السبت، 13 يونيو 2026

05:55 ص

أبوان جاحدان.. وطفل باعه الجميع!

في العادة، حين تنتهي الحياة الزوجية بالطلاق، تبدأ معركة جديدة حول الأبناء، وتتحول العشرة إلى جحود ونكران وفضائح!
أب يتمسك بحقه في الحضانة، وأم تخشى فقدان أطفالها، ومحاكم تمتلئ بقضايا الرؤية والنفقة والاستضافة، وفي أكثر حالات الطلاق قسوة يبقى الطفل هو الجائزة التي يتصارع عليها الطرفان.
لكن الصورة التي هزّت المصريين خلال الأيام الماضية كانت صادمة لأنها قلبت المشهد رأساً على عقب، فهذه المرة لم يكن هناك أب وأم يتنافسان على ابنهما، بل كان هناك طفل يتوسل من يقبله.. يا للعار!

طفل يقف أمام باب مغلق، بعد أن ضاقت به الدنيا، بين أم تزوجت من جديد وأب لم يفتح له الباب، بينما وقف المجتمع كله يتابع المشهد مذهولاً وهو يسأل نفسه: كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف تحولت الأمومة والأبوة من غريزة فطرية تدفع الإنسان للتضحية بكل شيء من أجل أبنائه إلى عبء يحاول البعض التخلص منه؟
الأكثر إيلاماً في القصة أن الفتى البريء لم يفقد بيتاً فقط، بل فقد الشعور بأن هناك من يتمسك به، وأنه مرغوب فيه، لذنب لم يرتكبه ومبررات لا يمكن أن يستوعبها عقله الصغير أو ضمائرنا نحن المتفرجين!

الطفل يحتاج إلى من يقول له "مكانك هنا" في قلوبنا قبل منازلنا، لا أن يشعر بأنه ينتقل من طرف إلى آخر كأن الجميع يبحث عن وسيلة لإبعاد المسؤولية عن نفسه، كأنه مرض معد!

هذه ليست أزمة أسرة واحدة، وإنما جرس إنذار، لأن المجتمع الذي يشعر فيه الأطفال أنهم غير مرغوب فيهم، هو مجتمع يزرع جروحاً نفسية قد تستمر لعقود، وسوف يجنيها أشواكاً!

فمشهد الطفل وهو يقف إلى جوار خاله متوسلاً لوالده بقبول ابنه، فيما يرفض الأخير بكل جحود وإنكار.. مشهد لا يمكن أن يمحى من ذاكرة هذا الطفل وسيتحوّل في المستقبل إلى ضغينة وحقد ورغبة في الانتقام، ليس من والديه فقط لكن من مجتمع اكتفى بالمشاهدة والتأثر!

وأمام هذا المشهد الإنساني المؤلم، يظل هناك سؤال مهم أين الدولة من ذلك؟

ليس المقصود هنا اللوم أو الاتهام، بل التساؤل المشروع عن آليات الحماية الاجتماعية للأطفال الذين يجدون أنفسهم فجأة خارج دائرة الرعاية الأسرية.

فحين يعجز الأبوان عن القيام بدورهما، يصبح الطفل مسؤولية مجتمع كامل، وتصبح مؤسسات الحماية والرعاية مطالبة بالتدخل السريع، ليس فقط لتوفير مأوى أو حل قانوني، بل لإنقاذ طفل من شعور قاسٍ بالنبذ والرفض.

الدول الحديثة لا تقاس فقط بحجم الطرق والجسور والمباني، بل بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها، ولا يوجد أضعف من طفل يقف أمام باب مغلق!

المؤلم في هذه الواقعة ليس فقط أن طفلاً رمي في الشارع، لكن المؤلم أن ملايين الناس تعاطفوا معه خلال ساعات، بينما عجز أقرب شخصين إليه عن ذلك. ولهذا لن يتذكر الناس اسم الأب أو الأم بعد سنوات، لكنهم سيتذكرون جيداً صورة طفل صغير كان يبحث عن حضن.. فلم يجد سوى باب مغلق.

search