السبت، 10 يناير 2026

03:06 ص

قراءة في زواج زوج الصديقة... بين الحق القانوني والسقوط الأخلاقي

السؤال لا يُطرح من باب الإثارة، بل لأن الواقع الإنساني صار يضعه أمامنا دون استئذان. هل يمكن لامرأة أن تتزوج زوج صديقتها؟
سؤال يبدو بسيطًا في تركيبه، لكنه شديد التعقيد في مضمونه، لأنه لا يتوقف عند عقد زواج أو نص قانوني أو فتوى، بل يتجاوز ذلك إلى مناطق أعمق، حيث النية، والضمير، والوفاء، وحدود لا تُكتب في القوانين لكنها تعيش في الوعي الإنساني.

القانون في كثير من المجتمعات لا يجرّم هذا الفعل، والشرع في حالات محددة لا يحرّمه صراحة.
لكن العلاقات الإنسانية لم تُبنَ يومًا على فكرة المسموح فقط.
فما بين الجائز أخلاقيًا والممكن قانونيًا مساحة واسعة، لا تُقاس بالنصوص، بل بقدرة الإنسان على تحمّل تبعات اختياراته.

القضية لا تبدأ لحظة الزواج، بل قبل ذلك بوقت طويل، في تلك المساحة الصامتة التي لا يراها أحد.
هناك تتكوّن الرغبة دون إعلان، وتنمو النية دون اعتراف، بينما تستمر الصداقة في صورتها الظاهرة.
امرأة تجلس إلى جوار صديقتها، تسمع شكواها، تعرف تفاصيل بيتها، تعرف مواطن ضعفها، وربما تحفظ أسرارًا لم يكن يفترض أن تتحول يومًا إلى جسر لعبور شخص آخر.

السؤال الأخلاقي الحقيقي لا يتعلق بالفعل النهائي، بل بالبداية الخفية.
متى بدأت الرغبة؟
وهل كانت الصداقة صادقة منذ لحظتها الأولى، أم أنها كانت تحمل في داخلها احتمالًا مؤجلًا ينتظر لحظة مناسبة؟

النية لا يُحاسب عليها القانون، لكنها لا تنجو من محاسبة الضمير.
إخفاء النية لا يجعلها أقل إشكالًا، بل أكثر تعقيدًا، لأن الصمت هنا ليس حيادًا، بل اختيارًا واعيًا بعدم المواجهة.
وحين تُخفى الرغبة خلف قناع الصداقة، يصبح الأمر أقرب إلى خيانة صامتة، لا تُعلن نفسها إلا متأخرة.

كثيرات يلتجئن إلى تبرير مريح:
“لم أفعل شيئًا، أنا فقط أشعر.”
لكن الشعور حين يُترك دون مراجعة، يتحول إلى نية، والنية تبحث عن غطاء أخلاقي، فتجده في جملة جاهزة:
“لا يوجد ما يمنع.”

هنا يكمن الخلل الأكبر.
فالخلط بين المباح والمستقيم هو ما يسمح بانزلاق ناعم، بلا ضجيج، لكنه شديد الأثر.
ليس كل ما هو مباح بالضرورة عادلًا، وليس كل ما يمكن فعله جديرًا بأن يُفعل.

بين النساء، توجد حدود غير مكتوبة، لكنها راسخة.
حدود لا تحتاج إلى قوانين أو تحريم صريح، لأنها تنبع من فكرة الأمان نفسها.
زوج الصديقة ليس مجرد رجل متاح، بل جزء من عالم كانت الصداقة نفسها شاهدة عليه.
هو مرتبط بذاكرة مشتركة، بكلمات قيلت، ودموع سالت، وأسرار حُفظت داخل دائرة يفترض أنها آمنة.

كسر هذه الحدود لا يدمّر علاقة واحدة فقط، بل يهز الثقة بين النساء عمومًا.
فحين تصبح الصداقة مساحة مفتوحة لكل الاحتمالات، تفقد معناها، ويتحول القرب إلى تهديد بدل أن يكون أمانًا.

ثم تأتي لحظة الصدمة، وهي أكثر اللحظات قسوة في هذه القصة.
صدمة الزوجة الأصلية.
ليس لأنها فقدت زوجًا فحسب، بل لأنها تكتشف أن الخذلان جاء من جهتين في وقت واحد.
من رجل كان شريك حياة، ومن امرأة كانت تسميها صديقة.

الصدمة هنا ليست في الزواج ذاته، بل في إعادة قراءة الماضي كله.
كل جلسة قديمة، كل كلمة دعم، كل نصيحة، تتحول إلى علامة استفهام.
الوجع لا يكون فقط في الفقد، بل في الإحساس بأن الأمان الذي عاشت فيه كان هشًا، وأن القرب الذي اطمأنت له كان يحمل نية لم تُكشف إلا بعد فوات الأوان.

الخيانة في هذه الحالة ليست فعلًا واحدًا، بل طبقات متراكمة.
خيانة الرجل للثقة، وخيانة الصديقة لفكرة الصداقة نفسها.
وهذا النوع من الخذلان يترك أثرًا طويل المدى، لأنه لا يوجع القلب فقط، بل يكسر القدرة على الثقة بالآخرين لاحقًا.

أما الصديقة التي اختارت الزواج، فغالبًا ما تكتشف أن قانونية الفعل لا تحميها من تبعاته.
كيف ستواجه باقي الصديقات؟
كيف ستجلس في الدوائر نفسها التي كانت جزءًا منها؟
وكيف ستدافع عن قرارها دون أن تبدو في موضع تبرير دائم؟

نظرات الآخرين لا تحتاج إلى اتهام مباشر.
والصمت الاجتماعي يكون أحيانًا أشد قسوة من الكلام.
حتى داخل العائلة، يظل الفعل حاضرًا، مهما حاول الجميع التعامل معه بوصفه أمرًا مشروعًا ومنتهيًا.

ثم هناك الأبناء، سواء أبناء الزوجة السابقة أو أبناء الزواج الجديد.
كيف ستُروى القصة لهم يومًا ما؟
كيف ستُشرح البداية دون ارتباك؟
وكيف سيُبنى شعور بالأمان فوق حكاية بدأت بكسر علاقة إنسانية أخرى؟

أما العلاقة نفسها، فلا تبدأ من فراغ.
تبدأ مثقلة بذاكرة سابقة، وبوعي دائم بأنها نشأت في منطقة ملتبسة.
الشك يجد طريقه بسهولة، لأن ما كسر حدًا مرة، يظل قابلًا لكسر حدود أخرى.
والطمأنينة التي تُبنى على أنقاض ثقة مهدورة تظل هشة مهما بدت مستقرة.

هل توجد حالات استثنائية؟
ربما.
الحياة أعقد من أن تُختصر في أحكام مطلقة.
قد تكون هناك مسافات زمنية طويلة، وقطيعة كاملة، ووعي ناضج لدى جميع الأطراف.
لكن تحويل الاستثناء إلى قاعدة هو الخطر الحقيقي، لأنه يشرعن الأذى تحت مسمى الواقعية.

القضية في جوهرها ليست عن زواج، بل عن ضمير.
عن القدرة على مواجهة النفس قبل مواجهة المجتمع.
عن السؤال الذي لا يطرحه القانون، لكنه يسكن داخل الإنسان:
هل ما أريده لي، أقبله لمن أحب؟

في النهاية، لا أحد يملك حق الإدانة المطلقة، لكن لا أحد معفى من المحاسبة الذاتية.
القانون يحدد ما هو مسموح، لكن الأخلاق تحدد من نكون.
وبين الحق القانوني والسقوط الأخلاقي، تقف منطقة لا تُدار بالنصوص، بل بالوعي، والوفاء، والرحمة الإنسانية.

ويبقى السؤال الأخير معلقًا، لا ليُجاب عنه سريعًا، بل ليُحمل بصدق ومسؤولية:
وهل كل علاقة تبدأ من الممكن… تستحق أن تستمر؟
وهل  كل مايمكن فعله ...يجب أن يفعل ؟

search