لومومبا وعبد الناصر، حكاية تحرر أفريقي بدأت في الكونغو ودعمتها القاهرة
عبد الناصر و لومومبا
لم يكن المشهد عابرًا في مباريات منتخب الكونغو خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية المقامة في المغرب، حيث يقف مشجع طوال اللقاءات دون جلوس، في لافتة صامتة لكن دلالتها كانت أعمق من التشجيع.
وقوف المشجع كان تكريما موجهًا لاسم لا يغيب عن ذاكرة أفريقيا، باتريس لومومبا، المناضل الذي تحوّل من جديد إلى أيقونة للبطولة، وأعاد إلى الواجهة أفكار التحرر ومقاومة الاستعمار، من قلب ملاعب الكرة إلى فضاء مواقع التواصل الاجتماعي.

زعيم خرج من رحم المعاناة
برز باتريس لومومبا كأحد أبرز القادة القوميين في أفريقيا، وقاد حركة مقاومة شرسة ضد الاستعمار البلجيكي في بلاده، وفي 24 يونيو 1960، أصبح أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية، حاملاً مشروعًا وطنيًا يقوم على السيادة ووحدة البلاد.

لكن طريق الاستقلال لم يكن مفروشًا بالورود، سرعان ما واجه لومومبا تمردات داخلية وحركات انفصالية مدعومة خارجيًا، في محاولة لإجهاض التجربة الوليدة للدولة الجديدة.

مصر تدخل المشهد
في خضم هذه الاضطرابات، لجأ لومومبا إلى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان رمزًا عالميًا لحركات التحرر الوطني، وفي عام 1960، استجاب عبد الناصر لطلب رئيس وزراء الكونغو، وأرسل كتيبة مظلات مصرية بقيادة العقيد سعد الدين الشاذلي ضمن القوات الدولية في الكونغو، دعمًا لوحدة الدولة ومواجهة النزعات الانفصالية.
كانت تلك الخطوة تعبيرًا واضحًا عن الدور المصري الداعم لحركات التحرر الأفريقية، ورسالة سياسية بأن القاهرة لم تكن بعيدة عن قضايا القارة.
اغتيال الزعيم
لم يمض وقت طويل حتى تحققت مخاوف لومومبا، فقد تورطت المخابرات البلجيكية، بالتعاون مع عملاء محليين، في اغتياله مع أحد مرافقيه، في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في أفريقيا، حيث جرى إذابة جثمانيهما في حامض قاتل لإخفاء معالم الجريمة.
ورغم علمه بالمصير الذي ينتظره، رفض لومومبا مغادرة بلاده، وقال لمن نصحوه بالرحيل: "أنا أعرف أنهم سيقتلونني، لكني لن أغادر، كل ما أريده أن أُخرج عائلتي من دائرة الخطر".
قرار إنقاذ الأسرة
اقترح مقربون من لومومبا أن تنتقل أسرته إلى مصر، تحت حماية جمال عبد الناصر، قائلين له: "هو صديقنا، يحمل نفس الفكر التقدمي، وبلاده مستقرة".
وافق لومومبا على أن يتكفل رجل لا يعرفه شخصيًا بأسرته، فقط لأنهما يشتركان في العداء للاستعمار، ووصلت رسالة الاستغاثة إلى القاهرة، ولم يتردد عبد الناصر.
أصدر الرئيس المصري أوامر مباشرة إلى العقيد سعد الدين الشاذلي بتأمين وإجلاء عائلة الزعيم الكونغولي على وجه السرعة، ونقلهم إلى مصر.

رحلة الهروب إلى القاهرة
تولى الشاذلي تنفيذ المهمة بسرية تامة، حيث نقل أبناء لومومبا داخل سيارة إلى أحد المباني التابعة لمصر في الكونغو، ثم تم تهريبهم عبر المطار، متنقلين بين عدة دول، حتى وصلوا إلى القاهرة.
وصل ثلاثة من الأبناء أولًا: فرانسوا، باتريس، وجوليانا، بينما بقيت والدتهم في الكونغو مع طفل رضيع هو رولان، لم يتجاوز عامه الثاني آنذاك، قبل أن يلتحقا بهم لاحقًا في مصر، واستقرت الأسرة في القاهرة، خاصة وأن والدة الأبناء كانت مصرية.

لومومبا في شوارع الإسكندرية
لم يتوقف التكريم عند إنقاذ الأسرة، ففي مدينة الإسكندرية، كان هناك شارع يحمل اسم "بلجيكا"، ليقرر الرئيس جمال عبد الناصر تغييره إلى شارع باتريس لومومبا، تخليدًا لذكرى المناضل الذي قاوم الاستعمار البلجيكي حتى النهاية.

يطل الشارع على حدائق الشلالات، ويمتد بممر من النخيل ينتهي عند بوابة استاد الإسكندرية، ويتوسطه مقام وضريح سيدي الزهري، ليصبح المكان شاهدًا على تداخل الجغرافيا بالتاريخ والنضال.
من الماضي إلى المدرجات
اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على اغتياله، يعود اسم باتريس لومومبا من جديد، ليس عبر كتب التاريخ فقط، بل من مدرجات كرة القدم. مشجع يقف احترامًا، وذاكرة أفريقية تستعيد أحد أنقى رموزها.
الأكثر قراءة
-
بصاروخية فالفيردي، ريال مدريد يتقدم على أتلتيكو في الشوط الأول
-
"لو راحل تعالالي وأنا أوريك".. كواليس إطلاق رجل أعمال النار على مدير جولدن جيم (خاص)
-
"بوب مارلي الأقصر"، حسان أحمد سائق "توكتوك" يجذب السائحين بطريقة ذكية
-
شقيق "الديزل" ضحية رجل الأعمال: "فتح رأس اخويا وضربه بالنار عشان 5 عيال"
-
رحل الإعلامي وبقي الإنسان.. وائل الإبراشي في ذاكرتنا
-
أمن سوهاج يكشف حقيقة وجود شبهة جنائية وراء رحيل "رضيعة طهطا"
-
من أبناء سوهاج، غرق شابين أثناء السباحة في ترعة توشكى بأسوان
-
عزيزي رامي عياش.. تأدب حتى نراك!
أخبار ذات صلة
بعد قطع الإنترنت.. احتجاجات واسعة في إيران وامتداد المظاهرات إلى عدة مدن
09 يناير 2026 02:29 ص
زيارة آمنة للمتحف المصري الكبير.. روشتة حماية شاملة ضد مواقع بيع التذاكر الوهمية (خاص)
09 يناير 2026 01:34 ص
وهبتله وقتها وغنتله.. مواقف في حياة فيروز تعكس حبها لابنها هلي الرحباني
09 يناير 2026 01:28 ص
بأمر عبدالناصر، أسرة لومومبا تروي رحلة النجاة من الرصاص إلى عائلة عبدالعزيز
08 يناير 2026 06:38 م
مفاجأة، سفينة النفط الروسية المحتجزة من أمريكا رست 498 ساعة في مصر (تفاصيل الرحلة)
07 يناير 2026 07:58 م
بعد ظهور المشجع التمثال، كيف تناولت السينما حياة المناضل الكونغولي؟
07 يناير 2026 06:13 م
المصريون حائرون بين "نقد" الحكومة و"زيتها"، من يروّض الغول؟
06 يناير 2026 05:09 م
أزمة مراقبين تضرب الثانوية العامة مبكرا، المكافآت تهدد بكالوريا "عبد اللطيف"
06 يناير 2026 03:46 م
أكثر الكلمات انتشاراً