الثلاثاء، 09 يونيو 2026

10:08 م

هل ندفع ثمن إلغاء وزارة الإعلام؟

لا تستقيم الدول ولا يتحقق استقرارها إلا بامتلاكها لسياسة إعلامية واضحة تخدم أهدافها وتخاطب شعوبها من خلالها.. تُعلمهم وتطمئنهم وتحذرهم وهو ما يظهر أثره قوياً في أوقات الأزمات والتي تحتاج فيها الدولة لتوجيه الشعب وتمرير الرسائل الهامة ليبقى صفاً واحداً في الحفاظ على الدولة ومقدراتها واستقرارها وهو ما يلزم تنفيذه وجود وزارة متخصصة لهذا الأمر تديره باحترافية ومهنية وتحقق الأهداف المطلوبة وعلى رأسها الحفاظ على وعي جماهير الشعب.

الفجوة الناتجة عن إلغاء وزارة الإعلام بين الدولة واستقرارها وبين الجماهير الشعبية فجوة كبيرة تسلل من خلالها كل الخبث والخبائث التي صنعت حالة من الفوضى أصبح من الصعب السيطرة عليها في غياب الذراع المتخصصة في إدارة هذا الملف وهو ما نتج عنه تغييب الوعي وتفعيل وضع الطيران للعقول وأصبح كل من هب ودب يطلق فتواه في الأمور المثارة والأزمات وقضايا الرأي العام وأيضاً ما يمس الأمن القومي بتأكيد أن الآراء والتحليلات التي يسوقها هي الصحيحة وأنه يمتلك الحقيقة فتزيد حالة الفوضى ليغرق المجتمع فيها دون منقذ وتعاني الدولة وتستغيث المؤسسات وتناشد ولكن في ظل الصوت العالي للفوضى لم يعد يسمعهم أحد من "صوت الدي جي"!

لماذا الإصرار على إلغاء وزارة الإعلام وتغييبها عن المشهد؟

الحقيقة أن الأمر مستفز ومثير للتساؤل فلا وجود لسياسة إعلامية من الأساس .. خطة ومنهج يحتاج لوزارة تنفذه وتم استبدال ذلك بـ "ملف الإعلام" يكتفي برؤية للمدى القريب دون أية سياسة تدير المشهد بالمعنى الإداري المفهوم ورؤية بعيدة المدى تناسب التغيرات السريعة والخطيرة التي نمر بها وضرورة حماية وعي المواطن وهو ما خلق ثغرات عديدة تسرب من خلالها إلى الجسد العام ما ينخر فيه منذ سنوات وظهرت نتائجه في الأزمات القريبة نتيجة لغياب الدور الإعلامي بشكل تام وترك الساحة للآراء المضللة والخبيثة التي يروجها الجهلاء ويقودهم حفنة من "الصيع" الذين يكتفون بأجهزتهم المحمولة وينشرون من خلالها كل ما هو ضد العقل والمنطق وضد الأمن المجتمعي والأمن القومي ويساعدهم كتائب اللجان الإلكترونية الموجهة لتدمير استقرار الدولة والضغط المستمر عليها وتصدير الأزمات بعدما تركت لهم جماهير الشعب فريسة يعبثون بعقولهم ويمررون لهم ما يشاءون ويقنعوهم به ليستقر في عقولهم التي تغيب كل الكذب ورفضهم لتصديق الحقيقة!

للأسف ظهر ذلك بشكل واضح في كل الأزمات القريبة حتى الآن منذ أزمة "كورونا" مروراً بما يحدث في فلسطين وأزمات الطاقة و"بنت مبارك" وصولاً لدجل "ضياء العوضي" وأزمة كلاب الشوارع ليتحول الشعب إلى فرق متناحرة في غياب تام للحماية الإعلامية عن المشهد ليعلو صوت الزيف والتضليل والدفاع المستميت عنه من أصحابه والذي وصل إلى حد الإجرام .. ليس فقط على مواقع التواصل الاجتماعي .. ولكن على الشاشات أيضاً حتى نرى ونسمع مَن تناظر ضيفًا متخصصًا وهي بدون أي تخصص وتسبه وتقذفه "وتردح"على الهواء ثم تنهدت وقالت "جاك ملة على جنابك" ليقف العبث صامتاً مندهشاً!

غياب السياسة الإعلامية وإدارتها سمح لعودة تسلل مصطلح "النشطاء" وخروجهم عبر وسائل الإعلام على الجمهور بعفن 2011 لتستعيد الذاكرة جرائم المتنطعين حاملي صفة هلامية ليس لها أي تكييف قانوني أو رسمي ولكنها تطلق على كل من ليس له مهنة أو صفة حتى أنها تطورت من ناشط حقوقي لحقوق الإنسان إلى "ناشط حيواني" ثم تطل أخرى تطالب بمنح تراخيص للدعارة وتوفير تأمين اجتماعي وصحي لممارساتها وهو ما لم يكن ليسمح بخروجه للنور في وجود سياسة إعلامية تدير المشهد تعي المخاطر وما يحاك من خلف الستار وفي الكواليس وتخطط للتعامل معه!

غياب السياسة الإعلامية وإدارتها ترك "عواجيز الإعلام" الذين شاركوا في مهازل 2011 وتخريب البلاد حتى 2013 وبعضهم استمر بعد ثورة يونيو على نهجه مازالوا يتبادلون الكراسي الإعلامية بين المحطات الكبرى برغم فقدانهم للمصداقية كاملة لدى المواطن إلا أنهم مازالوا مفروضون عليه ولم يتم تجهيز كوادر جديدة تقود المراحل الجديدة بمصداقية تستطيع من خلالها تسويق وتحقيق أهداف الدولة واستقرارها خاصة في الأزمات ويتفاعل معها الجمهور ويسمع منها إلا أن ما يحدث من كارثة إعلامية هي عزوف الجمهور عن أي رأي لهؤلاء الإعلاميين حتى وإن كان صحيحاً ومهماً .. والكارثة الأكبر في تطور قطاع كبير من الجمهور بأخذ المسار العكسي لأي رأي يطرحه هؤلاء حتى وإن كان فيه إنقاذاً من أزمة!

غياب السياسة الإعلامية ألغى وزارة الإعلام وفككها لمجلس أعلى لتنظيم الإعلام والجواب من عنوانه أنه كيان إداري للتنظيم فقط وهو يحاول ضبط المشهد في حدود قدراته ..

ولجنة تأسيسية للإعلام واسم الدلع "نقابة الإعلاميين" تمنح تصاريح "مزاولة المهنة" واسم الدلع "كارنيه نقابة" بمقابل مادي مع صورة تذكارية مع رئيس اللجنة واسم الدلع "نقيب الإعلاميين" .. فمع كامل الاحترام لشخصه ولكن أزمة المنصب وكيانه أمر مختلف فمن غير المعقول ندعي أنها نقابة للإعلاميين ويخرج المسئول عنها في لقاء إعلامي يصرح أنه قانونها لا يسمح له بتقييد من يحملوا المؤهلات الإعلامية في النقابة مثل أي نقابة أخرى وهو ما يلزم حل من اثنين لا ثالث لهما .. إما تقنين أوضاع هذه اللجنة وتكييفها قانوناً نقابة حقيقية طبقاً لقانون النقابات المهنية .. أو إلغائها تماماً بعدما تسبب إدارتها في جعل الشاشة مرتعاً لبيع الوقت بالشاشات لمن يدفع دون النظر لأهليته للظهور على الشاشة المهم أن يتم تحصيل رسوم تصريح المزاولة .. ويترك الجمهور للـ "مزاولة"!

وبالمناسبة .. إحدى الشركات التي تنفذ بيع وشراء الوقت لإحدى الشاشات كانت مسئولة عن إنتاج برنامج "طيبات العوضي" والترويج له واستمرت في استغلال الأزمة بالترويج له ودعم زوجته فيما قدمته من هراء تسويقياً على مواقع التواصل وإدارة الحملة الإلكترونية كاملة في غياب تام عن أي مسئولية إعلامية رسمية لوقف هذه المهزلة التي تسببت في تعرض حالات كثيرة لمخاطر صحية ووفاة حالات أخرى!

لنا أن نتخيل أن هذا الوضع دفع قطاع غير قليل على مواقع التواصل لطرح اقتراح بعودة وزير الإعلام الأسبق "أنس الفقي" على رأس وزارة للإعلام مدعمين اقتراحهم بأنه يملك خبرات طويلة وأنه "أدراجي" متميز في تنفيذ السياسة الإعلامية .. الرجل الذي ثاروا عليه وعلى حكم كامل كان أحد رجاله وكالوا له الاتهامات والإهانات .. جاءوا اليوم بطلب العودة!

إنه اليأس الذي جعلهم يفتشون في الدفاتر القديمة يبحثون عن رجال دولة ولكن .. سواء الرجل أو غيره ماذا سيفعل دون وجود سياسة إعلامية؟!

الحقيقة أننا في حاجة ماسة سريعة لوجود وزارة للإعلام تدير المشهد الإعلامي باحترافية بسياسة إعلامية مرسومة تواكب المخاطر التي نعيشها وتحيط بنا وتعي بها وتضبط هذا المشهد العبثي الفوضوي بقوة صارمة وتقديم وجوه جديدة لها مصداقية تخاطب الجمهور وتجمعه حولها وإلا ستكون العواقب وخيمة في وقت لن ينفع فيه الندم ولا نتمنى أن نعيشه.

هل ندفع ثمن إلغاء وزارة الإعلام؟

نعم .. يحدث الآن .. ومستقبلاً سيكون الثمن غالياً لن نقدر على تبعاته .. فهل يعي من يعي؟!

رابط مختصر

تابعونا على

search