مجمع ووزارة وحزب منحل، 3 مبان تاريخية ترتدي ثوب الاستثمار في وسط البلد
مجمع التحرير ومبنى وزارة الداخلية القديم ومبنى الحزب الوطني المنحل قبل هدمه
لم يعد الطريق إلى ميدان لاظوغلي مجرد مسار عابر في قلب القاهرة، بل صار شاهدًا على واحدة من أعمق التحولات العمرانية والسياسية التي تمر بها العاصمة منذ عقود.. هنا، حيث كانت الدولة تفرض حضورها الكثيف، ترفع اليوم الأشرطة التحذيرية، وتُغلق البوابات الحديدية، وتدخل الاستثمارات من بوابة التطوير، لتعيد رسم المشهد من جديد.
مبنى وزارة الداخلية القديم بميدان لاظوغلي
في الميدان، ينتصب مبنى ضخم مكوّن من تسعة طوابق، ظل محتضنًا وزارة الداخلية لمدة 159 عامًا قبل نقل مقرها لاحقًا عام 2016، والآن يبدو المبنى مجرد هيكل خرساني مكشوف، جدرانه مفقودة، ولم يتبقَ منه سوى الأسقف والأعمدة العارية، تصدره ثلاث بوابات حديدية كبيرة، يصطف بجوارها عدد محدود من السيارات، بينما تحيط به أسوار مرتفعة تفصل المكان عن المارة.

في أرجاء المكان، تنتشر إشارات تحذيرية برتقالية وأشرطة صفراء وحواجز معدنية تحاول عزل المشهد، لا لحمايته فقط، بل ربما لإخفاء ما يدور خلفه.
لم يكن هذا المبنى استثناءً، فخلفه مباشرة، ظهرت مبانٍ أخرى بلا نوافذ، صامتة ومغلقة، تطل بواجهاتها الفارغة على شارع عابدين، لتشكّل لوحة عمرانية خالية من الحياة، كأن الزمن توقف عندها منذ لحظة واحدة ولم يتحرّك بعدها.

الذاكرة الشعبية في مواجهة الواقع
هنا كانت الدولة تعبر عن قوتها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وكان مبنى الوزارة عنوانًا للسلطة.. هنا كانت تحلق "النسور والدبابير" في الأرجاء.. هنا كان مقر وزارة الداخلية في المبنى الذي يعود إلى القرن التاسع عشر وتحديد عام 1805، فعند إنشائه كان ديوان الوالي قبل أن يصبح نظارة الداخلية عام 1857 حتى 2016 عندما تقرّر نقل الوزارة وكل أجهزتها إلى مقرها الجديد في القاهرة الجديدة في إطار خطة تحويل مقر لاظوغلي التاريخي إلى منطقة استثمارية وحاضنة أعمال ثقافية وترفيهية، مع الحفاظ على الطابع الأثري.
رأي أحد الباعة الجائلين
للناس ذكريات في هذا المكان، كيف كانوا ينظرون إلى المبنى العريق للوزارة وكيف هي نظرتهم إلى المكان ذاته الآن بعد أن باتت المنطقة في إطار استثماري. ومن هنا تحركت “تليجراف مصر” لترصد آراء المواطنين في منطقة لاظوغلي.
أحد هؤلاء بائع متجوِّل يُدعى زكريا (45 عامًا)، أشار إلى المباني المحيطة وقال بثقة لا تخلو من حنين: "دي كانت وزارة الداخلية.. مبنى الدولة.. أيام ثورة يناير (2011) كنت هنا ودلوقت اتباعت زي مجمّع التحرير".
بحسب روايته: "كله هيتحول جامعات وفنادق.. استثمار إماراتي وفرنسي وإيطالي، وسياحة".
رواية زكريا، وإن بدت شعبية، تعكس إحساسًا عامًا بأن المكان لم يعد كما كان، فالمترددون على المكان كانوا من فئة من المواطنين الذين يأتون لقضاء مصالحهم، والآن سيصبح جزءًا من خريطة استثمارية أوسع، تعيد توزيع الأدوار داخل قلب العاصمة.

روايتان.. ونتيجة واحدة
على بُعد خطوات، يقدم هشام، سائق سابق بإحدى الوزارات، قراءة مختلفة: “الوزارة مش هتتهد.. هتتوضب”، مضيفًا أن “نقل الوزارات للعاصمة الإدارية سياسة دولة”.
لكن شكوك هشام تطفو سريعًا حين يتحدث عن العوائد المتوقعة: “بيقولوا فرص عمل وتنمية.. في الآخر هتبقى فنادق، الدولار هيدخل، بس المواطن مش شايف فرق”.
التطوير سيرفع أسعار العقارات بالمنطقة
أمام المبنى الخاوي، يقف سايس جراج يُدعى محمد (25 عامًا)، ويقول: "أعيش بالقرب من الوزارة، كانت أيام الثورة مقفولة، ماكنش حد يقدر يعدي من جنبها" في إشارة على هيبة هذا المبنى.
يتابع: “عملية التطوير ستحوِّل المكان إلى فندق”، مواصلًا حديثه بابتسامة: “الفندق هيبقى قدام بيتنا وعندي أمل أشتغل فيه”، قبل أن يشير بيده إلى عقار مجاور ويقول: "صاحبه منتظر انتهاء بناء الفندق ليبيع العقار بأعلى سعر".

القرار الرسمي.. مجمع سياحي متكامل
ويبدو أن هذه الروايات الشعبية لها أصداء في البيانات الرسمية، فبعد انتقال وزارة الداخلية إلى مقرها الجديد بمنطقة التجمع الخامس، قررت الحكومة، بالتعاون مع صندوق مصر السيادي، تحويل مقر لاظوغلي إلى مجمّع فندقي وسياحي متكامل.
المشروع، وفقًا لوزارة الاستثمار، يشمل فندقًا تحت إدارة ماريوت العالمية، وشققًا فندقية، ومساحات ثقافية وتجارية وإدارية، إلى جانب مرافق ترفيهية، مع الحفاظ على الطابع التاريخي للمكان، ودمج سبيل شريف باشا الأثري الذي يعود إلى عام 1913 ضمن المخطط العام.
ومن المقرر أن يوفر المشروع نحو 3 آلاف فرصة عمل مباشرة، و10 آلاف غير مباشرة، على أن يتم إنجازه خلال النصف الأول من عام 2027.

مجمع التحرير.. من خدمة الناس إلى فندق فاخر
غير بعيد، يقف مجمع التحرير بلونه الباهت ونوافذه الخاوية، شاهدًا على تحوّل مشابه.. المبنى الذي كان ذات يوم قلب الخدمات الحكومية، يجري تحويله الآن إلى فندق عالمي يحمل اسم "كايرو هاوس"، تحت إدارة “ماريوت - أوتوغراف كوليكشن”.
أمام المبنى، الذي يعود تاريخه إلى عهد الملك فاروق بتصميم المهندس محمد كمال إسماعيل وافتتح في عام 1951 كمركز لكافة المصالح الحكومية، تنتشر بقايا حطام ورمال متناثرة، آثار لما كان وما لم يكتمل، وتمتد حديقة واسعة بمحاذاته، حيث يتنزه الناس في هدوء، ويجري الصغار وهم يلعبون ضاحكين.
وعلى مقربة من المبنى التاريخي العريق، يقف عامل نظافة أمام المجمع القريب من مسجد عمر مكرم، ويقول إن وجود المجمع كان يسهل على الناس كل شيء: “هنا كانت كل المصالح الحكومية متاحة، مثل الجوازات، وتصاريح السفر، ووزارة التربية والتعليم، الكل كان بييجي يخلّص الورق من هنا، ودلوقت كل دا اتنقل للعاصمة الجديدة”.
ويتوّقع العامل البسيط أن يكون هناك تأثير إيجابي لعملية التطوير التي تُجرى في مجمّع التحرير: “سيوفر فرص عمل للشباب، المكان سيتغير كليًا للأفضل والحياة تسير”.

المشروع الجديد لتحويل المجمع إلى فندق، تقوده شركة “كايرو هاوس إيجيبت” بتحالف دولي أمريكي-إماراتي، وحصل على تمويل بنكي بنحو 312 مليون دولار، ويضم 500 غرفة فندقية وشققًا فاخرة، ومطاعم ومرافق ترفيهية، من بينها مسبح مطل على ميدان التحرير.
ورغم التأخيرات التي شهدها التنفيذ، فإن المشروع يعد حجر زاوية في خطة الدولة لزيادة الطاقة الفندقية وجذب النقد الأجنبي، وفقًا للبيانات الرسمية.

أرض الحزب الوطني.. معركة على أغلى متر في مصر
إلى جوار ذلك، تتجه الأنظار إلى أرض الحزب الوطني، الممتدة على مساحة 16 ألف متر مربع، والمطلة على النيل مباشرة وميدان التحرير، الموقع، الذي ظل خاليًا منذ جرى هدم المبنى عام 2014.
وعن تاريخ مبنى الحزب المنحل فقد أنشيء في خمسينيات القرن الماضي ووضع تصميمه المهندس محمود رياض، وهو نفس المهندس الذي وضع الرسوم الهندسية لمجمّع التحرير، ليصبح مقرًا لبلدية القاهرة والجيزة.
وهذا المبنى شغلته محافظة القاهرة لفترة قبل أن يصبح مقرًا للاتحاد الاشتراكي في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حتى استقر الأمر على أن يكون مقرًا للحزب الوطني الديمقراطي (الحزب الحاكم وقتذاك) عند تأسيسه في السبعينيات بقرار من الرئيس الراحل أنور السادات، ليصبح رمزًا للسلطة حتى احترق المبنى في جمعة الغضب 28 يناير 2011 قبل هدمه في 2014.

ما هو المخطط لأرض الحزب الوطني؟
وفقًا للبيانات الرسمية، تلقت الحكومة ممثلة في "صندوق مصر السيادي" قبل أسابيع، عروضًا من 11 تحالفًا استثماريًا تتنافس على تطوير أرض الحزب الوطني المنحل في قلب العاصمة.
التحالفات المتنافسة تضم مستثمرين إقليميين إلى جوار آخرين محليين منها شركات تقدمت في وقت سابق للمشروع نفسه قبل إعادة طرحة، ومن المقرر أن تحسم الحكومة التحالف الفائز خلال أيام، بحسب مصادر حكومية رسمية لـ"تليجراف مصر".
وفي مارس 2024 مر مشروع تطوير أرض الحزب الوطني بمرحلة حاسمة عندما تم نقل ملكية الأرض إلى شركتين تابعتين للصندوق السيادي المصري، هما: "نايلوس" للخدمات الفندقية والتجارية، و"نايلوس" للخدمات السكنية، لإنشاء برجين أحدهما فندقي والآخر سكني. يضم البرج الأول وحدات فندقية وإدارية وتجارية بارتفاع 75 طابقًا، أما الثاني فتم تخصيصه لإقامة برج سكني يضم 446 وحدة سكنية فاخرة بارتفاع 50 طابقًا.
ومن المخطّط تطوير أرض الحزب الوطني بنظام المشاركة في الإيرادات بين صندوق مصر السيادي (مالك الأرض) والتحالف المنفذ للمشروع، الذي يستهدف إنشاء برجين، أحدهما فندق فئة 5 نجوم بارتفاع 75 طابقًا، والآخر إسكان فندقي فاخر بارتفاع 50 طابقًا، بإجمالي استثمارات تقارب 5 مليارات دولار.

تطوير منطقة وسط البلد بالكامل
وقبل أيام كشف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن حصر بكافة المباني الحكومية في منطقة وسط البلد بعد نقل الموظفين خارج القاهرة، وتقدم عدد من المستثمرين لاستغلال المباني في أنشطة فندقية وسياحية وإدارية حديثة بهدف توفير آلاف فرص العمل، مشيرًا إلى أن كافة المباني الحكومية تم نقلها إلى صندوق مصر السيادي لتعظيم الاستفادة منها لإتاحة هذه المباني بالشراكة مع القطاع الخاص دون بيع المباني.

وأضاف مدبولي: “المباني مملوكة للدولة لكن هو حق استغلال وحق انتفاع يقوم المستثمر بالتطوير مع وجود نسبة للدولة من العائد من هذا التطوير ويقوم المستثمر بالإنفاق على عملية التطوير بالكامل وهو ملتزم ومسؤول عن حضور العلامات التجارية للفنادق الكبرى”.
وأوضح رئيس الحكومة أن هناك نقاشًا دائمًا مع مجموعات استثمارية كبيرة بهدف إشراك أكبر حجم من المستثمرين مع بعض، بالتالي يتم مناقشة العروض والتحرّك في هذا الشأن.
هكذا تطوي وسط القاهرة صفحة “الأختام والبيروقراطية” لتفتح دفتر “الاستثمار والضيافة”، مراهنةً على أن تتحول جدران لاظوغلي ومجمع التحرير الصامتة من رموز للسلطة إلى محركات للحياة تجذب العالم لقلب المحروسة.
اقرأ أيضًا:
خير ينتقد اسم "أوتوجراف كولكشن" للمنتجع الجديد بمجمع التحرير
إحياء وسط البلد.. "مجمع التحرير" من رمز للبيروقراطية لوجهة سياحية
المقر التاريخي لـ"الداخلية" يودّع لاظوغلي، ما طبيعة المشروع الاستثماري الجديد؟
الحكومة تتلقى 11 عرضًا لتطوير أرض الحزب الوطني في ميدان التحرير
الأكثر قراءة
-
جامعة هارفارد توصي بعدم الاستحمام يوميًا، هناك مخاطر صحية
-
رابط الاستعلام عن نتيجة مسابقة الأزهر لحفظ القرآن الكريم 2026
-
ليلة رأس السنة، حريق هائل يلتهم كنيسة تاريخية في أمستردام
-
أحمد الصبيحي رئيسًا لتحرير برنامج "صناع التأثير" بقناة المحور
-
"فاض بي ونفسيتي اتدمرت"، أول تعليق من والدة طفل كفر الشيخ المختطف
-
هل يوجد أمطار غدًا الجمعة 2 يناير 2026؟، تعرف على حالة الطقس المتوقعة
-
رحيل الإعلامية نيفين القاضي بعد أسابيع من تعرضها لوعكة صحية
-
باليوم والشهر، إنستاباي يطلق ميزة جديدة لمتابعة حدود التحويل البنكي
أخبار ذات صلة
مستشفى الرمد بأسيوط يفتح نافذة الأمل لمرضى العيون
01 يناير 2026 05:00 م
مصحات مخالفة وأسرّة لا تكفي، القصة الكاملة لأزمة علاج الإدمان في مصر
01 يناير 2026 12:40 م
نفاق أم توبة؟، وصايا المطربين بحذف أغانيهم بعد الوفاة تثير الجدل
31 ديسمبر 2025 08:43 م
البحيرة تعتمد الذهب الأخضر، "الأزولا" أرخص وأغنى علف في مصر
31 ديسمبر 2025 10:36 ص
أكثر الكلمات انتشاراً