الأربعاء، 04 مارس 2026

03:13 ص

ضرب إيران… حرب جيوسياسية أم بروفة إسرائيل الكبرى؟

قبل أي ضربة عسكرية، تُصاغ الرواية.  وفي المواجهة بين إسرائيل وإيران، لا يتحرك السلاح وحده… بل تتحرك النصوص الدينية أيضا.

السبت… حين يتقدم الأمن على الطقس

السبت (الشبات) يوم عطلة مقدس في الشريعة اليهودية، لكن وفق مبدأ “بيكوح نفش” (إنقاذ النفس) يُسمح بتجاوز أحكام السبت إذا وُجد خطر يهدد الحياة.

وهذا ليس تنظيرا دينيا فقط.. لكن واقع حدث أكثر من مرة.

تنفيذ الضربات يوم سبت.. يعكس تعريف المعركة كملف بقاء لا يحتمل التأجيل.

وعندما تُعرّف الحرب كـ “خطر وجودي”، تصبح كل الأدوات السياسية والدينية.. جزءا من السردية التعبوية.

من الردع النووي إلى لغة النبوءات

داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو، توجد تيارات دينية متطرفة لديها نفوذ واضح.

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تحدث أكثر من مرة عن “أرض إسرائيل الكاملة”، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يستخدم خطابًا يستند إلى المرجعية التوراتية في توصيف الأرض.

وعندما تحمل العملية اسما مثل “زئير الأسد”، فالمسألة لا تتوقف عند اختيار دعائي عابر.

في التراث العبري، الأسد ليس حيوانا رمزيا فقط… بل علامة سيادة وقوة إلهية.

في سفر عاموس 3:8: "الأسد قد زأر، فمن لا يخاف؟".

النص هنا لا يتحدث عن حيوان… بل عن إعلان إلهي يستبق الحدث.

الزئير في السياق التوراتي يعني أن القرار صدر، وأن الخوف نتيجة طبيعية للهيبة.

وفي سفر التكوين 49:9: "يهوذا جرو أسد… من فريسة صعدت يا ابني… جثا وربض كأسد، وكلبؤة، من ينهضه؟".

رمز الأسد ارتبط بسبط يهوذا الذي يُنسب إليه الملوك في التقليد اليهودي، كدلالة على الحكم والسيادة والاستمرارية.

ثم يظهر البعد الأخطر في سفر إشعياء 31:4: "كما يزمجر الأسد والشبل على فريسته… كذلك ينزل رب الجنود ليحارب".

الزمجرة هنا مقترنة بالحرب ذاتها.

وبالتالي فالرسالة من الاسم تحمل شحنة رمزية عميقة في الوعي الديني العبري.

عقدة 10 رمضان… الذاكرة كسلاح ردع

10 رمضان 1393هـ – الموافق 6 أكتوبر 1973 – ليس تاريخًا عسكريًا فقط، بل نقطة تحوّل نفسية في الصراع العربي الإسرائيلي.

في ذلك اليوم عبر الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف، وأسقط عمليا وميدانيا أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.

وحين يتزامن تصعيد مع ذكرى 10 رمضان، فالأمر يُقرأ في ثلاثة مستويات:

 عسكريا: رسالة بأن عنصر المفاجأة لم يعد حكرًا على طرف.

نفسيا: محاولة إعادة ضبط ميزان الردع المعنوي.

رمزيا: صراع على الذاكرة بقدر ما هو صراع على الجغرافيا.

“فارس” في النصوص… وإيران في الجغرافيا

إيران تُعرف تاريخيا باسم بلاد "فارس".

في سفر إشعياء 45:1 يُذكر الملك كورش الفارسي بوصفه أداة لتحقيق مشيئة إلهية: "هكذا يقول الرب لمسيحه، لكورش..".

لكن في سفر حزقيال 38–39، تُذكر “فارس” ضمن تحالف 
تقوده قوى شمالية "جوج" في معركة مستقبلية كبرى.

هذا التباين يجعل حضور إيران في المخيال الديني معقدًا.

وهنا يتداخل البعد الإنجيلي الأمريكي، حيث يرى تيار واسع في الولايات المتحدة أن صراعات الشرق الأوسط تمهد لأحداث واردة في سفر الرؤيا.

هذا لا يعني أن واشنطن تتخذ قراراتها بناءً على سفر الرؤيا،
لكن لا يمكن تجاهل أن النبؤات الدينية جزء من أدوات الصراع.

الصهيونية المسيحية… البعد الأمريكي المؤثر

في الولايات المتحدة، تيار إنجيلي واسع يربط قيام إسرائيل بنبوءات واردة في سفر الرؤيا.

الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش استخدم تعبير “محور الشر” في توصيف إيران، وهو تعبير له جذور لاهوتية.

والرئيس دونالد ترامب عزز التحالف مع إسرائيل عبر الاعتراف بالقدس عاصمة لها ونقل السفارة الأمريكية.

هل يعني ذلك أن القرار العسكري الأمريكي ديني؟ الإجابة لا ليس بالضرورة.

لكن لا يمكن تجاهل أن البيئة السياسية الأمريكية تضم تيارا مؤثرا يرى صراعات الشرق الأوسط عبر عدسة دينية.

….

ماذا بعد سقوط نظام الملالي؟

التجربة تؤكد أن إسقاط الأنظمة لا يعني استقرارا… بل غالبا إعادة توزيع للفوضى.. وإيران ليست دولة هامشية.

    عدد سكانها يقارب 85 مليون نسمة.

ووفق تقديرات دولية، فميزانيتها العسكرية تتجاوز 10–15 مليار دولار سنويا.

إيران تمتلك برنامجا صاروخيا متطورا، ومخزونا كبيرا من الصواريخ الباليستية.

    لاعب مؤثر في المنطقة عبر شبكة حلفاء في العراق وسوريا ولبنان واليمن، أبرزهم حزب الله.

وسقوط النظام قد يقود لعدة تداعيات على المنطقة:

    1.    فراغ أمني في الخليج.

    2.    اضطراب في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.

    3.    ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالميا.

    4.    تفكك داخلي محتمل بين قوميات متعددة (أكراد، أذريين، عرب، بلوش).

إذا سقط النظام في إيران، فالسؤال ليس: من يحكم طهران؟.. لكن: هل تبقى إيران دولة متماسكة؟

إيران دولة متعددة القوميات:
    •    فرس
    •    أذريون
    •    أكراد
    •    عرب
    •    بلوش

الدولة المركزية اليوم يربطها عاملان رئيسيان:

    1.    قبضة أمنية يقودها الحرس الثوري.

    2.    أيديولوجيا ثورية عابرة للحدود.

انهيار المركز قد لا يعني انتقالا ديمقراطيا سلسا ..بل احتمال تشكّل كيانات إقليمية قوية عسكريا، لكن متصارعة سياسيا.

في ميزان القوى الإقليمي، وجود دولة بحجم إيران يشكّل قطبًا موازنًا لـ إسرائيل.

لكن تفككها إلى أقاليم قوية متناحرة يخلق:

    •    غياب تهديد مركزي موحد

    •    استمرار صراعات داخلية تستنزف الجميع

    •    انشغال كل كيان بأمنه الداخلي.

في هذا السيناريو، لا تحتاج أي قوة خارجية لاحتلال الأرض…
يكفي أن تُدار التوازنات من الخارج.. وهنا يظهر النص التوراتي من جديد.

في سفر دانيال 2:41–43:
"وتكون المملكة منقسمة… ويختلطون بنسل الناس، ولكن لا يلتصق هذا بذاك كما لا يختلط الحديد بالخزف".

الرمز هنا يشير إلى كيانات قوية لكنها غير قابلة للاندماج.

وبعض القراءات اللاهوتية الحديثة ترى أن تفكك التحالفات الإقليمية جزء من مشهد صراعي أكبر.

هذا النموذج أقرب لما حدث في العراق بعد 2003، أو في ليبيا بعد 2011..لكن على نطاق أكبر وأخطر.. حيث ينتج شرق أوسط دائم التوتر… بلا حرب شاملة، وبلا سلام مستقر.
…..

السؤال الأخطر!

الخطر ليس في النصوص الدينية بحد ذاتها…
بل في توظيفها سياسيًا داخل لحظة صراع جيوسياسي حاد.

وفي اللحظة التي تتحول فيها الحروب إلى مشاريع "خلاص عقائدية".. ترسم ملامحها "الفوضى"..تطبيقا للتنبؤات الدينية والنصوص التوراتية.. تصبح "إسرائيل الكبرى".. أقرب مما كنا نظن.

والسؤال يبقي: إذا سقط النظام في إيران… هل نشهد فراغا يولد فوضى؟ أم إعادة ترتيب إقليمي يقود لدولة توراتية مزعومة تحت مسمى "إسرائيل الكبرى"؟!

search