الخميس، 16 يوليو 2026

02:55 م

الساحرة المستديرة.. أم الشريرة؟!

أوشك كأس العالم على إسدال الستار على رحلة طويلة، لم تكن مجرد بطولة رياضية، بل كانت رحلة إنسانية ونفسية وسياسية وثقافية، كشفت لنا الكثير مما يدور داخل الملاعب وخارجها.

اختلف الناس بين مؤيد ومعارض، بين عاشق لكرة القدم ومن يرى أنها مجرد لعبة لا تستحق كل هذا الاهتمام. لكن الحقيقة أن كرة القدم لم تعد مجرد رياضة منذ زمن بعيد، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة في العالم، تؤثر في السياسة والاقتصاد والإعلام، بل وفي الحالة النفسية للشعوب.

وخلال هذه الرحلة، اكتشفنا أن ليس كل ما يبدو حقيقة هو الحقيقة كاملة، وأن النجاح لا يُقاس بالموهبة وحدها، ولا بالأسماء الكبيرة فقط، بل هو منظومة متكاملة من الإيمان، والانضباط، والعمل الجماعي، والصبر، والذكاء، والعدالة.

ومن أهم الدروس التي علمنا إياها كأس العالم، قوة المناعة النفسية. فكم من فريق تأخر في النتيجة، لكنه رفض الاستسلام، وكم من لاعب تعرّض لضغوط هائلة من الإعلام والجماهير والسياسة، ثم استطاع أن يحافظ على ثباته الانفعالي حتى اللحظة الأخيرة.

وتعلمنا أن الإرادة أقوى من الخوف، وأن المستحيل قد يصبح ممكنًا عندما يؤمن الإنسان بنفسه، ويواصل العمل حتى آخر ثانية.

كما تعلمنا أن العمل الجماعي ليس شعارًا، بل هو سر النجاح الحقيقي. ففي الفرق العظيمة، يذوب اللاعب داخل فريقه، ولا يبحث عن مجده الشخصي بقدر ما يبحث عن نجاح المجموعة. وهناك أيضًا درس آخر لا يقل أهمية، وهو الثقة المتبادلة بين اللاعبين ومدربهم، والاحترام الكامل للقرارات، حتى إن بدت صعبة أو غير مفهومة في لحظتها.

ولم تغب القيم الروحية عن المشهد. فقد رأينا لاعبين يرفعون أيديهم بالدعاء، ويسجدون شكرًا لله بعد الفوز، ويتقبلون الهزيمة برضا وإيمان. وكأن البطولة كانت تذكرنا بأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بالشكر، وأن الهزيمة قد تكون بداية لانتصار أكبر إذا أحسن الإنسان التعلم منها.

ومن أجمل ما رأيناه أيضًا، أن حب الوطن لا يزال فطرة. اختلفت الجنسيات، والثقافات، واللغات، لكن الجميع التف حول علم بلاده. ورأينا دموع الأطفال، وفرحة الجماهير، وكأن الوطن يسكن القلوب قبل أن يُرفع على المدرجات.
كما أعادت البطولة تعريف الروح الرياضية؛ فالفوز لا يبرر الغرور، والخسارة لا تعني النهاية. واحترام المنافس، ومراعاة مشاعر الفريق المهزوم، والاحتفال باعتدال... كلها قيم لا تقل أهمية عن تسجيل الأهداف.
ولعل من أهم الرسائل التي خرجنا بها أيضًا أن التحدي هو طريق النجاح. فكم من لاعب كسر كل التوقعات، وكم من نجم رفض أن يستسلم لعمره، ليؤكد أن العمر قد يكون رقمًا، لكن الإرادة هي التي تحدد قدرة الإنسان على العطاء.
كما أثبتت البطولة أن المباريات لا تُدار باللياقة والمهارة فقط، بل تُحسم أولًا داخل العقول. فالذكاء، وسرعة اتخاذ القرار، وقراءة المنافس، كانت في كثير من الأحيان أقوى من السرعة والقوة البدنية.
ورغم المتعة، لم تخلُ البطولة من لحظات أثارت الجدل، وأعادت التأكيد على أن العدالة تظل أساس أي منافسة شريفة. فعدالة الحكم، والقدرة على تطبيق القانون دون خوف أو تحيز، ليست قيمة رياضية فقط، بل قيمة إنسانية يحتاجها كل مجتمع.
ويبقى الدرس الأكبر أن هذه الطاقات، وهذا الإصرار، وهذه الروح، لا يجب أن تظل حبيسة الملاعب. فالأوطان لا تنهض بالرياضة وحدها، ولا بالفن وحده، بل تنهض بالعلم، والطب، والصناعة، والزراعة، والاستثمار، والتعليم، والإعلام، إلى جانب الرياضة، لأن نهضة الأمم مشروع متكامل.
وهكذا، لم يكن كأس العالم مجرد بطولة، بل مدرسة تعلمنا منها الصبر، والإيمان، والعمل، والانتماء، والشجاعة، واحترام الآخر.
ويبقى أملنا أن تظل كرة القدم قوة توحد الشعوب، لا سببًا لفرقتها، وأن تظل لغة يفهمها العالم كله، مهما اختلفت لغاته وثقافاته.
فلتبقَ دائمًا...
الساحرة المستديرة... لا الساحرة الشريرة.
وعجبي...

title

مقالات ذات صلة

في الجون!

18 يونيو 2026 12:15 م

6 /6/ 2026 !!

07 يونيو 2026 09:33 ص

search