السبت، 29 أغسطس 2026

10:34 م

"المقايضة الكبرى".. هل تملك أصول الدولة مفتاح الخروج من الديون؟

الاقتصادي حسن هيكل

الاقتصادي حسن هيكل

أثار مقترح الاقتصادي حسن هيكل بشأن التعامل مع الدين العام المحلي، من خلال استخدام جزء من الأصول المملوكة للدولة في إطار عملية مقايضة مع الديون، حالة من الجدل خلال الأيام الماضية، خاصة بعدما فهم البعض أن المقترح يتضمن بيع أصول استراتيجية للدولة، وهو ما دفع هيكل إلى توضيح المقصود من طرحه.

ويستند المقترح، في جوهره، إلى تجربة سابقة جرى خلالها التعامل مع ديون ماسبيرو من خلال مقايضة أصول مملوكة له بالمديونيات المستحقة عليه، مع نقل الدين من مؤسسة حكومية إلى مؤسسة حكومية أخرى، بما أدى إلى تصفير ديون ماسبيرو وإتاحة مساحة أكبر أمامه للإنفاق على نشاطه الأساسي.

من "المقايضة الصغرى" إلى "المقايضة الكبرى"

ووفقًا للطرح، فإن الفكرة يمكن توسيع نطاقها لتشمل الدولة ككل، بحيث يتم استخدام أصول مملوكة للدولة، وليس بالضرورة بيعها، مقابل نقل الدين العام المحلي إلى جهة أخرى داخل المنظومة المالية للدولة.

ويطرح هيكل إمكانية أن تشمل الأصول المستخدمة في العملية حصصًا مملوكة للدولة في شركات ومؤسسات عامة، أو أصولًا أخرى، مع التأكيد على أن المقصود ليس التخلي عن جميع أصول الدولة، وإنما استخدام أصول بقيمة تعادل حجم الديون المستهدفة في المقايضة.

وبحسب التصور، يمكن نقل الدين إلى البنك المركزي، على أن يحصل الدائنون، وفي مقدمتهم البنوك، على حقوق مرتبطة بهذه الأصول، بينما تتولى جهة متخصصة إدارة الأصول وتحقيق عوائد منها.

كيف تعمل الفكرة؟

لتبسيط المقترح، إذا كانت الدولة مدينة للبنوك بمبالغ ضخمة، يمكن - وفقًا للتصور المطروح - نقل هذه المديونية إلى البنك المركزي، مقابل أصول مملوكة للدولة تعادل قيمة الدين.

وبهذه الطريقة، تختفي هذه الديون من جانب الحكومة والموازنة العامة، بينما تنتقل العلاقة المالية إلى البنك المركزي، الذي يتولى إدارة العملية والأصول المرتبطة بها.

ولا يعني ذلك، وفقًا للطرح، أن الدولة تبيع كل ممتلكاتها أو تتخلى عن أصولها الاستراتيجية، وإنما أن يتم اختيار أصول محددة بقيمة تعادل الديون التي تدخل في عملية المقايضة.

كما يتضمن التصور إنشاء صندوق توضع به الأصول المستخدمة في العملية، على أن تتم إدارتها من خلال متخصصين، وتوجه الأرباح الناتجة عنها إلى الجهات الدائنة، وفقًا لنسب مشاركتها في الدين.

ماذا عن البنوك الأجنبية؟

ويمتد المقترح كذلك إلى البنوك الأجنبية التي تحمل أدوات دين حكومية، مثل أذون الخزانة، إذ يمكن - وفقًا للتصور - أن تشارك في هيكل الصندوق من خلال كيانات تمثل هذه البنوك.

ويشير الطرح إلى أن هذه الكيانات ستكون خاضعة للإطار المصري للعملية وإدارة البنك المركزي المصري، وليس للبنوك المركزية الأجنبية، باعتبار أن العلاقة تتعلق باستثمارات وأدوات دين موجودة لدى الدولة.

حسن هيكل
حسن هيكل المصرفي والاقتصادي وصاحب المقترح

مشكلات جوهرية.. لا أتفق مع المقترح

من جانبه، قال الدكتور عز الدين حسانين إنه يرى أن تطبيق هذه الفكرة يواجه مشكلات جوهرية، خاصة فيما يتعلق بالدور المنوط بالبنك المركزي.

وأوضح حسانين لـ"تليجراف مصر"، أن التصور يقوم على نقل الدين العام إلى البنك المركزي، بحيث تصبح الحكومة في النهاية خالية من هذا الدين على مستوى الموازنة، بينما يصبح البنك المركزي هو الطرف المدين للبنوك والمؤسسات الدائنة.

وأضاف أن العملية، في حال تطبيقها، يمكن أن تشمل أصولًا بقيمة الديون محل المقايضة، وليس جميع أصول الدولة، مع وضع تلك الأصول في صندوق يتولى البنك المركزي الإشراف على إدارته من خلال متخصصين.

"البنك المركزي ليس شركة لإدارة الأصول"

ويرى الخبير المصرفي عز الدين حسانين، أن المشكلة الأساسية تكمن في تحميل البنك المركزي مهمة لا تدخل ضمن اختصاصاته الأساسية.

وقال إن البنك المركزي معني أساسًا بإدارة السياسة النقدية، والحفاظ على استقرار الأسعار ومواجهة التضخم، إلى جانب الرقابة على الجهاز المصرفي، وليس إنشاء صناديق لإدارة أصول الدولة أو الدخول في عمليات لإدارة ممتلكات حكومية بهذا الحجم.

وبحسب رؤيته، فإن نقل هذا العبء إلى البنك المركزي قد يمثل إضافة كبيرة إلى مهامه، فضلًا عن أن الصندوق المقترح نفسه سيكون مرتبطًا بالتزامات مالية تجاه البنوك الدائنة.

وأوضح حسانين أن تقييم الفكرة لا يمكن أن ينطلق فقط من القول إن البنك المركزي غير مختص بإنشاء أو إدارة صندوق، خاصة مع وجود صندوق مصر السيادي كإطار قائم يمكن أن يكون له دور في هيكلة وإدارة بعض الأصول.

وأشار إلى أن الإطار القانوني المنظم لعمل الصندوق السيادي يمنحه استقلالية واسعة، كما يسمح له بالدخول في علاقات مالية تتعلق بالاقتراض والإقراض وفقًا للضوابط القانونية.

عز الدين حسانين
الخبير المصرفي عز الدين حسانين

هل يعني المقترح بيع قناة السويس؟

وكانت الإشارة إلى إمكانية استخدام ملكية الدولة في بعض المؤسسات أو الأصول الاستراتيجية، ومن بينها قناة السويس، سببًا رئيسيًا في حالة الجدل التي صاحبت المقترح.

إلا أن جوهر الطرح، كما جرى توضيحه، لا يقوم على بيع جميع أصول الدولة أو التخلي عن ملكيتها، وإنما على استخدام أصول محددة تعادل قيمة الديون التي تدخل في عملية المقايضة.

وبالتالي، فإن الفكرة المطروحة أقرب إلى إعادة هيكلة للدين باستخدام أصول مملوكة للدولة كغطاء أو مقابل مالي، وليس بيعًا شاملًا لممتلكات الدولة.

وفيما يتعلق بإمكانية إدخال قناة السويس ضمن الأصول المستخدمة في المقايضة، يرى حسانين، أن قناة السويس نفسها يجب ألا تكون محل اقتراب أو مساس بملكيتها، باعتبارها أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة ومصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي.

وأوضح أن الأمر قد يكون مختلفًا بالنسبة إلى الشركات التابعة أو الكيانات المرتبطة بهيئة قناة السويس، إذ يمكن من حيث المبدأ بحث إمكانية التعامل مع بعض هذه الشركات إذا كانت طبيعة ملكيتها وهيكلها القانوني يسمحان بذلك، وبما لا يمس ملكية قناة السويس نفسها أو الأصول السيادية المرتبطة بها.

اقرأ أيضًا:

صندوق النقد يتوقع تراجع ديون مصر لأقل من 75% في 2031


 

تابعونا على