عيش السرايا
تشتهر مصر على طول التاريخ بالإبداع والتفرد. والمأكولات المصرية الشهية منها الحلو ومنها الحادق، ويمتد تاريخ مصر في الحلوى إلى عصور الفاطميين والمماليك والعباسيين والأسرة العلوية. وتضاربت الأقاويل حول نسب بعض الأنواع إلى بلاد الشام أولا أو العراق أولا أو مصر أولا، ولكن دعونا من حلاوة البدايات ونتوغل في كنافة النهايات.
وفي غفلة من الزمن وتحديداً في رمضان 2010 هبطت سفينة فضائية غير معلومة بخلطة جديدة على محال الحلويات تسمى الكنافة بالمانجة، وكعادة المصريين، انقسمنا ما بين مؤيد للتجديد ومعارض له.. وأن من حق المانجة أن تأخذ فرصتها في سوق الحلويات والابتعاد قليلا عن أرفف سوق العبور.
وإلى هنا انتهت مرحلة التطوير والإبداع وبدأنا مرحلة التقليد المستمر المستميت اللانهائي وبدون تطوير، الاختلاف الوحيد هو نوع البراند وسعره فقط، لكن في الآخر نفس الكنافة ونفس المانجة....
ولكن في ظل هذه العاصفة الجرارة من التقليد وعدم التطوير ظهر من بعيد من أخذ على عاتقه تطوير منتج آخر قديم قِدم التاريخ وله زبونه ولكن عزيز له رونقه... ثقيل على رف تلاجة الحلواني، هو عيش السرايا.
أتحفنا القدر بثاني أجمل مذاق بعد البسبوسة بالبندق والقشطة وهو عيش السرايا في ثوبه الجديد، بعد أن كان صينية كبيرة لا نستكملها ونلقى بنصفها على الأقل، و في أغلب الأوقات تصبح ناشفة فتفقد الكثير من سحرها، أصبحت الآن قطع صغيرة أقل من حجم مشط الكبريت وتسبح بحرية مطلقة في الكريمة اللباني في أكواب صغيرة كان لها الفضل في إحياء عنصر هام من عناصر الحلوى المصرية أو الشرقية العريقة.
هذا هو الفرق بين التقليد والإبداع يا سادة.... الإبداع من التفرد والتميز والتقليد من الإفلاس والجمود الفكري، هناك شخص قرر أن يتميز وهناك آخر لم يقرر ولكنه قفز في قطار الترند، أسهل وأوفر لأن التفكير مرهق، والتفكير قد يدفعك إلى تجربة جديدة ومخاطرة لا تقوى على تحملها، فتنتظر التجربة من الآخرين وليتحمل هو المخاطرة، فإذا نجح قلدناه وإذا فشل واسيناه.
ومن الممكن أن تدعى أنك الأصلي أو صاحب السبق في حالة النجاح طبعاً، فلن يدرك المشاهدون الفرق، في الشكل ولا حتى الطعم، فالتقليد أصبح في كل شيء، طالما البلوجر تذوق وحدثنا بلغة الجوسي واللوسي فلن "نكسر" له كلمة ولن نقلل من اللايك والشير له، وسنتحدث مثله، فبعد أن حشدت أصدقائك وتوجهت للمطعم الذي تحدث عنه أحسن فوود بلوجر من وجهة نظرك وقمت بالتقاط الصور السيلفى وفيديو الأكل الساخن والواااو.
هل من الممكن بعد كل هذه النفقات أن تقول أن الطعام سيء؟ والمئات قبلك حدثوك عن طعامته وحركاته وتكاته، هل تريد التقليل من شو الطبلة والراقصة وزفة الملوخية وتقول إن الملوخية ناقصة طشه؟!!! لن يحدث يا عزيزي.
هل تبحث عن نشاط جديد؟ لماذا هذا الجهد؟ فلتبحث عن متر في متر غير مستغل في شارع به خمسة آلاف محل لتصليح الهواتف و بيع الجرابات و "تسترزق" زيهم وبما أنهم كسبوا جميعا من نفس النشاط فبالضرورة سوف تكسب وتنجح مثلهم، لكن السؤال الأكبر والأهم هو. ما هي تكلفة الإبداع وما هي تكلفة التقليد؟
تكلفة الإبداع هي إجهاد الذهن، الوقت، المخاطرة، التجديد، تحليل السوق والبيانات، البحث والمقارنات، التفرد، التميز، السبق، لحظة السعادة بالمنتج غير المسبوق، بصمتك في المجال، الاستمرار...
أما تكلفة التقليد فهي صفر يضاف عليه حرمانك من سعادة الإبداع والتفرد، ومن الممكن والمحتمل أن تغلق هيئات الملكية الفكرية وبراءات الاختراع مقارها لعدم وجود حاجة إليها.
أصبح العالم يعدو مسرعا نحو التسطيح الكامل للفكر والإبداع والتجديد لسهولة التحكم به وتوجيهه، أصبح الأكل مذاقه غير مستساغ، فليس المهم ما تأكل، المهم الشو المصاحب للأكل.
الأكثر قراءة
-
إيه السبب؟.. القصة الكاملة للقبض على صبري نخنوخ وشقيقه بالقاهرة
-
مليون جنيه و3 سيارات ومشغولات ذهبية.. قائمة مضبوطات بحوزة صبري نخنوخ وأعوانه
-
استبعاد مسؤول بـ"تعليم" القليوبية وإحالته للتحقيق بسبب فيديو متداول
-
بعد استدراجهن.. ضبط طالب يدير محل إكسسوارات بالزقازيق يبتز الفتيات
-
"مراعاش إني ربيته وكبرته".. مُسن يستغيث بعد اعتداء ابنه عليه في البحيرة
-
في مونديال 2026 ما يستحق الحياة!
-
أكثر من 20 ضحية.. الأمن يفحص مزاعم تورط شخص في استدراج فتيات وابتزازهن بالشرقية
-
بعد 4 أيام من العثور على جثمانه.. كشف لغز مقتل سائق تاكسي بالفيوم
مقالات ذات صلة
الفضول رذيلة أم فضيلة؟
19 أبريل 2026 06:08 م
تجارة الأعراض
11 أبريل 2026 04:42 م
الميراث....
04 أبريل 2026 09:53 ص
تضييع وقت
28 مارس 2026 12:07 م
نحن أيضا نحارب!
09 مارس 2026 09:15 ص
حكاية "السيطرة الصامتة" (سيرة)
17 يناير 2026 08:30 ص
النوستالجيا
03 يناير 2026 01:19 م
دورة حياة الإهمال
27 ديسمبر 2025 08:30 ص
أكثر الكلمات انتشاراً