منتجات تجوب العالم.. "الفخار" العمود الفقري لاقتصاد قرية جريس بالمنوفية
صورة مع أحد صناع الفخار في قرية جريس بالمنوفية
تُعد قرية جريس التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، واحدة من أشهر القرى المصرية التي ارتبط اسمها بصناعة الفخار منذ مئات السنين، حتى أصبحت المهنة جزءًا أصيلًا من هوية القرية وسكانها.
فلا يكاد يخلو منزل في جريس من صانع فخار أو شخص يعمل في أحد مراحل هذه الحرفة القديمة، التي ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل.

وتتميز صناعة الفخار بأنها تعتمد بشكل أساسي على الطين والماء، حيث يتم تشكيلهما يدويًا لإنتاج أدوات منزلية متعددة الاستخدامات، إلى جانب قطع الزينة والأنتيكات والتحف الفنية التي تحمل طابعًا تراثيًا خاصًا، ورغم التطور التكنولوجي الكبير الذي شهدته مختلف الصناعات، ما زال أهالي جريس متمسكين بهذه المهنة باعتبارها مصدر رزقهم الأساسي وتراثهم الذي لا يمكن التفريط فيه.
تاريخ طويل يعود إلى عام 1815
يقول فؤاد، أحد أبناء القرية ويبلغ من العمر ٤٠ عامًا، لـ"تليجراف مصر" إنه يعمل في مهنة صناعة الفخار منذ طفولته وحتى اليوم دون انقطاع، مؤكدًا أن المهنة موجودة في القرية منذ مئات السنين، وأن التاريخ الرسمي لانتشارها يعود إلى عام 1815 ميلاديًا، إلا أن الحقيقة تشير إلى أن أعدادًا كبيرة من أهالي القرية كانوا يعملون بها قبل هذا التاريخ بسنوات طويلة.

وأضاف أن هذه الحرفة كانت ولا تزال العمود الفقري للحياة الاقتصادية داخل القرية، حيث اعتمدت عليها الأسر في تربية الأبناء والإنفاق على احتياجات الحياة المختلفة، مشيرًا إلى أن ارتباط أهل جريس بالفخار ليس مجرد عمل فقط، بل هو علاقة وجدانية وثقافية ممتدة عبر الزمن.
المهنة تواجه الاندثار ولكن الأهالي متمسكون بها
وأوضح فؤاد لـ"تليجراف مصر" أن صناعة الفخار بدأت تواجه تحديات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت مهددة بالاندثار شيئًا فشيئًا بسبب تغير أنماط الحياة الحديثة وظهور البدائل الصناعية، إلا أن أبناء القرية لا يفكرون في ترك المهنة مهما حدث، لأنها تمثل لهم تاريخًا شخصيًا وعائليًا لا يمكن الاستغناء عنه.

وأشار إلى أن هناك العديد من المواطنين ما زالوا يفضلون استخدام المنتجات الفخارية التقليدية مثل القلل والطواجن والزير، لما لها من جودة خاصة لا توفرها المنتجات الحديثة، وهو ما يساعد على استمرار الطلب عليها ولو بشكل أقل من الماضي.
فؤاد محمد .... الصنعة التي ربّت أجيال.
ومن داخل أحد ورش الفخار بالقرية، تحدث فؤاد لـ"تليجراف مصر"، أحد أمهر الصناع، مؤكدًا أنه ورث المهنة عن والده وجده، ويعمل بها منذ صغره، لافتًا إلى أن هذه الحرفة كانت السبب الرئيسي في تربية أسرته بالكامل، والتي تضم أكثر من 48 فردًا ما بين أشقاء وأبناء وأحفاد.

وأضاف أن الصنعة موجودة منذ آلاف السنين، وكانت دائمًا سند حقيقي في مواجهة أعباء الحياة، موضحًا أن الأبناء يتعلمون العمل فيها منذ نعومة أظافرهم، حتى يتمكنوا من اكتساب الخبرة، وبعدها يكون لكل منهم حرية اختيار مستقبله سواء بالاستمرار في المهنة أو الاتجاه إلى مجال آخر، دون أي إجبار.
تطور كبير في المنتجات والأشكال
وأشار فؤاد لـ"تليجراف مصر" إلى أن صناعة الفخار لم تعد تقتصر فقط على المنتجات التقليدية القديمة مثل القلة والزير والمنقد، بل شهدت تطورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة لمواكبة احتياجات السوق، حيث أصبح يتم تصنيع الطواجن والخزف والقلل بالصلصال والزمزمي، إلى جانب العديد من الأشكال الحديثة التي يقبل عليها المواطنون.

وأكد أن التطوير أصبح ضرورة مهمة لاستمرار المهنة ومنافسة المنتجات الأخرى، موضحًا أن الجودة والشكل الجمالي أصبحا عنصرين أساسيين في نجاح المنتج الفخاري، خاصة مع دخول المنافسة مع المنتجات الحديثة المصنوعة من خامات مختلفة.
التصدير للخارج وطلبات من دول متعددة
وأوضح فؤاد لـ"تليجراف مصر" أن منتجات قرية جريس لم تعد تقتصر على السوق المحلي فقط، بل وصلت إلى التصدير للخارج، حيث يتم استقبال طلبات من مستوردين في عدة دول للحصول على كميات كبيرة من المنتجات الفخارية بأشكال متنوعة.

وأضاف أن المستوردين يتفقون على الكميات المطلوبة ومواعيد التسليم، ويتم تنفيذ العمل وفق الجدول المحدد، مؤكدًا أن جميع مراحل التصنيع تسير بشكل منظم وعلى قدم وساق لتلبية هذه الطلبات، وهو ما يعكس جودة المنتج وثقة الأسواق الخارجية فيه.
تطوير مراحل الإنتاج والاعتماد على التكنولوجيا
وأشار إلى أن التطوير لم يقتصر على شكل المنتج فقط، بل شمل أيضًا مراحل الإنتاج، حيث تم تصنيع ماكينة خاصة تساعد على تدوير الطين في المرحلة الأولى من التصنيع.
كما تم تطوير مرحلة الحرق من خلال استخدام أفران الغاز الحديثة بدلًا من الطرق التقليدية، وهو ما ساعد على إنتاج قطع أكثر صلابة وجودة، ورفع كفاءة المنتج النهائي بشكل واضح، بما يضمن منافسته في الأسواق المحلية والدولية.
أسعار في متناول الجميع
وأكد فؤاد لـ"تليجراف مصر" أن أسعار المنتجات الفخارية ما زالت مناسبة وفي متناول الجميع، حيث يتراوح سعر القلة الجديدة بين 15 إلى 50 جنيهًا حسب الحجم، بينما يبدأ سعر الطاجن من 2.5 جنيه ويصل إلى 5 جنيهات، كما توجد القلل الصغيرة التي تبدأ من 5 جنيهات فقط.
وأشار أيضًا إلى تصنيع المبخرة الفخارية التي يصل سعرها إلى 20 جنيهًا للقطعة الواحدة، نظرًا لأنها تدخل الفرن مرتين أثناء التصنيع، بالإضافة إلى أشكال أخرى مثل القطاطير والقواديس الخاصة بأبراج الحمام، وغيرها من المنتجات المستخدمة في الحياة اليومية.
مطالب بدعم المعارض والتسويق
وفي ختام حديثه، ناشد فؤاد الجهات المعنية بضرورة توفير المزيد من المعارض المجانية التي تساعد على عرض المنتجات الفخارية والترويج لها، مؤكدًا أن المشاركة في المعارض المحلية والدولية تلعب دورًا كبيرًا في دعم المهنة وزيادة فرص البيع والتصدير.

حيث أن دعم الدولة لهذه الصناعة التراثية أمر ضروري للحفاظ عليها من الاندثار، خاصة أنها تمثل جزءًا مهمًا من التراث الشعبي المصري، وتوفر مصدر دخل ثابتًا لعشرات الأسر داخل قرية جريس، التي ما زالت حتى اليوم تُعرف بأنها قرية الفخار الأولى في محافظة المنوفية.
اقرأ أيضا:
فخار جريس.. علامة مسجلة في المنوفية تجوب العالم منذ مئات السنين
الأكثر قراءة
-
شهادات البنك الأهلي البلاتينية 2026.. تعرف على عائد الـ100 ألف جنيه
-
6 خطوات مهمة.. كيف تفرق بين عصير القصب المغشوش والطبيعي؟
-
"جريمة الـ50 قطعة".. الداخلية تحل لغز جثة أبو النمرس
-
بعد محاولته إنهاء حياته.. وفاة قاتل الدكتور لطفي مرعي في المنوفية
-
كأس العالم 2026.. أكبر مستفيد من المونديال لن يلعب أي مباراة
-
إزاي تستخرج بطاقة الرقم القومي إلكترونيًا 2026؟
-
من بلفاست إلى القاهرة.. كيف أثارت حوادث فردية الجدل حول الوجود السوداني بالخارج؟
-
سعر الدولار في مصر اليوم السبت 13 يونيو 2026.. تفاؤل بالجنيه
أخبار ذات صلة
تحول لحديث المونديال رغم عدم مشاركته.. من هو ينس كاستروب الألماني عاشق كوريا؟
12 يونيو 2026 11:01 ص
أمنيات على فراش الموت.. قصص إنسانية تبكي القلوب من داخل "هوسبيس مصر"
11 يونيو 2026 04:31 م
رفضته أبواب مطار ميامي.. كيف أصبح الحكم الصومالي أرتان حديث العالم؟
11 يونيو 2026 05:43 م
بعد التنازل عن 3.6 مليون جنيه.. عالم بالأوقاف يوضح حكم إسقاط الدين عن المتوفى؟
10 يونيو 2026 06:36 م
هل يصمد الحب بين طارق وإلهام أمام الصراع الثقافي والطبقي؟ استشارية توضح
10 يونيو 2026 06:28 م
لماذا حذفت نسمة الخطيب منشورها؟.. القصة الكاملة للجدل حول تقنين "الجنس التجاري"
10 يونيو 2026 03:19 م
بعد فوات الأوان.. موقف مفاجئ من “الديّانة” مع صاحب شركة أنهى حياته
10 يونيو 2026 02:19 م
فجوة الأرقام والواقع.. لماذا يرفض بعض نواب الشيوخ خطة التنمية لعام 2026-2027؟
09 يونيو 2026 11:13 م
أكثر الكلمات انتشاراً