انتخابات كاشفة.. ومشاهد مؤلمة.. ووطن يحتاج الجميع
شاب صارم الملامح يمسك بإحدى يديه عدداً كبيراً من البطاقات الشخصية، وبالأخرى رزمة نقود ضخمة، وينادي على كل شخص باسمه، ثم يسلمه بطاقته مع مبلغ مالي، ويلتف حوله عشرات من الرجال والنساء في انتظار حسنة صاحب الفضل، بعد أداء المطلوب وهو التصويت لأحد المرشحين!
المشهد مؤلم إنسانياً، أخلاقياً لا نستسيغ أو نتمنى أن يبيع شخص إرادته مقابل 300 جنيه أو بملايين الجنيهات، لكن واقعياً لا يمكن أن نتحامل على الناس الذين يعتبرون الانتخابات فرصة وموسماً لبيع ما لا يرونه مجدياً من وجهة نظرهم، وهو صوتهم الانتخابي الذي لن يغير من الأمر شيئاً -حسبما يرى كثير منهم!
ليس لي أن أطعن في شرعية الانتخابات، فهناك لجنة مستقلة قائمة على إدارتها، وأجهزة تتابع وتراقب وتؤمن وتحمي، لكن لا يمكن إنكار ما نراه بأعيننا من تجاوزات في كثير من الدوائر، خصوصاً ما يتعلق بالمال السياسي وشراء الأصوات، لأنه مهين وجارح!
لقد اضطر الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى التدخل بنفسه قبل انطلاق المرحلة الثانية من الانتخابات مطالباً بمراجعة الشكاوى وإلغاء أي نتائج مشوبة بتجاوزات.
ولم يكن هذا التدخل رفاهية سياسية بقدر ما كان ضرورة نابعة من إدراك واضح بأن شرعية البرلمان المقبل مُعرّضة للاهتزاز، وأن حجم الانتهاكات التي ظهرت لم يعد بالإمكان تجاهله أو التعامل معه بخطاب إنشائي.
وبعد أيام من الشكاوى المتكررة حول شراء أصوات، ووجود دعايات داخل محيط اللجان، وتضارب محاضر الفرز، وتداول مقاطع تشير إلى ممارسات غير قانونية أمام لجان محددة، جاء طلب الرئيس بتكليف الجهات المعنية بفحص كل البلاغات “دون استثناء”، وهو ما ترتّب عليه لاحقًا إلغاء نتائج الجولة الأولى في تسع عشرة دائرة كاملة، نسبة تقترب من ربع الدوائر الفردية في البلاد.
لا يمكن تجاهل أن خطوة الرئيس بفتح ملف التجاوزات علنًا أوقفت موجةً كان يمكن أن تعصف بمصدقيه البرلمان المقبل، فالتصريح الرئاسي أعاد -ولو جزئيًا- الاعتبار لإرادة الناخب، ووجّه رسالة مباشرة بأن الدولة لا ترغب في برلمان يولد من رحم الفوضى أو النفوذ المالي أو خطط حشد غير قانونية.
هناك عشرات الفيديوهات تكشف التجاوزات التي تحدث أمام كثير من اللجان الانتخابية، لكن في المقابل لا يمكن إنكار أن وزارة الداخلية أوقفت كثيراً منها، وضبطت عدداً من المتورطين، وهذا يجعلنا نشعر على الأقل بأن هناك من يتصدى لهذه الممارسات المعيبة
الانتخابات الحالية رغم كل ما يطالها من انتقادات ويشوبها من تجاوزات تبقى دليلاً واضحاً على أن المصريين -مهما اتسعت الفجوة السياسية- لا يزالون يراقبون ويتفاعلون، ويلعبون دوراً أصيلاً في المشهد، وأن أي خلل واسع لا يمكن أن يمر دون اعتبار لنبض الشارع وإرادته.
أدرك جيداً أن القائمين على شؤون الدولة يبذلون جهوداً مضنية لضبط الأمور، ومنع حدوث أي انفلات أو تجاوز، لكن من الضروري أيضاً أن يكون هناك سعة صدر وانفتاح مع المختلفين في الرأي، فجميعنا يهدف إلى استقرار هذا الوطن ورفاهته.
لقد أثبتت هذه الانتخابات أن مصر في حاجة ماسة إلى جهود جميع أبنائها المخلصين، سواء في المعسكر الرسمي بالدولة، أو في الجهة المقابلة من أصحاب رأي مستنير ومستقل يريدون الخير لبلادهم ويعملون بإخلاص داخلها وخارجها.
نجن جميعاً في سفينة واحدة، ولا نهدف إلا إلى حمايتها وتحصينها إلى أن تصل إلى بر الأمان، وتتجاوز كل المحن والصعاب التي تواجهها، لذا أتمنى أن نبني على موقف الرئيس الأخير تجاه الانتخابات، فالرجل تحدث كأنه يجلس في كرسي المعارضة وليس على رأس السلطة التنفيذية في الدولة، والتقط الشارع إشارته بمحبة وتفاؤل، لذا يجب أن نستمر على هذا النهج، فلا يمكن أن يكون كل مختلف في الرأي عدواً للوطن!
الأكثر قراءة
-
سعر صرف الدولار أمام الجنيه اليوم الجمعة.. كم سجل بعد القفزة الأخيرة؟
-
الفورية بـ 800.. خطوات استخراج بطاقة الرقم القومي إلكترونيًا 2026
-
المستشار القانوني لشركات بلبن ينفي إحالة مؤمن عادل للمحاكمة (خاص)
-
القصة الكاملة لمقتل الطبيبة السورية روزا الحريري في ألمانيا بعد رفضها الزواج
-
بعد إمامته المصلين في صلاة التهجد.. مصرع طالب أزهري دهسًا بسيارة في العبور
-
غلاء الأسعار ينهش أصحاب المعاشات.. كيف تتحقق العدالة الاجتماعية؟
-
أسعار الذهب اليوم في مصر.. ما سر تماسكه خلال حرب إيران؟
-
دعاء وداع مؤثر للطالب الأزهري قبل وفاته في حادث سير بالقاهرة
مقالات ذات صلة
دبي في زمن الحرب
09 مارس 2026 08:34 م
الامتنان ليس عيبا
06 مارس 2026 02:00 م
غباء سياسي.. ومغامرة غير محسوبة!
01 مارس 2026 06:28 م
ليست مجرد لحظة غضب!
21 فبراير 2026 02:54 م
ما وراء زيارة الرئيس إلى أبوظبي
12 فبراير 2026 02:11 م
المستشار محمد نجيب يكتب: الغلاء الصامت.. والوجع المكتوم!
09 فبراير 2026 07:09 م
وثائق إبستين: حين صرخت الأوراق.. وخرس الإنسان!
03 فبراير 2026 03:45 م
إمام عاشور.. هذه بضاعتكم رُدّت إليكم!
30 يناير 2026 01:22 م
أكثر الكلمات انتشاراً