الأحد، 30 نوفمبر 2025

01:09 ص

المسافة الخفية بين حاجات المرأة وطريقة فهم الرجل

ليست العلاقة بين الرجل والمرأة لغزًا معقدًا كما نتخيل، لكنها أشبه بخيط رفيع يمتد بين عالمين مختلفين، كل عالم له قوانينه وموسيقاه الخاصة. هذا الخيط لا ينقطع فجأة، بل يتآكل بصمت عندما تفشل الحاجات العاطفية في الوصول إلى الطرف الآخر بالوضوح الذي تستحقه. فالمرأة غالبًا تعبّر بالرهافة، والرجل يلتقط بالمنطق، وبين الرهافة والمنطق تضيع الرسائل الأولى التي تُبقي العلاقة حيّة.

تدخل المرأة العلاقة وهي تبحث عن الأمان العاطفي قبل أي شيء آخر. هذا الأمان ليس وعدًا بعدم الفراق، بل شعورًا بالاحتواء، أن يكون الرجل قادرًا على سماع ما لا يُقال، والتقاط التعب قبل أن يتحول إلى صمت دائم. تحتاج أن تكون مرئية في تفاصيلها الصغيرة: نبرة صوتها حين تتعب، نظرة عينيها حين تفيض، وشعورها الداخلي بأن أحدًا ما يقف معها من دون أن تضطر لكل هذا التفسير المرهق. إنها تريد الحضور، الحضور الحقيقي الذي يشعرها بأنها ليست وحدها في المعركة اليومية مع الحياة.

على الجانب الآخر، يفهم الرجل الحب بطريقة مختلفة. يرى في الأفعال برهانًا، وفي الإنجاز دليلًا على الاهتمام. يقدم الدعم العملي أكثر مما يقدم العناق، ويظن أن المرأة ستفهم من صمته أنه يحاول إصلاح ما يقلقها بطريقة ما. لا يتعمد التجاهل، لكنه لا يمتلك القاموس العاطفي الواسع الذي تستخدمه المرأة لتفسير اللحظات وتلوينها. لذلك يتحدث بلغة مختصرة، وينصت بمنطق مختصر، ويعتقد أن المشكلة سُتحل إذا وجد لها حلًا مباشرًا، حتى وإن كانت القضية في جذورها ليست مشكلة تبحث عن حلول بل شعورًا يبحث عن فهم.

تبدأ المسافة الخفية بين الحاجات والفهم حين تعتقد المرأة أن الرجل لا يريد أن يفهمها، بينما هو في الحقيقة لا يعرف كيف يفهمها. ويعتقد الرجل أن المرأة تُحمّل الأمور أكثر مما تستحق، بينما هي في الحقيقة تحاول حماية مساحة داخلية هشّة لا يجيد هو الوصول إليها. تتكرر هذه اللحظة كثيرًا: هي تتحدث بعمق، وهو يجيب باختصار. هي تبحث عن مشاركة وجدانية، وهو يبحث عن طريقة للتقليل من الألم. فيصير الحوار ممزوجًا بسوء ظن غير مقصود، وتبدأ العلاقة بالالتفاف حول نفسها بدلًا من أن تتقدّم.

الأمثلة اليومية على ذلك كثيرة. تقول المرأة بقلق: "تعبت". فيسمع الرجل الجملة كإعلان إرهاق، فيجيب بردٍ عملي: "خذي راحة" أو "نامي شوية". بينما المعنى الحقيقي كان: "أحتاج أن تشعر بي".

وحين تسأله المرأة عن يومه، تريد نافذة إلى عالمه الداخلي، بينما يجيب باختصار لأن التفاصيل لا تمثل له أهمية، فيظن أنها اكتفت، وهي تشعر بأنه يغلق الباب بوجهها. هي تمنح الكلام طاقة، وهو يمنحه وظيفة. وبين الطاقة والوظيفة تتسع الهوّة.

تتعمق هذه المسافة لأن المرأة تفسّر الإهمال العاطفي كبرود، والرجل يفسر المطالبة بالاهتمام كضغط. لا أحد منهما يدرك أن المشكلة ليست في الحب، بل في طريقة ترجمته. فالرجل مثلًا قد يعبر عن اهتمامه بالعمل لساعات طويلة ظنًا منه أن توفير الأمان المادي هو أقصى درجات الحب. بينما ترى المرأة أن غيابه الطويل مؤشر على فتور عاطفي. وهو يتوقع تقديرًا لجهده، بينما هي تتوقع استجابة لمشاعرها. هذا الاختلاف في التوقعات يصنع دائرة من الإحباط المتبادل، دائرة لا يشعر فيها أحدهما بأنه مفهوم بما يكفي.

يحدث أن تتراجع المرأة عن الكلام لأنها يئست من عدم الفهم، فيظن الرجل أنها بدأت تهدأ. ويبتعد الرجل قليلًا ليخفف التوتر، فترى المرأة ابتعاده كرسالة رفض خفية. تتغير لغة الجسد، وتتغير النبرة، ويتغير كل ما تبقى من مساحة مشتركة. ومع الوقت تظهر طبقة رقيقة من البرود، ليست قاسية لكنها مؤذية بما يكفي لتغيير اتجاه العلاقة بالكامل.

يستطيع الطرفان تقليص المسافة الخفية إذا امتلك كل منهما شجاعة الاعتراف بنقاط ضعفه. فالمرأة تستطيع أن تقول بوضوح ما تحتاج إليه بدلًا من توقع أن يفهم الرجل كل إشارة. والرجل يستطيع أن يتعلم الإصغاء إلى ما وراء الكلمات، أن يسأل بدلًا من أن يختصر، وأن يحتضن بدلًا من أن يحلل. ليست العلاقة امتحانًا في القدرة على قراءة الصمت، لكنها طريق يحتاج إلى شرح لطبيعة كل خطوة.

الحب الحقيقي لا يقوم على التوقعات الصامتة، بل على الصراحة الدافئة. المرأة تحتاج أحيانًا إلى كلمة مطمئنة أكثر من حاجتها إلى حل. والرجل يحتاج إلى فرصة ليتعلم أن الحوار ليس ساحة، بل مساحة. وكلما زادت مساحة الأمان بينهما، ضاقت المسافة الخفية التي تفصل حاجات المرأة عن طريقة فهم الرجل.

وفي النهاية، إنّ العلاقة ليست صراعًا بين طبيعتين مختلفتين، بل محاولة جادة للقاء في منتصف الطريق. منتصف الطريق هذا لا يفرض على أحد أن يغيّر جوهره، لكنه يطلب فقط أن يمد يده قليلًا، ويصغي أكثر، ويضبط إيقاعه ليتناسب مع خفقان الآخر.

search