الخميس، 13 يونيو 2024

08:27 م

معدية أبو غالب.. الله غالب والفقر أيضا

اسم الحلوة جنى، العمر 15، والوش قمر 14، بتنور حياة أبوها، تمسح بإيدها النونو دمعته وتشد معاه الحيل، وهو في عز الليل، بعد ما صلي الفجر، رافع ايديه للسما، بيدعي ربه ييسر حاله ويستر بيته، بص لاقها قدامه، ملاك مش ناقصها غير جناحات، فاردة ابتسامتها ويتقوله: الشغل لا عيب ولا حرام. وانا بنت حلال مصفي.. أخدت أجازة.. وهطلع بعد شوية على البر التاني، هركب المعدية.. واشتغل مع البنات في المزارع، كام ساعة وأكون عندك، ومعايا  125 جنيه بحالهم.. روق كده يا بوجنى وبطل تحسبها.. ده ربك هو اللي بيدبرها. 

جنى مع والدها 

من غير فطار، خرجت جنى على لحم بطنها، تلحق الميكروباص مع زمايلها الشقيانين، في عنيها نوم، وفي قلبها رضا.. جنا موصلتش المزرعة، وبدل ما ترجع لابوها في ايدها الفلوس، رجعت جثة، بسبب غلطة سواق الميكروباص، وغلطة سواق المعدية وغياب ضميره ..راحت جنا ومعها 18 زيها، مين يقدر يجيب حق جنا؟.. حق بنت "أبو غالب" عند ربها.. الله غالب.

لا يملكون إلا حياتهم

معدية "أبو غالب" التي ابتلعت 19 فتاة مجرد حلقة جديدة في مسلسل المعديات التي تقتل العابرين بلا رحمة، في حوادث متكررة ومتشابهة تسببت إزهاق أرواح عشرات البسطاء ممن لا يملكون إلا حياتهم!

مشاهد مفجعة تثير الرأي العام، وتتسبب في حزن وغضب شعبي يبدو أنه ما يزال لا يستطيع إقناع المسؤولين بالتحرك على الأرض، بعيدا عن التصريحات الإعلامية الجوفاء، من أجل إنهاء الظاهرة الدموية. 

حتى الآن يبقي الحال كما هو عليه، موت مجاني لمواطنين لا يملكون قوت يومهم، وتقاعس حكومي واضح، وتفريق دماء الأبرياء على العديد من الجهات، دون ثأر من مسؤول واحد، ليموت من يموت ويترك لوالديه الكمد حتى يلحقون به. 

"أبوغالب" التي تعمل برخصة منتهية، على مرأى ومسمع من الجهات المعنية، واحدة من 9 آلاف و500 معدّية ومركب بطول مجرى النيل، لا يجد المواطنون  غيرها للعبور من وإلى ضفتي النهر، حسب مركز الدراسات الاقتصادية، بينما لا تملك 95٪ منها تراخيص، و70% من قائديها دون رخص.

حوادث متتالية 

لا يمر عام واحد تتسبب فيه المعديات في حادثة أو أو أكثر يروح ضحيتها مواطنون أبرياء، ونرصد فيما يلي أبرز تلك الحوادث من عم 2011 وحتى 2024.

  • في أقصى الجنوب مات 10 أشخاص غرقا عام 2011 في معدية بأسوان، ومن بعدها 30 مواطنا بمعدية ببني سويف، فيما شهد العام التالي مصرع 6 أفراد غرقا في معدية كان على متنها 19 شخصاً.
  • 2013 انقلبت معدية على ظهرها 12 تلميذا في جنوب قنا. وفي العام نفسه غرق شخص فى حادث سقوط جرار زراعى من على معدية بالمنيا، ولم يمر العام قبل أن يفقد فقد 3 أشخاص حياتهم بمعدية المنيب. 
  • وسقط 50 راكبا في 2014 بمعدية في بني سويف، وغرق قائد معدية بسوهاج، وفي العام نفسه شهد مركز سمالوط بالمنيا غرق 30 مواطنًا يعد سقوط إحدى السيارات من أعلى المعدية أثناء تحركها.
  • 36 مواطنا بينهم 20 طفلا التهمهم النيل في يوليو 2015 بحادثة معدية الوراق، فيما ذكرت تقارير رسمية أن الحمولة المعدية أكبر من طاقة المعدية التي لم تكن مرخصة، فيما ألقى رئيس حي الوراق بمسؤولية منح التراخيص إلى شرطة المسطحات المائية، وتبرأت  وزارة الري بدورها من دماء الغرقى، قائلة إن مسؤوليتها تنحصر في إنشاء المراسي النيلية، بينما تصاريح تسيير الوحدات النهرية مسؤولية مشتركة بين لجنة التراخيص (تضم ممثلي 9 وزارات) وهيئات مختلفة.
  • وفي 2015 أيضا غرقت معدية نيلية بقنا، إضافة إلى 12 شخصًا أثناء عبورهم للاحتفال بزفاف في جزيرة الوراق.
  •  وفي 2016 توفي 15 شخصًا إثر غرق معدية بكفر الشيخ. وفي 2020 غرق 10 أشخاص في معدية بالبحيرة، وفي العام التالي غرق شخصين بالمنيا.
  • وسقطت سيارة ميكروباص خلال صعودها إلى معدية نيلية أمام قرية "الحيبة" بمركز "الفشن" في بني سويف بالجانب الشرقي، وذلك فى شهر أبريل 2017، ولقي 5 أشخاص من أسرة واحدة مصرعهم غرقًا.
  • نوفمبر 2018 وقع حادث  تسبب في وفاة 5 مواطنين وإصابة 4 آخرين، كانت تنقل 23 مواطنا بين قريتي الشهداء بمحافظة المنوفية وقرية كوم شريك التابعة لمركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة.
  • أما أغسطس 2020  فقد شهد حادث غرق "معدية دمشلي"مما تسبب في وفاة 4 أشخاص جميعهم يقيمون بمركز كوم حمادة، وتم انتشال جثامينهم وأصيب فى الحادث 3 أشخاص تم نقل 2 منهم إلى مستشفى منوف المركز لإسعافهما.
  • وشهدت قرية "القطا" التابعة لمركز ومدينة منشأة القناطر حادثًا مأساويًا، منتصف يناير الماضي 2021 بسقوط سيارة نصف نقل تحمل  23 شابًا وفتاة أثناء عودتهم من العمل بإحدى مزارع الدواجن، من أعلى معدية – تبين من التحقيقات أنها غير مرخصة- في نهر النيل فرع رشيد، كانت في طريقها إلى قرية التفتيش التابعة لمركز أشمون بالمنوفية، ما أدى إلى غرق 10 أشخاص، وإصابة 13 آخرين.
  • فبراير الماضي، غرقت "عبارة نكلا" في منشأة القناطر، ليلقى 10 عمال باليومية مصرعهم، من أصل 14 في نهر النيل على أطراف القاهرة. 

إحصاءات رسمية 

وأحصى تقرير رسمي 15 حادثة معديّة وقعت خلال 15 عامًا بدءًا من 2007 وحتى 2020، بمعدل حادثة سنويًا، أدت إلى وفاة 180 شخصًا على الأقل، بينما نظرة متفحصة إلى عناوين الصحف تخبرنا أن العدد أكبر من ذلك.

وحصر مركز "دفتر أحوال" للأبحاث والأرشفة والتوثيق عدد حوادث النقل المائي الداخلي في مصر ما بين العامين 2011-2016 بـ 78 حادثة، كانت نتيجتها 83 وفاة بسبب المعديات وحدها.

مسؤولية التراخيص

لا توجد جهة واحدة لإصدار تراخيص الوحدات النهرية التي تتوزع بين الهيئة العامة للنقل النهري وإدارة الملاحة بالمحافظة ووزارة الموارد المائية. 

تصدر تراخيص الوحدات النهرية من الهيئة العامة للنقل النهري، طبقًا للقانون رقم 10 لسنة 1956 والمعدل بالقانون رقم 57 لسنة 1962 والجاري حاليًا تعديله بمشروع قانون جديد ليتماشى مع الإجراءات الحالية لتفعيل دور هيئة النقل النهر.

بينما يتم ترخيص الوحدة النهرية غير الآلية والذهبيات والوحدات الثابتة من جانب إدارات الملاحة النهرية بالمحافظات، في حين يتم إصدار تراخــيص المراسي والموانئ النهرية من وزارة الموارد المائية والري طبقًا لقانون الري القديم والجديد رقم 147 لسنة 2021.

جهود حكومية 

الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه في 2020 بإنشاء كباري علوية بديلا عن المعديات النيلية، أمام القرى التي يزيد عدد سكانها على 10 آلاف نسمة، بهدف إلغاء المعديات التى يستخدمها الأهالي، وخدمة المشروعات التنموية والمجتمعات العمرانية الجديدة. 

وبدأت الجهات المسئولة في تنفيذ محاور نيلية وأنفاق جديدة، لربط ضفتي نهر النيل من خلال انشاء محاور تربط شبكة الطرق شرق وغرب النيل، وتقليل المسافات البينية بين المحاور إلي 25 كم بما يساهم في خطة التنمية الشاملة وخفض معدلات الحوادث وتقليل زمن الرحلات وتوفير استهلاك الوقود .

وتم التخطيط لإنشاء عدد 34 محور جديد علي النيل ليصبح اجمالي عدد محاور / كباري النيل 72 محور / كوبري بدلاً من 38 محور / كوبري قبل يونيو 2014

وتم انجاز عدد 13 محور بعد يونيو 2014 ( تحيا مصر – حلوان – بنها – الخطاطبة – طلخا – جرجا – طما – بني مزار- عدلي منصور – قوص – سمالوط – كلابشة – ديروط ) ليصبح الإجمالي 51 محور وجاري العمل حالياً في تنفيذ عدد 21 محور جديد من أهمها ( بديل خزان اسوان – دراو – الفشن– أبو تيج – شمال الأقصر – منفلوط ) .

قوانين تشريعية 

صدر القانون رقم ١٦٧ لسنة ٢٠٢٢، بشأن إعادة تنظيم هيئة النقل النهري، وبموجب التعديلات الجديدة تحل الهيئة محل إدارات الملاحة الداخلية المختصة بالمحافظات في إصدار التراخيص الملاحية النهرية، بالتنسيق مع وزارات الدفاع، الداخلية، الزراعة واستصلاح الأراضي، المالية، التنمية المحلية، الموارد المائية والري، التخطيط والتنمية الاقتصادية، التضامن الاجتماعي، التعاون الدولي، الاستثمار، السياحة والآثار، والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وهيئة الإسعاف المصرية. وهو ما أثار انتقاد بعض المختصين خصوصًا أنه ربما تتعارض الاختصاصات ثانية بعد إشراك كثير من الجهات مع الهيئة في عمليات التنسيق.

وفرض القانون في تعديلاته رسومًا جديدة؛ حيث تتراوح رسوم فحص بدن الوحدات النهرية المختلفة ومنها المعديات ما بين 700- 10000 جنيه مصري. وأيضًا رسم الحمولة السنوي، بواقع جنيه واحد لكل طن حمولة حجمي/ وزني من الحمولة الفعلية المثبتة بترخيص الوحدة، مع عدد من الرسوم المستحدثة الأخرى الإلزامية. كما نص القانون على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه، ولا تجاوز 50 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين كل من ارتكب (تسيير معدية عامة أو خط سير، دون الحصول على ترخيص).

search