الجمعة، 23 أكتوبر 2026

01:13 م

الجمعة، 23 أكتوبر 2026

01:13 م

وراء التماسك.. قلبٌ مُتعب

ليس أصعب على الإنسان من أن يمرّ بلحظة ضعف، يبحث فيها بعينيه عن وجه مألوف، أو صوت يطمئنه، أو قلب يتّسع لحزنه، فلا يجد أحدًا.

أن تكون محاطًا بالناس، وربما تتحدث وتضحك وتمارس تفاصيل يومك بصورة طبيعية، ثم تأتي لحظة واحدة تشعر فيها بأنك وحيد تمامًا؛ لا لأن العالم خلا من البشر، بل لأنك لم تجد الشخص الذي تستطيع أن تخلع أمامه عن روحك ثقل التماسك، وتقول ببساطة: لقد تعبت.

هناك أحزان لا تحتاج إلى حلول، ولا تنتظر نصائح، ولا تريد من أحد أن يشرح لصاحبها كيف يتجاوزها. كل ما تحتاجه أن تجد من يسمعها دون مقاطعة، ويستقبلها دون أحكام، ويترك لصاحبها الحق في أن يكون ضعيفًا لبعض الوقت، دون أن يشعر بأنه مطالب بتبرير ضعفه.

فليس كل حزن يحتاج إلى إجابة، وليس كل دمعة تبحث عن سبب منطقي. أحيانًا، يكون الإنسان مدركًا تمامًا لما ينبغي عليه فعله، لكنه لا يملك في تلك اللحظة الطاقة الكافية لفعله. لا تنقصه النصيحة بقدر ما ينقصه الشعور بأنه ليس مضطرًا إلى مواجهة كل شيء وحده.

والمؤلم أن بعض الذين اعتادوا أن يكونوا مصدر القوة والطمأنينة للآخرين، لا يعرفون إلى أين يذهبون حين تنفد طاقتهم. اعتادوا أن يستمعوا، وأن يساندوا، وأن يجدوا الكلمات المناسبة حين تضيق الدنيا بمن حولهم، حتى أصبح الآخرون يرونهم دائمًا في صورة القادر على الاحتمال، وربما نسوا أن وراء هذه الصورة إنسانًا يتعب، ويتألم، ويحتاج هو الآخر إلى من يسأله بصدق: ماذا بك؟ وهل أنت بخير حقًا؟

قد يعتاد المرء كتمان أوجاعه إلى درجة أنه لا يعرف كيف يطلب المواساة. يكتب رسالة ثم يمحوها، يفكر في الاتصال بأحدهم ثم يتراجع، ويبحث في ذاكرته عن شخص يستطيع أن يتحدث إليه دون حرج، قبل أن ينتهي به الأمر إلى الصمت.

ليس لأنه لا يحتاج إلى أحد، وإنما لأنه تعب من شرح ما يشعر به، أو يخشى أن يتحول حزنه إلى عبء إضافي على الآخرين، أو أن يتلقى كلمات عابرة لا تشبه حجم ما يحمله في داخله.

وفي بعض اللحظات، لا يريد الإنسان سوى حضن آمن، لا يسأله لماذا انهار الآن، ولا يطالبه بأن يستعيد تماسكه سريعًا. حضن يقول له، دون كلمات كثيرة، إن من حقه أن يتعب، وإنه ليس مضطرًا إلى أن يكون قويًا طوال الوقت.

فما أقسى أن يجاهد الإنسان كي يمنع دموعه أمام الآخرين، ثم ما إن ينفرد بنفسه حتى تنهمر دون استئذان. وما أقسى أن يمرّ يومه كاملًا وهو يؤدي واجباته، ويرد على الأسئلة، ويتعامل مع الحياة كأن كل شيء على ما يرام، بينما يخوض في داخله معركة لا يعرف عنها أحد شيئًا.

وثمة لحظات يبلغ فيها الألم النفسي من الإنسان مبلغًا يعجز معه عن وصف ما يشعر به؛ فيضيق صدره، ويعتصر قلبه وجعًا، وكأن الحزن لم يعد حبيس روحه، بل امتد إلى جسده كله. قد يشعر بثقل لا يعرف كيف يتخلص منه، وبألم يلازمه حتى في صمته، وكأن داخله يصرخ بينما يعجز لسانه عن الكلام.

إنها لحظات الضعف الإنساني التي لا تعني أن الإنسان أقل قوة، بل تعني أنه بلغ حدًّا لم يعد فيه قادرًا على إخفاء كل ما يشعر به. فحتى أكثر الناس تماسكًا لهم لحظات ينكسرون فيها، وحتى القلوب التي اعتادت الاحتمال قد يأتي عليها وقت تتمنى فيه لو وجدت قلبًا آخر تستند إليه، ولو قليلًا، حتى تستعيد قدرتها على التنفس ومواصلة الطريق.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نخلط بين الوحدة وبين انعدام القيمة، ولا بين غياب السند في لحظة وبين استحقاق الإنسان للحب والاحتواء. قد تعجز بعض الوجوه عن رؤية ما وراء صمتنا، وقد لا يحسن بعض المقربين التعامل مع أحزاننا، لكن ذلك لا يعني أن مشاعرنا عبء، أو أن احتياجنا إلى الحنان ضعف ينبغي أن نخجل منه.

نحن لا نحتاج دائمًا إلى شخص ينقذنا، بل نحتاج أحيانًا إلى شخص يبقى معنا ونحن نحاول إنقاذ أنفسنا، شخص لا يستعجل نهاية الحزن، ولا يقيس قوتنا بعدد المرات التي تجاوزنا فيها الأزمات دون شكوى.

ولعلنا، وسط انشغالنا بتفاصيل الحياة، نحتاج إلى أن نتعلم كيف نكون ذلك الشخص للآخرين. أن نسأل السؤال مرتين حين نشعر بأن الإجابة الأولى تخفي وراءها الكثير، وأن نصغي دون أن نحوّل كل شكوى إلى محاضرة، وأن ندرك أن عبارة بسيطة، مثل «أنا هنا، خذ وقتك»، قد تمنح قلبًا متعبًا مساحة لالتقاط أنفاسه.

فالكلمة الطيبة ليست تفصيلًا صغيرًا كما نظن، والاحتواء ليس رفاهية عاطفية، والإنصات الصادق ليس وقتًا ضائعًا. أحيانًا، تكون هذه الأشياء البسيطة هي الفارق بين إنسان يشعر بأنه محاصر داخل حزنه، وإنسان يجد ما يعينه على عبور ليلته.

أما الإنسان الذي يجد نفسه وحيدًا في لحظة احتياجه، فليتذكر أن حاجته إلى السند لا تنتقص منه، وأن دموعه لا تلغي ما لديه من قوة، وأنه ليس مطالبًا بأن يحوّل كل وجع إلى درس، أو كل انكسار إلى انتصار سريع.

من حقه أن يحزن، وأن يصمت، وأن يستريح من محاولات التماسك المستمرة. ومن حقه أيضًا أن يمد يده طلبًا للمساندة، دون أن يشعر بأنه فقد شيئًا من كرامته.

ففي النهاية، لا أحد يستطيع أن يكون قويًا طوال الوقت، ولا أحد ينبغي أن يضطر إلى ذلك.

فكل ما يحتاجه الإنسان أحيانًا ليس أن تتغير الحياة من حوله في لحظة، بل أن يجد قلبًا لا يتركه وحيدًا في اللحظة التي تثقل فيها الحياة على قلبه.

search