باب رزق كريم رغم الظلام القاتم.. مكفوفون يبدعون في صناعة البامبو بإتقان ودقة مذهلة
مكفوفون يصنعون البامبو
في مكان لا تقاس مساحته بالمتر أو بالعدد بل بالإرادة، يجلس عدد من المكفوفين وضعاف البصر، بأنامل ذهبية حول عيدان البامبو، لا يرونها بأعينهم لكنهم يحفظون تفاصيلها بأطراف أصابعهم عن ظهر قل، ليحولوها من خامة صامتة إلى مجسمات تنبض بالحياة، ومن فراغ قاتم إلى باب رزق كريم، حيث تتحول العتمة إلى حرفة، واليأس إلى مهارة، والانتظار إلى إنتاج.

جمعية دنيتنا في الإسكندرية
جمعية دنيتنا في الإسكندرية والتي استقطبت المكفوفين من كافة المحافظات المصرية، تجلب أعواد البامبو، وتنظم ورش عمل للمكفوفين، بواسطة مدربين مكفوفين، لتعليم فاقدي البصر هذه الحرفة الصعبة والفنية الجميلة.

البوصلة تتجه صوب النجاح
نادية صفوت، إحدى الشابات المكفوفات، مدربة لفن البامبو، تقول إن حبها للأعمال اليدوية كان بوصلتها الأولى، حيث احترفت صناعة البامبو منذ عدة أعوام، لتجد في هذه الحرفة مساحة للتعبير عن موهبتها، قبل أن تتحول من متدربة إلى مدربة، تقوم اليوم بتعليم الفتيات المهنة نفسها، مؤكدة أن البامبو لم يكن مجرد حرفة بل نافذة أمل، استطاعت من خلالها أن تنفع نفسها وغيرَها، وأن تشعر بقيمتها وقدرتها على العطاء.

فتح باب للرزق
وتضيف نادية بصوت كله أمل وثقة: “هذه الحرفة أعادتني إلى نفسي، فالبامبو أنقذني من العزلة ومن الإحساس بأني عبء على الآخرين، وأنا حين أنتهي من قطعة أشعر أنني استعدت جزءًا من قوتي وأن تدريبي للفتيات اليوم يمنحني إحساسًا مضاعفًا بالمسؤولية والفرح، لأنني لا أصنع منتجات فقط، بل أفتح طريقًا لغيري”.

وتتابع نادية: “الجمعية غيرت نظرتي للحياة، العمل اليدوي جعلني أكثر صبرًا وأقوى نفسًا، البامبو علمني كيف أتحكم في أدق التفاصيل دون أن أراها، وأن هذا الشعور بالسيطرة على الخامة منحني ثقة لم أعرفها من قبل، وأخرج مواهبي من الظل إلى الضوء”.

سوق عمل واعد
سمير أحمد يوسف، رجل كفيف يقول: “سوق العمل كان يبدو مغلقًا في وجهي، والخيارات كانت محدودة وقاسية، لكن الورشة داخل الجمعية منحتني فرصة حقيقية، تعلمت مهنة وأتقنتها وتفوقت فيها، حتى أصبحت أشعر لأول مرة أن لي مكانًا ودورًا، وأن جهدي يتحول إلى منتج يقدر ويباع”.
ويتحدث سمير عن انتقاله من الملل والعزلة إلى الانشغال الخلاق، ويقول: “العمل في البامبو أخرجني من دائرة الفراغ القاتل، ومن الإحساس بالظلام الذي لا علاقة له بالبصر، بل بالجدوى”، موضحًا أن كل قطعة يصنعها تمنحه إحساسًا بالإنجاز والاستقلال، وتؤكد له أن فقدان البصر لا يعني فقدان القدرة.

ويضيف سمير أن “الظلام الحقيقي لم يكن فقدان البصر، بل الفراغ، هذه الحرفة انتشلتني من الوحدة، وأنا صرت أستيقظ كل يوم وأنا أعرف لماذا أنهض، لأن هناك قطعة لم تكتمل، وطلبية تنتظر، وحلما صغيرًا يكبر مع كل مجسم بامبو أنجح في تشكيله”.
ويتحسس أحد أعواد البامبو، ويقول: “العمل في البامبو علمني النظام والدقة، صرت أرى النجاح بشكل مختلف”، موضحًا أنه لم يعد ينتظر شفقة أو فرصة عابرة، بل يصنع فرصته بيده، ويضيف أن كل قطعة تخرج متقنة تجعله يشعر أنه موجود ونافع، وأنه قادر على المنافسة لا على الهامش.

خدمة المكفوفين ودمجهم في المجتمع
وتؤكد حنان حشيش رئيس جمعية دنيتنا، أن هدفها الأساسي هو خدمة المكفوفين ودمجهم في المجتمع بوصفهم جزء أصيل من نسيجه، من خلال تقديم تدريبات عملية على صناعة البامبو، تحت إشراف مدربين مكفوفين أيضًا، في تجربة تعكس معنى التمكين الحقيقي، حيث يتعلم المتدربون كيف يعتمدون على أنفسهم، ويفتحون لأنفسهم أبواب رزق مستقلة.
وتتتابع حشيش يتم تسويق منتجات الجمعية عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب المشاركة في معارض مميزة، حيث تلقى المجسمات وأواني وسلال البامبو إقبالاً واسعاً وإعجاباً كبيراً من الجمهور، الذي ينتظر هذه المنتجات لما تتمتع به من إتقان ودقة ولمسة إنسانية واضحة، فهنا شباب في مراحل تعليمية مختلفة، ومتزوجون يعولون أسرًا، جميعهم يعملون بحب ويبدعون بإصرار".

وتضيف حشيش، داخل جمعية دنيتنا لا تصنع منتجات البامبو فقط، بل تعاد صناعة الإنسان نفسه، يستبدل العجز بالمهارة، والظلام بالإنتاج، وتتحول الحرفة إلى رسالة، مفادها أن فقدان البصر ليس نهاية الطريق، وأن اليد التي تؤمن بنفسها قادرة على أن ترى ما لا تراه العيون.
اقرأ أيضًا:
لغز اتصال الفجر.. مطالبات بفتح التحقيق في غرق شقيقين كفيفين بالإسكندرية
الأكثر قراءة
-
تبكير صرف معاشات يونيو بسبب العيد والإعفاء من رسوم السحب.. التفاصيل
-
في قضية التبرعات.. التحقيقات مع البلوجر دنيا فؤاد تكشف مفاجآت صادمة
-
أسعار إنترنت "وي" عقب الزيادة الأخيرة.. المصرية للاتصالات تطرح باقات جديدة
-
سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الخميس 7 مايو 2026.. هل البنوك إجازة؟
-
بسبب انخفاض الاستهلاك.. مخزونات النفط الأمريكية تتراجع 2.3 مليون برميل
-
نجم الأهلي يستفز الزمالك قبل سيراميكا.. ماذا قال؟
-
صفقة تاريخية منتظرة تنعش خزينة الأهلي بـ170 مليون دولار
-
ارتفاع قوي بأسعار الفضة في مصر.. كم وصل الجرام؟
أخبار ذات صلة
من وجهة سياحية إلى قاعدة عسكرية.. ما هي جزيرة قشم الإيرانية؟
07 مايو 2026 12:41 م
حقيقة القبض على زوج دنيا فؤاد.. مصادر أمنية تكشف التفاصيل
05 مايو 2026 07:05 م
إيكاروس: البنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية في مصر تصطدم بعوائق
05 مايو 2026 08:00 ص
أكثر الكلمات انتشاراً