29 نوفمبر تضامن سنوي.. وإبادة مستمرة!
مساء الخير... أو صباحها لو كان هناك "خير" متبق في هذا العالم.
غداً، السبت 29 نوفمبر، سيخرج علينا "التقويم الدبلوماسي الممل" ليذكرنا بـ "اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني". تضامن! يا له من مصطلح يُلقى في قاعات الأمم المتحدة الباردة، وكأنه عملة قديمة لم يعد لها قيمة صرف في سوق الواقع، أو ربما "وصلة تليفون أرضي" لم يعد أحد يستخدمها.
اسمحوا لي أن أكون صريحاً وخارجاً عن النص كعادتي، وأسأل السؤال الذي لا يستقيم إلا في زمن "الكوارث الـ VIP" هل نحتفل بيوم التضامن الآن، بينما "المتضامَن معه" يدفن أبناءه تحت ركام بنايات كاملة؟ هل هذا احتفال أم "صندوق جمع تبرعات" يُفتح سنويًا لتبرئة الذمة؟ لقد كنا في مثل هذا اليوم من كل عام، نطرح السؤال عن جدوى هذا التضامن السنوي العابر. كنا نقول: "يا ترى هل سمع عنهم أحد؟" لكننا اليوم، في نوفمبر 2025، لم نعد نسأل عن الجدوى... بل نسأل عن الضمير! الضمير الذي يبدو أنه أخذ إجازة مفتوحة منذ أكتوبر 2023.
فأكتوبر 2023 لم يكن مجرد حدث، بل كان اللحظة التي سقط فيها "القناع" عن الجميع، وانكشف الوجه الحقيقي للصراع. لم يعد الحديث عن صراع على الحدود أو حق إسرائيل في الدفاع عن النفس.
تلك كلها "كليشيهات" قديمة ماتت واندفنت تحت الأنقاض. أصبح الحديث الصريح، العاري، عن إبادة جماعية تُبث مباشرةً على الهواء. المجزرة تُرتكب بدم بارد، تحت مظلة صمت دولي "مفزع"، بل ومشاركة فعلية ومادية في بعض الأحيان. أصبح التضامن، في نظر العالم، ترفاً سنوياً يمكن تأجيله أو نسيانه. وكأنهم يقولون"اصبروا علينا يا إخواتنا، نخلص شغلنا ونرجع نتضامن معاكم!".
وفي غمرة هذه المجزرة، تحركت مصر، صاحبة العبء الأكبر والجار الذي لا يملك رفاهية "فرجة المتفرج"، ونظمت مؤتمر سلام في شرم الشيخ. كان المؤتمر فرصة ذهبية، بل هي القشة الأخيرة، لكي يقول المجتمع الدولي"كفى! سنبني سلاماً دائماً الآن، وليس غداً، وسنضمنه بآليات حقيقية، مش بشوية ورق على مكاتب!".
لكن ما الذي حدث؟ المؤتمر انتهى! وكل رئيس ووزير وسفير غادر إلى عاصمته، تاركاً خلفه بياناً فاتراً لا يرفع ولا يخفض، تاركاً مصر تقف وحيدة في مواجهة طوفان الحدود الإنسانية والسياسية. كان المشهد أشبه بجنازة مهيبة، حضرها الجميع، ثم انصرفوا ليعودوا إلى منازلهم ويشاهدوا الجنازة نفسها على شاشات التلفزيون في اليوم التالي وهم يشربون قهوتهم الأمريكية اللطيفة! أين هذا التضامن المزعوم يا سادة؟ لقد كان أمامهم منبر، وبحر هادئ، وفرصة تاريخية، ليخرجوا بقرار ملزم يوقف المجزرة أولاً، ويبني دولة فلسطينية قابلة للحياة ثانياً. لكنهم فضلوا أن يكونوا "متفرجين نبلاء".
المتفرج النبيل هو من يرى الجريمة كاملة، ويعرف الجاني والضحية، لكنه يختار أن يهز كتفيه ويقول بإنجليزية مصطنعة: “الأمر معقد جداً يا عزيزي!”
يا سادة، التضامن ليس مجرد إلقاء خطاب "منمق" في الأمم المتحدة؛ فالتضامن الحقيقي هو "اللي بتدفع ثمنه من جيبك!" مصر دفعت ولا تزال تدفع فاتورة هذا "التضامن المتردد" عالمياً. إنها تقف سداً أمام سيناريوهات التهجير القسري، التي لو حدثت لأغرقت المنطقة كلها في فوضى لا يعلم مداها إلا الله. مصر تحمل العبء الإنساني والاقتصادي والأمني، بينما العالم يكتفي بإرسال بعض شحنات الإغاثة... وكأنها "تبرئة ذمة بالجملة" من جريمة جماعية. هذا التضامن الدولي أشبه بـ "صديق يتصل بك ليلاً ليعزيك في حريق منزلك، ثم يغلق السماعة وينام" لا يقدم لك طفاية حريق، ولا إيواء، ولا حتى يسألك: “أين ستذهب؟”
الشعب الفلسطيني في غزة اليوم لا يحتاج إلى "يوم تضامن" في أواخر نوفمبر، يذكرنا فقط بمدى عجزنا. بل يحتاج إلى وقف هذه الإبادة التي لم تنتظر حتى يحل موعد احتفالكم السنوي. إنهم بحاجة إلى عمل حقيقي يلغي الحاجة إلى هذا اليوم من الأساس. يحتاجون إلى ضمانة دولية لا تُكتب بالحبر، بل تُفرض بـ "عصا غليظة" لا تنكسر! إن هذا اليوم، 29 نوفمبر، تحول من يوم للتضامن إلى يوم للتوبيخ الذاتي للمجتمع الدولي. توبيخ لمدى عجزه، توبيخ لمدى ازدواجية معاييره "الشيزوفرينية"، وتوبيخ لمدى برودة دمه أمام مناظر أطفال تُنتشل أشلاؤهم.
بالتأكيد. لنصنع خاتمة أكثر قوة وتأثيرًا تحاكي النبرة الختامية الحادة والملخصّة التي كان يتميز بها محمود عوض، خاصة في توجيه التوبيخ الأخير للجمهور والمجتمع الدولي.
في الختام، لستم مدعوين للاحتفال بيوم التضامن غداً... فلتستريحوا!
هذا اليوم لم يعد سوى "ورقة نعوة" يوقع عليها المجتمع الدولي اعترافاً بعجزه، أو ربما "وصل استلام" لتبرئة ذمته الزائفة. فلتذهب كل البروتوكولات الدبلوماسية إلى الجحيم "المتضامن معه" لم يجد حتى الآن مكاناً آمناً ليدفن فيه شهداءه بسلام، ونحن ما زلنا نناقش "جدوى الأيام السنوية".
السؤال لم يعد: متى سنفعل شيئاً؟
بل السؤال الأهم الذي يجب أن يقرع رؤوسكم هو: متى سيتوقف هذا العالم عن لعب دور "المتفرج النبيل" الذي يصفق للضحية وهو يموت؟ ومتى سيتخلى المجتمع الدولي، المكتف حالياً بأدب دبلوماسي فاخر، عن هذا القيد الذي يكبله، ويطلق العنان للحقيقة والعدل ليقولا كلمتهما الأخيرة والحاسمة؟
الأكثر قراءة
-
مواعيد مباريات اليوم الجمعة 28 نوفمبر في مختلف البطولات
-
قتلها وبكى، شاب ينهي حياة زوجته قبل الزفاف في سوهاج: "مش بحبها"
-
موعد عرض مسلسل ورد وشوكولاتة الحلقة الأخيرة
-
القناة الناقلة لمباراة شبيبة القبائل ويانج أفريكانز في دوري أبطال أفريقيا
-
تفاصيل شقق تعاونيات البناء والإسكان، كراسة الشروط والأماكن
-
رمضان المسكين.. هل يجب أن نتعاطف مع متهم لأنه نجم؟!
-
29 نوفمبر تضامن سنوي.. وإبادة مستمرة!
-
تجاهل ماس كهربائي داخل فصول مدرسة تجريبية يكشف فسادًا إداريًا وماليًا (خاص)
مقالات ذات صلة
بعد توجيهات الرئيس.. هل حان وقت تحديث الحياة السياسية في مصر؟
19 نوفمبر 2025 03:32 م
زهران ممداني.. حين انتصرت نيويورك على ترامب
05 نوفمبر 2025 05:25 م
ميثاق الشرف الانتخابي.. محاولة لتغيير قواعد اللعبة
01 نوفمبر 2025 09:42 ص
محمد سلام.. حين كرّم الوطن ضمير الفن
27 أكتوبر 2025 11:14 ص
أكثر الكلمات انتشاراً