الإثنين، 23 فبراير 2026

11:59 م

من النيل إلى الفرات… ما ثمن تنفيذ سيناريو "إسرائيل الكبرى"؟

“إسرائيل لها الحق التوراتي في هذه الأرض".. لم تعد تلك العبارة مجرد نبؤة توراتية بل صارت تُقال في مؤتمرات سياسية.. ويصرح بها علنا قيادات غربية.

والسؤال الأخطر: من يملك حق تفسير النصوص التوراتية ؟ وهل تحوّلت نصوص قديمة إلى أدوات في صراع جيوسياسي معاصر؟

تكييف النص التوراتي!

“إسرائيل لها الحق التوراتي في السيطرة على هذه الأرض، وهي مسؤولية دينية وأخلاقية امتدت عبر القرون.”

قالها صراحة ،مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل.. هذا التصريح يمثل نموذجًا للخطاب السياسي الحديث الذي يستند إلى التأويل الديني، ويعيد إنتاج النصوص القديمة في سياق سياسي معاصر.

الحديث عن " إسرائيل الكبرى أو الأرض الموعودة".. يستند لنصوص توراتية في سفر التكوين (15:18):

«لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ».

ويتكرر المعنى في سفر يشوع (1:4):

«مِنَ الْبَرِّيَّةِ وَلُبْنَانَ هذَا إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ… تَكُونُ تُخُومُكُمْ».


بحسب بعض القراءات التوراتية المتشددة، فالأراضي الموعودة لا تقتصر على الضفة الغربية وفلسطين التاريخية، بل تمتد شرقًا لتشمل أجزاء من مصر، الأردن، العراق، سوريا، والسعودية.

لكن تفسير مفهوم “الأرض الموعودة” يختلف حسب المدراس الدينية اليهودية:


    *اليهودية الأرثوذكسية المتشددة : تعتبر أن إقامة الدولة قبل مجيء “المسيح” تدخل في عمل بشري خاطئ، ولا يجوز تفسير النصوص لتبرير الاحتلال الحديث.

    *اليهودية الصهيونية الدينية : ترى أن إقامة الدولة الحديثة جزء من خطة إلهية، والاستيطان واجب ديني لتحقيق الوعد، مثل حركة غوش إيمونيم.

*اليهودية الإصلاحية أو الليبرالية: تفسر النصوص بشكل رمزي أو أخلاقي، ولا ترى في الحدود الجغرافية للتوراة أي إلزام سياسي.

*اليهودية التقليدية غير السياسية: تركز على البعد الروحي للنصوص، ولا تربطها بالسياسة أو التوسع على الأرض.

وإذا كانت التفسيرات اليهودية نفسها "متضاربة وغير متوافقة".. بشأن تفسير النص التوراتي.. فلماذا يتحدث بعض المسؤولين علنا عن " الحق التوراتي".. وكأنه وعد إلهي لا مفر من تنفيذه؟!

 

تحالف الصهيونية المسيحية واليمين الإسرائيلي

التيار الإنجيلي الأمريكي يرى أن إعادة اليهود إلى أرض إسرائيل شرط لعودة المسيح.

تحالفهم مع اليمين الإسرائيلي ليس سياسيا فقط، بل عقائديا.. فكل دعم استيطاني أو اعتراف بالقدس يمثل جزءا من سيناريوهات تقود إلى نهاية الزمان.

هذا التيار يرى في قيام إسرائيل عام 1948 تحقيقًا لنبوءات توراتية، ويعتبر دعمها واجبًا دينيًا يمهّد لعودة المسيح في آخر الزمان.

وفق هذه الرؤية، فإن قيام إسرائيل شرط تمهيدي لعودة المسيح.. ثم هداية اليهود واعتناقهم المسيحية.

بمعنى آخر، الدعم هنا ليس مجرد تحالف سياسي تقليدي، بل حلقة في سردية دينية كبرى.

تديين الاحتلال؟!

بعد حرب 1967، برزت حركة غوش إيمونيم باعتبارها التعبير الأوضح عن هذا التحول.

الحركة، التي تأسست عام 1974، رأت في السيطرة على الضفة الغربية تنفيذًا لوعد توراتي، لا مجرد نتيجة حرب.
استندت إلى فكر الحاخام تسفي يهودا كوك، امتدادا لأفكار والده الحاخام أبراهام كوك حول قدسية الأرض ودورها في المشروع الإلهي.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد الاستيطان ملفًا أمنيًا فحسب، بل بات لدى بعض التيارات جزءًا من عقيدة سياسية.

في السنوات الأخيرة، عبّر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش صراحة عن هذا المنحى، متحدثا عن “أرض إسرائيل الكاملة” بوصفها حقا تاريخيا ودينيا، ورافضا إقامة دولة فلسطينية باعتبارها تنازلا عن وعد توراتي.

وبناء على تفسيرات النص التوراتي توسعت إسرائيل بالفعل واحتلت:

القدس الشرقية التي ضُمت عام 1967، ومساحتها حوالي 70 كم².

الضفة الغربي حيث تسيطر إسرائيل على حوالي 60%.

وعلى الحدود مع الأردن، تم تعزيز الوجود العسكري في المناطق الحدودية الشمالية والشرقية للضفة الغربية بعد حرب 1967.

رسميا ضمت إسرائيل مرتفعات الجولان السورية عام 1981، وتمتد حوالي 1,200 كم².

   رغم عدم وجود حدود مباشرة بين إسرائيل والعراق، نفذت تل أبيب عمليات استخباراتية وعسكرية عبر الطائرات دون طيار والطائرات المقاتلة لضرب مواقع تهديد محتملة في بلاد الرافدين.
 

مصر في مواجهة "إسرائيل الكبرى"!

مصر، باعتبارها قوة إقليمية رئيسية على حدود فلسطين وغرب الأردن، تقف بوضوح ضد أي محاولة لتطبيق مشروع “إسرائيل الكبرى”، سواء سياسيًا أو عسكريًا.

الموقف المصري يدعم:
    •    استقرار الحدود مع إسرائيل.

    •    الحفاظ على السيادة الفلسطينية في الضفة الغربية.

    •    رفض أي تفسيرات دينية لتبرير الاحتلال.

وبالتالي فالموقف المصري واضح: أي مشروع توسعي يعتبر تهديدا مباشرا للأمن القومي.. وسيناء ليست مجرد منطقة حدودية، بل تمثل عمقا دفاعيا حيويا.

بالتأكيد فأي مشروع توسعي إسرائيلي، يمثل لدى مصر تهددا للتوازن الأمني الإقليمي، ما يدفع الجيش المصري لإعادة تقييم قواعد الاشتباك الاستراتيجية.

    وهنا يتحول الملف من سياسي إلى عسكري، لأن منع فرض هذا السيناريو يتطلب جاهزية ميدانية حقيقية.

ومصر لا تتحرك فقط بدافع الرفض السياسي، لكنها تمتلك أدوات ردع فعلية:

    •    جيش يعد من الأكبر في المنطقة.

    •    قوات جوية وبحرية قادرة على فرض توازن في شرق المتوسط.

    •    شبكة تحالفات إقليمية ودولية توازن أي اندفاع أحادي.

بالتالي، الرسالة الضمنية هي:
السلام خيار استراتيجي… لكن تغيير الخرائط بالقوة.. خط أحمر.


ما الثمن؟!

الأرض الموعودة لم تعد مجرد وعد ديني يُتداول في الكتب، بل تحولت في بعض الخطابات إلى أداة تعبئة سياسية، تُستخدم لحشد الداخل، وتعزيز تحالفات أيديولوجية عابرة للحدود، وخلق غطاء رمزي لتحركات على الأرض.

لكن بين الرمزية والواقعية تقف معادلات القوة.. وهناك دول لها جيوش، وحدود مستقرة منذ عقود، وعقائد أمن قومي لا تقبل إعادة تعريف الجغرافيا وفق "النبؤات التوراتية".

وأي محاولة لتنفيذ سيناريو “إسرائيل الكبرى".. يعني  إعادة فتح كل ملفات الحدود، والسلام، والتوازنات العسكرية في الشرق الأوسط.

والسؤال الذي يتجاهله أنصار هذا الطرح هو:

إذا تحولت الرمزية إلى واقع…
وإذا استُدعيت الخرائط الدينية إلى ميدان القوة…فما الثمن الذي ستدفعه إسرائيل؟!

search