وسام نقابة الأشراف! | خارج حدود الأدب
طالعتُ بالأمس، كغيري من العامة، الأخبارَ والمنشوراتِ المتداولةَ لفنانةٍ مصريةٍ شهيرة، تنشرُ فيها شهادةً مبهجةً تُثبتُ من خلالها نسبَها إلى بيتِ رسولِ الله ﷺ، وبالتبعية حصل نجلاها على شهاداتٍ مماثلة، ولا شك أن هذا النسب شرفٌ كبيرٌ وفخرٌ لا يضاهيه فخرٌ لكل من قُدِّر له الاتصالُ بهذا الرحم الطاهر؛ فهنيئًا لها ولنجليها هذا النسبُ الشريف.
ولكن، بنظرةٍ سريعةٍ على تلك الشهادات وبطاقاتِ التعريف، لاحظتُ أن الجهةَ المُصدِرة هي نقابةٌ تُسمّى “نقابة الأشراف”، ووجدتُهم يمنحون كلَّ من يحصل على تلك الشهادة لقبَ “شريف”. هنا خالط مشاعري الأوليةَ تلك مزيجٌ من الشك والريبة، وهما بالقطع لا ينعكسان أو يمسّان شخصَ الفنانة أو ابنيها من أية جهةٍ قطعًا.
كيف تحكم نقابةٌ أو جهةٌ ما على شخصٍ أو طفلٍ أو سيدةٍ بالشرف؟ وهل النسبُ إلى بيتِ رسولِ الله يكفلُ بالتبعية هذا الشرفَ دون شك؟ ففي المعجم نجد أن الشريف هو الشخص النبيل، عالي المنزلة والمكانة، الرفيع الدرجة، وصاحب النسب والحسب، وتُستخدم لوصف العزّة والنزاهة والأخلاق الرفيعة؛ هنا لاحَ التساؤل: هل كلُّ من يصل نسبُه إلى الرسول الكريم يتصف بتلك الصفات لا محالة؟
وأولُ ما تبادر إلى ذهني في تلك اللحظة قصةُ نوحٍ عليه السلام مع ابنه، حين وصفها القرآنُ في آياته الكريمة في سورة هود: «وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)».
هنا يأتي التصريحُ القرآني الذي لا يقبل الشك: لا أنسابَ عند الله، والمقياسُ واحد: العملُ والإيمان، وبدونهما تصبح الأنسابُ هباءً. وكانت تلك قصةَ نوحٍ وابنه، ليست قصةَ نبيٍّ ومن بعده فردٍ من نسله بفاصلٍ يقدَّر بمئات الأجيال وعشرات القرون.
ولمزيدٍ من الإنصاف حدَّثتُ نفسي بلومٍ: لعلها ميزةٌ اختصّ بها اللهُ عز وجل خاتمَ أنبيائه وأهلَ بيتِه فقط، ولم يمنَّ بها على أحدٍ من خلقه سواه. هنا تذكرتُ الحديثَ الصحيحَ لرسولِ الله ﷺ الذي خاطب فيه أهلَ قريشٍ عامةً، وأهلَه خاصةً، بل اختص ابنته فاطمة رضي الله عنها على وجه الخصوص: «يا مَعْشَرَ قريشٍ! اشْتَرُوا أنفسَكم من الله، لا أُغْنِي عنكم من الله شيئًا. يا بني عبدِ مَنَافٍ! اشْتَرُوا أنفسَكم من الله، لا أُغْنِي عنكم من الله شيئًا. يا عباسُ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ! لا أُغْنِي عنكَ من الله شيئًا. يا صفيةُ عمّةَ رسولِ الله! لا أُغْنِي عنكِ من الله شيئًا. يا فاطمةُ بنتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي من مالي ما شِئْتِ، لا أُغْنِي عنكِ من الله شيئًا».
وهنا تتجلى السيرةُ النبوية بما لا يدع مجالًا للشك: ليس لبني آدم على الله أو الناس من فضلٍ بنسبه؛ إنما يشتري العبدُ نفسَه من الله بالإيمان والعمل الصالح. ولم تكن تلك هي المناسبةَ الوحيدة أو الحديثَ الأوحدَ الذي يشدد فيه رسولُ الله ﷺ على هذا الموضوع؛ فهناك حديثٌ صحيحٌ وهو جزءٌ من قصة المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ، ورفض النبيُّ الشفاعةَ فيها، مؤكدًا إقامةَ الحدود على الجميع بلا محاباة. ويؤكد الحديثُ مساواةَ الناس في أحكام الله، وأن “الشريف” والضعيف أمام الحد سواء، حينما اختتم هذا الحديث رسولُ الله ﷺ بقوله: «إنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ، وايْمُ اللهِ لو أنَّ فَاطِمَةَ بنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
هنا يؤكد رسولُ الله ﷺ أنه لا شرفَ في الإسلام مع معصيةِ الله والتجرؤ على نواهيه. ولعل من حق الجميع أن يتساءل: ماذا لو أقدم واحدٌ من هؤلاء الأشراف أصحابِ الشهادات النقابية على خطيئةٍ كبرى مثل الإلحاد مثلًا، هل سيظل شريفًا؟ وبالعكس، هل سيدنس بفعلته تلك الرحمَ الذي ينتسب إليه؟
بالتأكيد لا؛ فلا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى. وإن عاد أحدٌ من القائمين على تلك النقابة أو أصحابِ الشهادات إلى صحيح السنة وآيات القرآن الكريم، لا يجد في هذه الألقاب والمسميات إلا ما يخالفها، بالكبر والتفاخر بالأنساب والأرحام، وهو السلوكُ الذي عارضه وأنكره الإسلامُ منذ فجره؛ فكيف بمن يتبعون هديَ الرسول ويتصلون بدمه أن يفعلوا ما يخالف رسالته؟ ولعل القائمين على تلك النقابات لا يريدون العودةَ في الأساس لشيءٍ من هذا!
في النهاية، هنيئًا لمن يرى في تلك الشهادة وهذا النسب مسؤوليةً تُحتمل، ورسالةً تُؤدَّى، وسنةً تُتَّبع. أما من اتخذها زهوًا وهزوًا فلن ينال من الناس وربِّ الناس إلا ما يستحق بناءً على عمله. وأما بالنسبة للفنانة وابنيها: مبروك، ولا تأسفي إن وجدتِ جانبًا من هذا المقال ومن بعض التعليقات «خارج حدود الأدب».
الأكثر قراءة
-
موعد الإعلان عن زيادة المرتبات 2026.. هل تصل إلى 9 آلاف جنيه؟
-
بإجمالي 8 مليارات جنيه، موعد صرف المنحة الإضافية على بطاقات التموين
-
حقوق الإنسان.. وزارة سقطت سهوًا من التشكيل الجديد!
-
"فقدت ضهري وسندي"، ريم مصطفى تعلن وفاة والدتها
-
"الشعب يريد ميراث فايزة"، جولة تليجراف مصر تكشف فوضى أسعار الياميش قبل رمضان
-
افطر فورا في هذه الحالة.. "الصحة" توجه إرشادات لصيام آمن في رمضان
-
أسماء وسير المحافظين الجدد في الحركة الجديدة 2026.. تفاصيل كاملة
-
وسام نقابة الأشراف! | خارج حدود الأدب
مقالات ذات صلة
خدعوك فقالوا .. اتنين محترفين وربع
24 يناير 2026 04:56 م
مرايا الدخان؛ التي تزيغ الأبصار والبصائر! | خارج حدود الأدب
29 ديسمبر 2025 01:41 م
فوز مصري صعب؛ على نغمات الموتور الخربان| خارج حدود الأدب
26 ديسمبر 2025 10:51 م
الست ما بين قبول «الخلاعة» ورفض «اغضب» | خارج حدود الأدب
21 ديسمبر 2025 05:21 م
أكثر الكلمات انتشاراً