تعمل عشرات الوحدات داخل الجامعة دون تنسيق، فتكرر المناهج، وتتنافس على المدربين، وتختلف في الأسعار، وتتشابك اختصاصاتها، ويضيع الجهد في مسارات متوازية لا تلتقي.
الجامعات الحديثة حول العالم تعتمد على التعليم المستمر كركيزة أساسية في رسالتها، لأنه يحوِل المعرفة الأكاديمية إلى مهارة عملية، ويربط الجامعة بسوق العمل، ويجعلها شريكا مباشرا في التنمية، لكن في السياق المصري، لا يزال هذا القطاع يعمل بنصف طاقته، أو أقل، لأنه غير موحد، وغير مستقر، وغير ممثل داخل الهيكل الأكاديمي ككيان مستقل، ولهذا تصبح دعوة الدكتور مصطفى أبوالسعود أكثر من مهمة؛ فهي تعيد ترتيب الفكر الجامعي بما يضمن أن تكون الجامعة مصدرا حيا للتدريب، وليس مجرد جهة تمنح شهادات تقليدية ثم ينفصل خريجوها عن المؤسسة.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الثاني من القضية، فسنجد أن غياب كيان جامع للتعليم المستمر أنتج ظاهرة خطيرة هي السوق الخلفية للتدريب، فمع توسع الطلب على الدورات والمهارات، ظهرت كيانات تعمل خارج المظلة الأكاديمية، بعضها يقدم محتوى سطحيا، وبعضها يبيع شهادات بلا قيمة، وبعضها يستخدم مسميات براقة من دون أساس علمي أو اعتماد حقيقي، وبسبب غياب المرجعية الرسمية القوية، أصبح أي شخص قادرا على تأسيس أكاديمية أو مركز تدريب أو معهد للتنمية البشرية يمنح شهادات في القيادة والتسويق وتنمية المهارات، وكأن المهارة يمكن صناعتها في يوم واحد وبخطاب منسق جيدا.
هذه الفوضى لا يمكن مواجهتها إلا بمشروع قوي يمتلك الشرعية والمؤسسية والاعتماد، ولا توجد جهة مؤهلة لهذا الدور أكثر من الجامعة، فعندما تنشأ كلية للتعليم المستمر، وتصبح مسؤولة عن التدريب، وتصدر شهادات معتمدة ذات أرقام تعريفية ومسارات موثقة ومحتوى يخضع للجودة الأكاديمية، فإن السوق الموازية ستتراجع تلقائيا، ليس عبر المنع، بل عبر قوة البديل، فالناس تبحث عن الاعتماد الحقيقي، والجامعة وحدها قادرة على أن تكون مصدرًا للثقة، شريطة أن تمتلك كيانا محترفا يقدم تدريبا على أعلى مستوى.
إن مراكز خدمة المجتمع في الجامعات المصرية تمثل ثروة حقيقية لكن غير مستغلة، تمتلك هذه المراكز الكوادر، والقاعات، والخبرة العلمية، والشراكات، والقدرة على تصميم برامج تدريبية متخصصة في كل مجالات المعرفة تقريبا؛ من العلوم الإنسانية والاجتماعية، إلى اللغات، إلى التكنولوجيا، إلى التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المؤسسات، والتعليم الإلكتروني، ومهارات المستقبل، ومع ذلك، لا تزال تعمل بشكل محدود، متواضع، أو داخل مساحات إجرائية لا تمنحها القدرة على الإبداع أو النمو، لأن الإطار الإداري الحالي مشتت وغير موحد.
إذا توحّدت تلك المراكز تحت كيان واحد فإن الجامعة ستتحول إلى مؤسسة تدريبية كبرى قادرة على قيادة المجتمع معرفيا، وستمتلك مصدرا مهما للعائد الاقتصادي الذي يعزز قدرتها على التطوير، ويمكنها من الاستثمار في البنية التكنولوجية والموارد البشرية، كما سيؤدي ذلك إلى رفع جودة التدريب، وتحويله من نشاط ثانوي إلى جناح مواز للتعليم الأكاديمي، بل ومكمل له، وستمتلك الجامعة عندئذ القدرة على إعداد خريجين أكثر جاهزية لسوق العمل، وتقديم خدمات تدريب للعاملين في المؤسسات الحكومية والخاصة، ما يجعلها جزءًا من منظومة التنمية الوطنية.
إن الدعوة التي يقدمها الدكتور مصطفى أبوالسعود العالم المتميز ليست مجرد طرح أكاديمي، بل رؤية إصلاحية يجب أن تأخذ طريقها إلى التنفيذ، فالفوضى في التدريب لن تتوقف من تلقاء نفسها، والشهادات المزيفة لن تختفي ما لم توجد مؤسسة قوية تقف أمامها، والمهارات لن تصبح جزءًا من الثقافة العامة إلا إذا تولت الجامعة مسؤولية بنائها داخل المجتمع.
إن مراكز خدمة المجتمع هي ثروة مهدرة، لكن استعادتها لا تتطلب سوى خطوة واحدة: توحيدها داخل كيان مؤسسي محترف يرفع سقف التدريب إلى مستوى يليق بالجامعة، ويغلق الأبواب الخلفية، ويعيد للمعرفة مكانتها، وللمجتمع ثقته، وللجامعة دورها الطبيعي بوصفها قائدة للفكر والتنمية والإصلاح.
الأكثر قراءة
-
قتلها وبكى، شاب ينهي حياة زوجته قبل الزفاف في سوهاج: "مش بحبها"
-
تفاصيل شقق تعاونيات البناء والإسكان، كراسة الشروط والأماكن
-
الصور الأولى من قراءة فاتحة نجل عمرو أديب ولميس الحديدي
-
موعد عرض مسلسل ورد وشوكولاتة الحلقة الأخيرة
-
القناة الناقلة لمباراة شبيبة القبائل ويانج أفريكانز في دوري أبطال أفريقيا
-
رمضان المسكين.. هل يجب أن نتعاطف مع متهم لأنه نجم؟!
-
29 نوفمبر تضامن سنوي.. وإبادة مستمرة!
-
من نزلة السمان إلى المريوطية، حرائق متلاحقة تهدد مواقع التصوير في الجيزة
مقالات ذات صلة
كتاب جامعي مجانا.. أسئلة واقعة النجدي وصمت جامعة أسيوط؟!
16 نوفمبر 2025 09:42 ص
الابتكار المؤسسي.. مصر ترسخ لاقتصاد معرفي جديد
07 نوفمبر 2025 09:02 م
الجهل طريق الاكتشاف.. أهمية الغباء في البحث العلمي؟!
04 نوفمبر 2025 11:45 ص
فوضى المجلات الأكاديمية الوهمية.. من يسرق شرف البحث العلمي؟
31 أكتوبر 2025 10:20 ص
أكثر الكلمات انتشاراً