الإثنين، 02 نوفمبر 2026
11:43 م
يبدو أن بيع الأحلام أصبح أسهل كثيرًا من تسليم الشقق في سوق العقارات المصري، فالإعلانات البراقة لا تتوقف، والوعود تتوالى، والأقساط تُحصّل في مواعيدها، لكن عندما يحين موعد التسليم، يجد بعض المشترين أنفسهم أمام واقع مختلف تمامًا عما رسمته لهم الشركات عند التعاقد، لتبدأ رحلة طويلة من الانتظار والمطالبات، وكأن الحصول على الشقة أصبح امتيازًا يحتاج إلى وساطة، وليس حقًا يحكمه عقد والتزامات واضحة.
هذه الصورة تعيد إلى الواجهة أزمة شركة "أو لاند" (AW LAND) للتطوير العقاري، التي تواجه شكاوى من عملاء بشأن تأخر تسليم وحداتهم في 8 مشروعات بمنطقة بيت الوطن بالقاهرة الجديدة، بعضها كان مقررًا تسليمه منذ عام 2024، وفقًا لما نشرته تقارير صحفية، وهو ما يضع إدارة الشركة أمام تساؤلات جدية بشأن قدرتها على الوفاء بتعهداتها، ومدى احترامها لحقوق المشترين الذين وضعوا مدخراتهم وثقتهم في مشروعاتها.
ثمانية مشروعات محل شكاوى ليست رقمًا يمكن المرور عليه باعتباره خلافًا عابرًا، وإذا صحت روايات المشترين، فنحن أمام مشكلة تستحق وقفة حاسمة، لأن المواطن الذي يلتزم بسداد أقساطه لا ينبغي أن يجد نفسه مطالبًا بانتظار مفتوح، بينما تتبدل المواعيد وتبقى حقوقه معلقة دون إجابات مقنعة.
واللافت أن الشركة، بحسب التغطيات كانت تعمل سابقًا باسم "صروح للتطوير العقاري"، قبل ظهورها بهويتها الحالية "أو لاند"، وهو تغيير لا يمثل في حد ذاته مخالفة، لكنه يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل عن العلاقة القانونية بين الكيانين، ومصير الالتزامات السابقة، والمسؤول عن تنفيذ العقود التي أبرمها العملاء.
فمن السهل تغيير الاسم والشعار والهوية التجارية، لكن من الصعب إقناع عميل ينتظر شقته بأن صورة الشركة الجديدة أهم من التزامها القديم، خصوصًا عندما تتحول مواعيد التسليم إلى مصدر قلق بدلًا من أن تكون ضمانة للاستقرار.
وهنا أتوجه بالسؤال مباشرة إلى أمير حسني، رئيس مجلس إدارة "أو لاند": ماذا تقول للعملاء الذين يشكون من تأخر تسليم وحداتهم؟ وأين تقف المشروعات الثمانية اليوم؟ وهل لدى الشركة جدول زمني واضح وموثق لإنهاء الأعمال وتسليم الوحدات، أم أن المشترين مطالبون بانتظار وعود جديدة بعدما مضت المواعيد السابقة؟.
الأمر لم يعد مجرد شكاوى تتردد في وسائل الإعلام، فقد أفادت تقارير صحفية بتقدم مجموعة من المشترين بمذكرة إلى جهاز تنمية مدينة القاهرة الجديدة، تحمل وفقًا لما نُشر رقم صادر 31120، للمطالبة بفحص موقف المشروعات وأسباب تأخر التسليم، وهي خطوة تعكس وصول الأزمة، بحسب أصحاب الشكوى، إلى مرحلة تستدعي تدخل الجهات المختصة.
والسؤال هنا: لماذا يضطر العميل الذي دفع أمواله إلى البحث عن جهة رسمية للحصول على تفسير لما يحدث في مشروعه؟ ولماذا لا تبادر الشركة من تلقاء نفسها إلى إعلان نسب التنفيذ الفعلية، وأسباب التأخير، وخطة معالجة الأزمة، بدلًا من ترك المشترين في حالة من القلق وعدم اليقين؟.
قد تكون لدى "أو لاند" أسبابا تتعلق بارتفاع تكاليف البناء أو اضطراب السوق أو تعثر بعض الأعمال، وهذه أمور تستحق الاستماع إليها إذا قدمتها الشركة مدعومة بالمستندات، لكن الظروف الاقتصادية لا يمكن أن تتحول إلى مبرر مفتوح لتعليق حقوق المشترين، كما أن أي تأخير يجب أن يقابله تفسير واضح وخطة واقعية، لا مجرد موعد جديد يضاف إلى قائمة الوعود.
وما يزيد المشهد إثارة للتساؤلات، حديث بعض العملاء عن خطط منسوبة للشركة للتوسع في شراء أراضٍ أو إطلاق مشروعات جديدة، وهي معلومات تحتاج إلى تحقق مستقل، لكنها تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل من المنطقي أن تتجه شركة إلى جذب مشترين جدد بينما لا تزال شكاوى مشترين سابقين بشأن التسليم دون حسم؟.
ليس المطلوب أن تتوقف الشركات عن الاستثمار أو التوسع، وإنما أن تدرك أن التوسع الحقيقي يبدأ من الوفاء بالالتزامات القائمة، وأن قيمة المطور العقاري لا تُقاس بعدد المشروعات التي يعلن عنها، وإنما بعدد الوحدات التي يسلمها في مواعيدها وبالمواصفات المتفق عليها.
وأعتقد أن إدارة "أو لاند" مطالبة اليوم بما هو أكثر من تصريحات عامة أو حملات تسويقية جديدة؛ مطالبة بكشف واضح عن موقف المشروعات محل الشكاوى، وجدول زمني معلن للتسليم، وتوضيح كيفية معالجة الأضرار التي يثبت أن الشركة مسؤولة عنها، لأن العميل ليس مجرد رقم في كشوف المبيعات، ولا ينبغي أن يتحول إلى مصدر تمويل ينتظر إلى أجل غير معلوم.
وفي المقابل، فإن وزارة الإسكان وجهاز تنمية مدينة القاهرة الجديدة مطالبان بفحص الشكاوى والتحقق من الموقف التنفيذي والقانوني للمشروعات، وإعلان نتائج المراجعة في الحدود التي يسمح بها القانون، حتى لا يظل المشترون عالقين بين روايات متعارضة دون حسم.
لا أكتب هذه السطور لإصدار حكم نهائي على شركة قبل فحص المستندات والاستماع إلى رد إدارتها، لكنني أرفض أن يصبح تأخر التسليم أمرًا عاديًا يتعايش معه السوق، أو أن يتحول التزام المشتري بالدفع إلى واجب صارم، بينما يبدو التزام المطور بالتسليم وكأنه وعد قابل للتأجيل.
والرسالة إلى أمير حسني وإدارة "أو لاند" واضحة: لن تحمي سمعة الشركة إعلانات جديدة، ولن يمنحها تغيير الاسم ثقة العملاء، ولن تعوض الوعود المتكررة سنوات الانتظار. وحده التنفيذ والوفاء بالعقود قادران على الإجابة عن هذه الشكاوى.
وقبل أن تفكر الشركة في تسويق مشروعات أخرى، عليها أن تقدم إجابة مقنعة عن السؤال الذي يطرحه المشترون: أين الوحدات التي تعاقدنا عليها، ومتى نتسلم مفاتيحها؟.
فالشركات العقارية قد تنجح في بيع الأحلام على الورق، لكنها لا تستحق ثقة السوق إلا عندما تحول هذه الأحلام إلى مبانٍ قائمة ومفاتيح في أيدي أصحابها.
25 أكتوبر 2026 04:17 م
25 أكتوبر 2026 03:03 م
25 أكتوبر 2026 02:12 م
22 أكتوبر 2026 12:56 م
أكثر الكلمات انتشاراً