الجزارة الموسمية.. كيف تحولت "مهنة بوحة" إلى "صفقة مربوحة" في موسم الغلاء؟
جزارين أثناء تقطيع اللحم في الجولة الميدانية
“جزززاااار نضيييييف… العيد فرحة”.. تلك الجمة التي رددها الفنان محمد سعد في فيلمه الشهير “بوحة” طالما سمعناها في شوارعنا، في نفس الوقت من كل عام، حيث ينتظر الأهالي في البيوت مرور الجزارين الموسميين، وهم يرددون عباراتهم الشهيرة، لذبح الأضاحي احتفالًا بعيد الأضحى المبارك.
تلك المهنة رغم بساطتها، إلا أنها تبرز كقوة اقتصادية تسهم في تنشيط الأسواق ومواجهة التضخم، فيما يعرف بـ"اقتصاديات المواسم"، وفي الوقت نفسه تعكس مدى تمسك بعض ممارسيها بتأديتها من باب الحب والمتعة.
“الجزارين الموسميين”
يقول عرفة حمادة أحد الجزارين، إنه مع قرب عيد الأضحى المبارك، يتم اختيار جزارين موسميين من المنطقة بناء على عدة شروط، بينها أن يكون طوعًا وينفذ ما يطلب منه، لافتًا إلى أنهم يتولون مهام السلخ والتنظيف والتقطيع، فيما يتفرغ الجزار لعمليات الذبح والتقطيع الاحترافي.
وأضاف عرفة لـ"تليجراف مصر"، أن العمل في الجزارة الموسمية يسهم في تحسين الدخل نوعًا ما وفي الوقت نفسه يحل مشكلة نقص الأيدي العاملة في ظل الازدحام والتكدس الذي يشهده الموسم الديني، متابعًا:"لا يوجد عدد معين للاستعانة به".

حسن.. يجمع بين القانون والجزارة
أجرت “تليجراف مصر” حوارًا مع حسن صابر (25 عامًا) يعمل محاميًا في أحد مكاتب المحاماة بعدما تخرج في كلية الحقوق جامعة القاهرة، حيث يلجأ لذلك العمل الموسمي لما له من تأثير على تحسين الحالة المادية نوعًا ما إلى جانب حبه له وتعلمه إياه من أقاربه.
وذكر حسن أنه ينزل إلى الموسم بعد الانتهاء من عمله في المحاماة، من يوم وقفة عرفات بعد الصلاة، وحتى رابع أيام عيد الأضحى، إذ يذهب إلى عمه في محافظة القليوبية الذي يعمل جزارًا كبيرًا، لافتًا إلى أنه تعلم المهنة من عمه ونجل عمه.

وأشار الشاب المحامي إلى أنه يعمل باليومية، على أن يتم تقسيمهم إلى فرق عدة، منهم من يسافر إلى القاهرة ومنهم من يبقى في البلد، موضحًا أن كل فريق مكون من ثلاثة أشخاص: "لما حد بيكون متحمس للشغل وإيده حلوة ممكن يذبح من 7 إلى 8 رؤوس ماشية".
ذبح الأضاحي “متعة”
فيما يخص الماديات، لفت المحامي إلى أن المبلغ الذي يتم تحصيله من ذلك العمل الموسمي جيد ويسند في مستوى المعيشة بعض الشيء، وغير ذلك فهو يأخذ تلك المهنة كمتعة في المقام الأول رغم تعبه.
أما حمزة البالغ من العمر 13 عامًا، فقد ذكر لـ"تليجراف مصر"، أنه يعمل في تلك المهنة الموسمية، حيث يقوم بأعمال عدة من بينها توضيب المحل والغرف، إلى جانب الإمساك بالسكين وتشفية سُرر المواشي، لافتًا إلى أنه تعلم تلك المهنة من أحد جيرانه.

كيف تسهم الجزارة الموسمية في التكيف مع موجات التضخم؟
من جانبها، أفادت الباحثة في الدراسات السياسية والاقتصادية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، الدكتورة ياسمين نبيل عثمان، أن المواطن البسيط الذي يمتلك مهارة عملية مثل الذبح ويقرر استثمارها في موسم عيد الأضحى، إنما يجسد صورة واضحة من صور الذكاء الاقتصادي الذاتي.
وأضافت عثمان لـ"تليجراف مصر"، أن هذا السلوك يعكس قدرة الفرد على التكيّف مع موجات التضخم عبر تحويل مهارة شخصية إلى مصدر دخل إضافي، في وقت تتراجع القوة الشرائية وتزداد الضغوط المعيشية.

الاقتصاد غير الرسمي.. حل غير تقليدي لمواجهة الأزمات
وتابعت الباحثة، أن استغلال الفرص الموسمية يُظهر مرونة في سوق العمل، ويُبرز كيف يمكن للإنسان أن يعيد توظيف إمكاناته بما يتناسب مع الطلب الاجتماعي، وهو ما يدخل ضمن نطاق الاقتصاد غير الرسمي الذي يبرهن على ابتكار الأفراد لحلول خارج الأطر التقليدية لمواجهة الأزمات.
وأشارت الباحثة إلى أنه من زاوية اجتماعية، فإن هذا السلوك يعكس ثقافة الاعتماد على الذات ويؤكد أن المواطن ليس متلقيًا سلبيًا للظروف الاقتصادية، بل فاعلًا قادرًا على ابتكار حلول عملية تعيد توزيع المنافع داخل المجتمع.
ولفتت عثمان إلى أن هذه المرونة العملية تمثل نموذجًا مصغرًا لما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ”الابتكار الاجتماعي في مواجهة الضغوط”، وهو ذكاء اقتصادي عملي يجمع بين المرونة، استغلال الفرص، والتكيّف مع الأزمات.
كيف يتم ضخ سيولة الجزارة الموسمية؟
فيما يخص كيفية ضخ السيولة التي تم ربحها من العمل في الجزارة الموسمية، شرحت الباحثة أنه يتم من خلال عدة طرق كالآتي:
- الطلب الموسمي المكثف: ارتفاع الطلب على الأضاحي وخدمات الذبح يولّد تدفقات مالية كبيرة خلال أيام محدودة، مما يزيد حجم النقد المتداول.
- الدخل الإضافي السريع: العاملون في هذه الأنشطة يحصلون على دخل نقدي مباشر، فينفقونه سريعًا على احتياجاتهم اليومية، وهو ما يعزز الاستهلاك.
- التداول النقدي المباشر: معظم المعاملات تتم خارج النظام البنكي، مما يرفع سرعة دوران النقود في الأسواق الشعبية.
أين تظهر آثار الانتعاشة بعد الموسم؟
وأكملت الباحثة حديثها قائلة إن آثار الانتعاشة تظهر بعد الموسم في عدة قطاعات، على النحو التالي:
- قطاع التجزئة: زيادة الإنفاق على الملابس، الأجهزة، والسلع الاستهلاكية نتيجة دخول سيولة إضافية إلى جيوب العاملين.
- الخدمات: المطاعم، والمواصلات، والأنشطة الترفيهية تشهد ارتفاعًا في الطلب بسبب تحسن القدرة الشرائية المؤقتة.
- الاقتصاد غير الرسمي: الأموال تُعاد تدويرها في الأسواق الشعبية والبقالة، مما يخلق دورة اقتصادية قصيرة المدى.
- القطاع المالي: جزء من هذه السيولة يُستخدم في سداد ديون قصيرة الأجل أو يدخل لاحقًا في الحسابات البنكية، ما يعزز الاستقرار المالي للأسر.
الذكاء الاقتصادي الفردي له أثر كلي على الاقتصاد الوطني
وذكرت عثمان أن انتعاشة العيد ليست مجرد ظاهرة مؤقتة، بل هي مثال على التدفقات النقدية الموسمية التي تُعيد تنشيط السوق وتخلق موجة إنفاق تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة، مما يبرهن على أن الذكاء الاقتصادي الفردي يمكن أن يتحول إلى أثر كلي على الاقتصاد الوطني.
أهمية دور الجزار الموسمي في عيد الأضحى
ولفتت إلى أن العيد بما يحمله من طابع شعائري واجتماعي يخلق ضغطًا هائلًا على سوق اللحوم والجزارة في أيام معدودة، حيث يتضاعف الطلب بشكل غير مسبوق مقارنة ببقية العام، ما يضع السوق أمام تحدٍّ واضح يتمثل في فجوة العرض من حيث عدد الجزارين المحترفين القادرين على تلبية هذا الطلب المكثف.
وفي هذا السياق يظهر دور الجزار الموسمي كحل عملي وواقعي لسد هذه الفجوة، إذ يساهم في امتصاص الضغط المفاجئ على السوق ويحول دون حدوث تكدس أو تعطّل في حركة الذبح والتوزيع، حسبما أفادت عثمان.
وبحسب عثمان فإن وجود الجزار الموسمي يعكس من زاوية اقتصادية قدرة المجتمع على إنتاج آليات ذاتية للتكيّف مع الطلب الموسمي، فهو يضيف قوة عمل إضافية في فترة زمنية محدودة، مما يضمن استمرار تدفق الخدمة دون انقطاع، ويحول دون ارتفاع تكاليفها بشكل مبالغ فيه نتيجة ندرة العرض.

كما أن هذه المرونة العملية تساهم في ضخ سيولة نقدية سريعة داخل السوق، حيث يحصل الجزار الموسمي على دخل مباشر يُعاد تدويره في قطاعات أخرى مثل التجزئة والخدمات، وهو ما يخلق موجة إنفاق قصيرة المدى تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الموسم، وفقًا لعثمان.
حلول عملية لمواجهة اختناقات السوق
ومن منظور علمي، أفادت الباحثة أنه يمكن اعتبار هذه الظاهرة نموذجًا على الاقتصاد غير الرسمي الذي يبرهن على قدرة الأفراد على ابتكار حلول عملية لمواجهة اختناقات السوق، ويُظهر أن المجتمع يمتلك آليات ذاتية للتوازن بين العرض والطلب في لحظات الذروة.
واختتمت الباحثة: "هكذا يصبح الجزار الموسمي ليس مجرد فاعل فردي، بل عنصرًا في منظومة اقتصادية أوسع، تضمن انسياب الخدمة، وتمنع التكدس، وتعيد توزيع السيولة بما يعزز النشاط الاقتصادي الكلي حتى بعد انتهاء العيد.
اقرأ أيضًا:
بين الامتحانات وتشفية العجول.. مهرة تقتحم عالم الجزارة: هتجوز الشغلانة
كيفية توزيع الأضحية.. الإفتاء تحذر من مقايضة الجزار باللحم وتكشف مصير "الرأس والأحشاء"
الأكثر قراءة
-
تأشيرة شنجن 2026.. أسهل دولة للحصول على الفيزا تفتح أبوابها أمام المصريين
-
مرتبات تصل لـ86 ألف جنيه.. وظائف في السفارتين اليابانية والبريطانية
-
صورة لمحمد صلاح مع فتاة تركية تحصد ملايين المشاهدات.. من هي إيشان أكسوي؟
-
أبرزهم ميسي.. 10 نجوم لن تتم دعوتهم لحفل زفاف رونالدو وجورجينا
-
أسعار الذهب في مصر اليوم السبت.. عيار 21 يقفز 130 جنيهًا
-
الزمالك يواجه 7 أزمات.. لا سيطرة وموسم يهدد القلعة البيضاء وقرار مثير
-
فرصة ذهبية للاستثمار.. أودع 100 ألف جنيه واحصل على 34 ألفا تاني يوم
-
شقة 90 مترًا بـ1500 جنيه.. أماكن طرح وشروط حجز وحدات الإيجار التملكي
أخبار ذات صلة
الأرملة السوداء تجتاح روسيا.. كيف تخدع النساء الجنود للزواج من أجل المال؟
08 أغسطس 2026 01:27 م
هدية محمد صلاح تفتح ملف المناخ.. هل تصبح طرابزون ملاذ المشاهير في زمن الاحتباس الحراري؟
07 أغسطس 2026 07:18 م
نسيها العالم حتى وصل الملك المصري.. طرابزون مدينة عثمانية تستعيد الأضواء بفضل صلاح
07 أغسطس 2026 09:10 م
من "مهند ونور" إلى محمد صلاح.. هل تغير بطل تركيا؟
07 أغسطس 2026 08:07 م
مدينة تبحث عن نجم.. كيف باع صلاح وميسي ورونالدو مدنًا للعالم قبل بيع القمصان؟
07 أغسطس 2026 07:27 م
"عاوز أكمل في الاحتراف".. نجم نانت الفرنسي يرفض الانتقال للأهلي
07 أغسطس 2026 04:42 م
"ترفيه إباحي".. وثائق خطيرة تكشف شراء "خدمات جنسية" للحكام في كوريا الجنوبية
07 أغسطس 2026 12:55 م
خدعت الملايين.. مفاجأة صادمة بشأن المذيعة التركية التي ظهرت مع صلاح
07 أغسطس 2026 12:02 م
أكثر الكلمات انتشاراً