السبت، 26 سبتمبر 2026

11:59 م

السبت، 26 سبتمبر 2026

11:59 م

رغم توافق الطب والدين والقانون.. لماذا لا تستفيد مصر من أعضاء المتوفين؟

نقل الاعضاء تعبيرية

نقل الاعضاء تعبيرية

رغم مرور أكثر من 15 عامًا على صدور قانون تنظيم زراعة الأعضاء البشرية، لا تزال منظومة التبرع بالأعضاء من المتوفين حديثًا تواجه عقبات تحول دون تشغيلها بصورة فعلية في مصر، في وقت تقتصر فيه عمليات الزراعة القائمة بصورة أساسية على التبرع من الأحياء، خاصة في زراعة الكلى والكبد. 

وبينما تؤكد الجهات المعنية اتخاذ خطوات لإعادة تنظيم المنظومة وميكنتها والتوسع في المراكز المرخصة، يطرح نواب ومتخصصون تساؤلات حول أسباب استمرار التعطل، في ظل حاجة مرضى الفشل العضوي إلى أعضاء لا يمكن توفيرها بالاعتماد على المتبرعين الأحياء وحدهم.

1271 عملية زراعة خلال 2024

قال النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، إن منظومة زراعة الأعضاء في مصر مفعلة جزئيًا فقط، موضحًا أن هناك عمليات لزراعة الكلى والكبد من متبرعين أحياء داخل مراكز مرخصة، فيما لم تدخل منظومة التبرع بالأعضاء من المتوفين حديثًا مرحلة التشغيل الفعلي حتى الآن.

وأوضح البياضي لـ"تليجراف مصر" أن وزارة الصحة أعلنت إجراء 1271 عملية زراعة أعضاء خلال عام 2024، مشيرًا إلى أن هذه العمليات شملت زراعة الكلى والكبد من متبرعين أحياء داخل مراكز مرخصة.

وأضاف أن منظومة التبرع بالأعضاء من المتوفين حديثًا لم تدخل مرحلة التشغيل الفعلي حتى الآن، لافتا إلى أن المتحدث باسم وزارة الصحة أكد في فبراير 2026 عدم تنفيذ أي حالة لنقل عضو من متوفى إلى شخص حي.

قانون زراعة الأعضاء موجود.. والعقبة في التنفيذ

وأشار البياضي إلى أن المشكلة لم تعد في غياب التشريع، موضحًا أن القانون رقم 5 لسنة 2010 ولائحته التنفيذية صدرا منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.

ولفت إلى أن المادة 61 من الدستور تنص على أن التبرع بالأعضاء هبة للحياة، وتلزم الدولة بإنشاء آلية لتنظيمه، مؤكدًا أن استمرار التعطل يمثل في جوهره فجوة واضحة في التنفيذ والإدارة والتنسيق بين مؤسسات الدولة.

عقبات متعددة ومركبة

ومن جانبها، قالت النائبة أميرة فؤاد، عضو مجلس النواب، إن منظومة التبرع بالأعضاء من المتوفين، خاصة حديثي الوفاة دماغيًا، لم يتم تفعيلها عمليًا في مصر حتى الآن، مشيرة إلى أن الاعتماد ما زال شبه كامل على التبرع من الأحياء للأحياء، مثل نقل جزء من الكبد أو إحدى الكليتين بين الأقارب.

وأوضحت فؤاد في تصريحاتها لـ"تليجراف مصر" أن ذلك يأتي رغم صدور القانون رقم 5 لسنة 2010، والمعدل بالقانون رقم 142 لسنة 2017، والمنظم لعملية زراعة الأعضاء البشرية وتجريم تجارتها، إلا أن الانتقال إلى مرحلة الزراعة من حالات الوفاة الدماغية يواجه عقبات متعددة ومركبة.

الموت الدماغي.. إشكالية طبية وقانونية

وأشارت أميرة فؤاد إلى أن الأسباب العلمية والمنهجية لعدم تفعيل منظومة التبرع بالأعضاء من المتوفين تتضمن عدة محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها الإشكالية الطبية والقانونية المتعلقة بتعريف "الموت الدماغي".

وأوضحت أن التبرع من المتوفى يتطلب الاعتماد على مفهوم جذع المخ الميت (Brainstem Death)، مع استمرار عمل القلب عبر أجهزة التنفس الصناعي.

ولفتت إلى أن تشخيص الوفاة الدماغية يستلزم معايير صارمة للغاية، وأن غياب بروتوكول محدد إلكترونيًا وعليه إجماع واضح يضع الأطباء تحت طائلة المساءلة القانونية أو تهم القتل الخطأ أو الإهمال إذا تقرر فصل الأجهزة لاستئصال الأعضاء.

السجل القومي وشبكة الربط بين المستشفيات

وأوضح البياضي أن من أهم أسباب التعطل عدم اكتمال السجل القومي الموحد للمتبرعين والمرضى وقوائم الانتظار، إلى جانب عدم وجود شبكة فعالة تعمل على مدار الساعة للربط بين وحدات العناية المركزة ومراكز الزراعة.

وأضاف أن المنظومة تحتاج أيضًا إلى تطبيق بروتوكول موحد لتشخيص الوفاة الدماغية، فضلا عن نقص فرق تنسيق التبرع ونقل الأعضاء وحفظها.

وأشارت أميرة فؤاد إلى أن منظومة نقل الأعضاء من المتوفين تعد من أعقد المنظومات الطبية في العالم، وتتطلب بنية تحتية لم تستكمل بعد بشكل كامل.

وأوضحت أن من بين العقبات عدم وجود قاعدة بيانات موحدة، أو الشبكة القومية، التي تحتاج إليها الدولة لربط قائمة انتظار المرضى الحرجين، بما تتضمنه من قواعد التوافق الجيني والرقم القومي، بالمستشفيات التي تسجل حالات الوفاة الدماغية لحظة بلحظة.

كما أشارت إلى غياب كوادر مدربة خصيصا للتواصل مع أسر المتوفين في لحظات الصدمة للحصول على موافقتهم، إلى جانب نقص فرق الحفظ والنقل السريع للأعضاء، موضحة أن القلب أو الرئة أو الكبد يجب نقلها خلال ساعات معدودة من الوفاة.

الموافقة على التبرع.. عقبة إجرائية أخرى

وتابعت أميرة فؤاد أن القانون ينص على ضرورة توثيق الموافقة مسبقًا قبل الوفاة، سواء في الشهر العقاري أو من خلال إقرار رسمي.

وأوضحت أن التعامل مع وصية المتوفى يواجه إجرائيًا صدامًا مع رفض الأهل والأقارب لحظة الوفاة، مشيرة إلى أن العديد من الأنظمة العالمية تطبق قانون "الرفض الصريح" (Opt-out)، حيث يعتبر الجميع متبرعين إلا من ينص على رفضه.

وأضافت أن النموذج المصري يعتمد على "الموافقة الصريحة" (Opt-in) وتوثيقها، وهو أمر نادر التطبيق عمليا.

مخاوف مجتمعية رغم الفتاوى المؤيدة للتبرع

وأشار البياضي إلى وجود مخاوف مجتمعية من الاتجار بالأعضاء أو غياب العدالة والشفافية، إلى جانب ضعف حملات التوعية، رغم إقرار المؤسسات الدينية بجواز التبرع وفق ضوابطه الطبية والقانونية.

ومن جانبها، قالت أميرة فؤاد إن من بين العقبات أيضا الموانع الثقافية والمجتمعية، وفي مقدمتها مفهوم حرمة الجسد، في ظل انتشار ثقافة مجتمعية تخشى المساس بجسد المتوفى أو التشكيك في أسباب الوفاة.

ولفتت إلى استمرار حالة من التردد والشكوك، رغم وجود فتاوى رسمية حاسمة من دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف بجواز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة بالشروط الشرعية، موضحة أن حالة اللبس والتردد لدى المواطنين والكوادر الطبية نفسها ما زالت سائدة.

عدم التفعيل يحرم مرضى من فرص العلاج

وحذرت النائبة أميرة فؤاد من النتائج المترتبة على عدم تفعيل منظومة التبرع بالأعضاء من المتوفين، وفي مقدمتها حرمان آلاف المرضى الذين يعانون من فشل عضوي لا يمكن علاجه إلا بنقل عضو كامل، مثل حالات الفشل القلبي المتقدم أو الفشل الرئوي.

كما أشارت إلى أن استمرار الوضع الحالي يبقي الاعتماد على المتبرعين الأحياء، وهو ما يقتصر على الكلى والجزء الأكبر من الكبد فقط، ويحمل مخاطر جراحية على المتبرع الحي.

خطوات حكومية لتفعيل منظومة زراعة الأعضاء

ولفت البياضي إلى أن الحكومة أعادت تشكيل اللجنة العليا لزراعة الأعضاء، ووسعت ترخيص المراكز، وبدأت العمل على ميكنة المنظومة وإنشاء مجمع لزراعة الأعضاء بمعهد ناصر.

وأوضح أن هذه الخطوات تظل تحضيرية، مؤكدا أن المعيار الحقيقي للتفعيل ليس عقد المؤتمرات أو الإعلان عن إنشاء مبان جديدة، وإنما وجود سجل قومي شفاف، وقائمة انتظار عادلة، وآلية سريعة وآمنة، وبدء عمليات فعلية من متبرعين متوفين.

أمير رمزي يطرح تساؤلات حول تأخر التفعيل

وطرح المستشار أمير رمزي تساؤلات حول أسباب عدم تفعيل منظومة التبرع بالأعضاء في مصر، رغم صدور قانون تنظيم زراعة الأعضاء البشرية رقم 142 لسنة 2017، مؤكدًا أن القانون موجود منذ سنوات، بينما لا تزال معاناة مرضى الفشل العضوي قائمة.

وقال رمزي، في منشور عبر حسابه على "إكس"، إن الجهات الدينية لا تمانع التبرع بالأعضاء، مستشهدا بوجود قانون مصري ينظم الأمر، إلى جانب تطبيق نقل وزراعة الأعضاء من المتوفين حديثًا في عدد من الدول العربية، وعلى رأسها الإمارات.

وأشار إلى وجود عجز كبير في أعداد المتبرعين بالكلى والكبد، وعدم وجود زراعة قلب، فضلا عن استيراد قرنيات العيون بتكلفة وصفها بالمليارات، مؤكدا أن أوضاع مرضى زراعة الأعضاء في مصر تبكي".

دعوات لآلية واضحة لتسجيل رغبة المواطنين

ووجه رمزي سؤالا إلى وزير الصحة بشأن أسباب تأخر تفعيل اللائحة التنفيذية الخاصة بنقل الأعضاء من المتوفين حديثا، مستشهدا بحالة فتاة تدعى روجينا، قال إنها تكلفت 11 مليون جنيه لإجراء عملية زراعة قلب خارج مصر، في حين يمكن أن تصل تكلفة العملية إلى نحو مليون جنيه داخل مصر.

كما أشار إلى أن الدكتور مجدي يعقوب طالب أكثر من مرة بتفعيل منظومة نقل الأعضاء من المتوفين حديثا، مطالبا بسرعة اتخاذ خطوات عملية لإنهاء الأزمة.

واقترح رمزي آلية لتسجيل رغبة المواطن في التبرع بأعضائه، تبدأ بالتوجه إلى الشهر العقاري لتوثيق رغبته، ثم تسجيلها لدى جهة متخصصة بوزارة الصحة، وإثباتها على بطاقة الرقم القومي أو رخصة القيادة، بحيث يمكن الاستفادة من الأعضاء التي وافق المواطن على التبرع بها بعد وفاته، ونقلها إلى المرضى المدرجين على قوائم الانتظار.

خطة تنفيذية ومواعيد معلنة لتفعيل المنظومة

وأكد البياضي أنه لا يصح تحميل المجتمع وحده مسؤولية التأخير، مشيرا إلى أن بناء الثقة ونشر الوعي مسؤولية الدولة أيضا.

وطالب بخطة تنفيذية معلنة بمواعيد واضحة، وتمويل كافٍ، وجهة مركزية مسؤولة، ورقابة برلمانية دورية.

واختتم المستشار أمير رمزي حديثه بالدعوة إلى تكليف رئاسي بالإسراع في هذا الملف الإنساني، معتبرا أن تفعيل المنظومة يمكن أن يمنح الأمل لعشرات الآلاف من مرضى الفشل العضوي، قائلا: "يا رب الدولة تتحرك".

اقرأ أيضًا:

هل جرى تجهيز مشهد زيارة رئيس الوزراء لمركز الجزيرة الخضراء؟ صحة كفر الشيخ ترد

search