المستشار محمد نجيب يكتب: تسعير المحامين.. إعلان مستفز في إطار مشروع!
أعتقد أن السبب وراء الجدل الكبير الذي أثاره إعلان المحامي أشرف نبيل عن حاجته إلى قضاة وضباط شرطة سابقين للعمل بمكتبه هو اعتباره حكماً على مهنة المحاماة أكثر من كونه مجرد إعلان توظيف، وهذه نقطة مهمة يمكن أن نفكك بها حالة الغضب لدى الفئات الثلاث "القضاة ورجال الشرطة والمحامين" من الإعلان الذي رأوه استفزازيًا واستعراضياً لدرجة غير مقبولة.
كمحام أدرك أن من حق أي مكتب محاماة، صغيرًا كان أو كبيرًا، أن يختار فريق العمل الذي يراه مناسبًا لطبيعة القضايا التي يتولاها، وأن يبحث عن أشخاص يمتلكون خبرات بعينها، حتى لو كانت هذه الخبرات قد اكتسبوها قبل انتقالهم إلى المحاماة.
بل إنني أرى أن الاستعانة بقاضٍ، أو عضو نيابة، أو ضباط شرطة سابقين، داخل مكتب متخصص في القضايا الجنائية، أمر منطقي ومفهوم من الناحية المهنية.
جميعنا يملك خبرات مختلفة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع مكتبًا من جمعها تحت سقف واحد، لذا دعونا نتفق أنه ليس في حد ذاته أمرًا مستفزًا أن يبحث مكتب محاماة عن قاضٍ أو ضابط سابق.
المستفز الذي أثار حساسية كثير من المحامين، في رأيي، ليس طبيعة الوظائف بقدر ما كان الترتيب وتفاوت الرواتب "التي أراها هزيلة بالمناسبة"، فعندما يقرأ المحامي إعلانًا يحدد راتبًا يصل إلى 50 ألف جنيه لفئات من القضاة أو رجال الشرطة السابقين، بينما يحدد 20 ألف جنيه للمحامين المقيدين ابتدائي واستئناف، فمن الصعب أن تطلب منه أن يقرأ الأمر باعتباره مجرد قائمة وظائف محايدة.
ولا أريد الذهاب بعيداً في انتقاد الإعلان أو صاحبه، لأنني واقعياً أطبق وأدرك أن هناك أسباب مهنية حقيقية وراء فوارق الأجور، وقد يرى المكتب أن خبرة معينة يحتاج إليها تحديدًا تستحق هذا المقابل، ولا أحد يملك أن يفرض على صاحب العمل سلمًا موحدًا للرواتب.
لكن الراتب في الإعلان ليس رقمًا فقط، إنه رسالة عن القيمة التي يمنحها صاحب الإعلان لكل فئة، وهنا يصبح من حق المحامي أن يسأل: هل التفاوت في الرواتب المطروحة بسبب سنوات الخبرة فقط، أم بين الألقاب التي يحملها الشخص، وهل الـ50 ألف جنيه هي ثمن الخبرة التي اكتسبها الشخص، أم أن جزءًا من القيمة التي جرى تسعيرها هو «الصفة السابقة» نفسها؟
علينا أن ننتبه كذلك إلى خطأ آخر وقع فيه بعض المتفاعلين مع الإعلان، وهو تحويل الأمر إلى مواجهة بين المحامين من جهة، والقضاة وضباط الشرطة السابقين من جهة أخرى، وهذا غير منطقي، فالقاضي والضابط السابقين ليسا خصمًا للمحامي، وعندما يقرر أحدهم بعد خروجه من وظيفته أن يعمل في مجال المحاماة، فهو لا يرتكب تجاوزاً، ولا يفقد خبرته السابقة لمجرد أنه غادر المؤسسة التي كان يعمل فيها، بل إن العكس هو الصحيح فقد تكون خبرته إضافة حقيقية لمكتب محاماة، وأنا شخصياً لدي أصدقاء كثر التحقوا بالقضاء الواقف بعد سنوات قضوها جالسين على منصة القاضي وأبدعوا في الحالتين، ومثلهم رجال شرطة برعوا في منتهم الشاقة وتألقوا كمحامين.
وبالضرورة، هناك خط يجب أن يكون واضحًا للجميع، وهو أن الخبرة السابقة مرحب بها، أما النفوذ السابق فلا ينبغي أن يكون جزءًا من الصفقة وهذا فارق جوهري، كما أن الحقيقة التي لا تقبل مجالاً للشك أن مهنة المحاماة ليست أقل شأنًا من القضاء أو النيابة أو الشرطة حتى تحتاج إلى استعارة هيبتها من هذه المؤسسات.
لكل مؤسسة دورها، ولكل مهنة خبرتها، والحقيقة أن المحامي الجنائي المحترف قد يمتلك خبرة لا تقل أهمية عن أي خبرة أخرى داخل منظومة العدالة، لأنه يتعامل مع القضية من زاوية مختلفة تمامًا فهو الذي يقرأ محضر الشرطة بعين الشك المهني، ويقرأ تحقيقات النيابة بعين الباحث عن الثغرات، ويقرأ الحكم بعين الباحث عن أسباب الطعن ويحاول أن يفهم كيف تنظر المحكمة إلى كل ذلك.
لذلك ليس من العدل أن يصبح مجرد وجود «قاضٍ سابق» في السيرة الذاتية سببًا تلقائيًا لمنحه قيمة أعلى من محامٍ قضى حياته في المهنة، وفي الوقت نفسه، ليس من العدل أن نعتبر الخبرة القضائية السابقة بلا قيمة لمجرد أنها ليست خبرة محاماة.
المشكلة ليست في اختلاف قيمة الخبرات، وإنما في تحويل هذا الاختلاف إلى ترتيب لقيمة الأشخاص والمهن، وهذا قد يكون سبب الحساسية المفرطة التي صاحبت الإعلان الذي لم يلق قبولاً سواء من القضاة أو ضباط الشرطة أو المحامين فليس من المنطقي أو المقبول أن يوظف رواد العدالة بهذه الطريقة!
المحامون لا يقرأون إعلانًا كهذا بطريقة عادية لأنهم يعيشون أصلًا في مساحة شديدة الحساسية مع مؤسسات العدالة الأخرى، ويرفضون أن تُعامل مهنتهم باعتبارها الطرف الأضعف في منظومة يفترض أن تكون أدوارها متكاملة، وقدد عزز الأستاذ أشرف نبيل هذا الإحساس بالمحتوى المستفز للإعلان.
في رأيي، كان يمكن صياغة الإعلان بطريقة أكثر ذكاءً وأقل إثارة للجدل، فبدلًا من أن يبدو كأنه يضع «القاضي السابق» و«ضابط الشرطة السابق» في مرتبة مهنية أعلى من «المحامي»، كان يمكن التركيز على نوع الخبرة المطلوبة، دون أن يتطرق إلى تحديد الرواتب أو الفوارق المادية.
ربما يكون أفضل ما فعله هذا الإعلان أنه فتح نقاشًا كان مؤجلًا، ليس عن أشرف نبيل، ولا عن قاضٍ أو ضابط سابق، بل عن كيف نقيس قيمة الخبرة داخل مهنة العدالة، وهل نكافئ الشخص على ما يعرفه فعلًا، أم على المؤسسة التي جاء منها، وهل يمكن أن تنتقل الخبرة من مؤسسة إلى أخرى من دون أن تنتقل معها السلطة؟
أعتقد أن الإجابة يجب أن تكون واضحة: نعم للخبرة، نعم لتنوع المسارات المهنية، نعم للمنافسة على أفضل الكفاءات، لكن في المقابل لا لتسعير الهيبة، ولا لتحويل الرتبة السابقة إلى قيمة سوقية دائمة، ولا لاستخدام النفوذ السابق كميزة مهنية، ولا للانسياق وراء نمط متكرر لإثارة الجدل وصناعة الترند!
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
-
قبل بدء الدراسة.. موعد صرف مرتبات سبتمبر 2026 للموظفين
-
براتب 10 آلاف دولار.. الإعلان عن وظيفة جديدة في السفارة الأمريكية بالقاهرة
-
سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه اليوم الأحد 6 سبتمبر 2026
-
مفاجآت في قائمة الأهلي أمام المقاولون العرب
-
"مدفعليش فلوسي".. خِصم صلاح يكشف تفاصيل اتهامه أمام محكمة القاهرة الجديدة
-
قبل معسكر المنتخب.. إصابة نجم الفراعنة تربك حسابات العميد
-
مشاهدة محمد صلاح.. بث مباشر طرابزون وجينشلربيرليجي في الدوري التركي
-
هل تضرب "النينيو" مصر؟.. "الأرصاد" تكشف حقيقة تأثيرها على الطقس
مقالات ذات صلة
مع احترامي لذكاء حضرتك.. لست صديقي!
04 سبتمبر 2026 05:18 م
بين الصين وأمريكا.. مصر الجائزة الكبرى
02 سبتمبر 2026 06:02 م
قناة السويس.. ناقوس الخطر!
30 أغسطس 2026 04:03 م
من "روضة التدبر" إلى "مذبحة 15 مايو"
16 أغسطس 2026 02:22 م
أكثر الكلمات انتشاراً