ثمن القيمة
في عصر المعرفة الفوضوية تجتاح المعلومات والبيانات الغير دقيقة مثيلتها من المعلومات والبيانات الدقيقة، وتتصارع الأخبار الصحيحة والحقيقة مع المزيفة والمجتزأة، وتعمل محركات البحث الرقمية على ترويج المعلومات المزيفة بشكل أسرع وأوضح لما له من مردود تجاري يقدر بخمس أضعاف ويزيد للترويج للمعلومات الحقيقية وفق ما تحدث به فرانسيس هوجين وبعد إفصاح واعترافات تريستان هاريس المسئول عن تكنولوجيا الإقناع فى جوجل سابقا ثم فيسبوك.
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تتحكم في الحالة المزاجية للمجتمعات، فهي المسئولة عن بث التفاؤل والأمل والمسئولة عن إحباطك والمسئولة عن خوفك أو شعورك بالاطمئنان، حتى أنها أصبحت وحدة قياس لمدى التحكم بالمجتمعات والعبث بشعور المستخدمين بقيمة الذات والهوية الرقمية لديهم بعد ما تعمقت وتجذرت وسائل التواصل الاجتماعى بجذع الدماغ.
وفي رحايا العالم الرقمي تتساقط منا بعض القيم المستمدة من الهوية والثقافة الخاصة بكل مجتمع نظير القليل من الأثمان الرقمية مثل الشهرة وحب الظهور والتعلق بقطار التريند، والترويج لمنتجات قليلة الثمن نظير قيم لا تعوض، فنرى القيم يتم تسعيرها ونرى المنتجات تباع كقيم، فتفقد القيمة معناها ويصبح لبخث الأثمان قيمة...وهذا هو ثمن القيمة.
فقيم الحق، الأمانة، المروءة، الإخلاص، النقاء، الصدق، العدل والنزاهة، أصبحت سلعة لكنها غير مربحة، وترويج الأكاذيب والخداع والفظاظة والخسة والمحتوى الفارغ والتنمر والتشفى يدفع فيهم الكثير من الإعجاب.
والإعجاب يذهب بك إلى قمة التريند حتى تصير من المشاهير من ثم تبدأ المنصات تروج لهذه التُرّهات وتدر على جميع الأطراف الأموال والأسطوانات البلاتينية، والمحتوى الهادف تجد الإقبال التجاري عليه ضعيفاً في السوق الرقمي لأن تجار الجملة الرقميون لا يرون فيه جذابية، فقيم المجتمع تحولت إلى الضحك والتلصص على أخبار وفضائح الآخرين وتصوير المحتاج والغريق عوضاً عن إنقاذ حياتة ومعاونته، وهذا هو ثمن القيمة الآن.
كانت العلاقة بين المادة والقيمة علاقة متقلقلة بين من يملك الثمن ومن يملك القيمة، وعبر سجلات الدراما والسينما قديماً شاهدنا كيف كانت القيمة لا تباع وحتى فى ندرة بيعها كانت عزيزة الثمن، واليوم عبر سجلات الواقع الحقيقي والرقمى، القيمة أصبحت مُسلعة على أرفف الصفحات للعرض والطلب.
وتظل الأسئلة الوجودية قائمة لا إجابة لها، ما قيمة الحب في وجود التنمر وما قيمة المروءة في ظلال اللامبالاة، ما قيمة الإخلاص في وجود الخداع والإهمال ما هو ثمن الحق؟ كيف تقدر القيمة بثمن؟ وماذا يحدث للمجتمعات عندما تُسلّع قيمها؟
يصبح التريند سيد الموقف، ويقاس الرأي العام من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وفق معايير غرائزية وعاطفية وليس علمية وعقلية وواقعية، يتحكم في العقول كل متحكم في المشاعر سواء عن طريق النكت أو الدراما السلبية واستثارة النخوة الدينية، فتخرج علينا الحكومات منددة بالاستجابة لزيف المشاعر والشائعات والمذبذبات النفسية.
فالتريند الذي لا يتعدى مئات الآلاف من المتابعين يتحكم في المزاج العام العالمي والمحلي ولا يتوقف تأثيره عند المتابعة فحسب، بل يتخطى لمرحلة العدوى، فيرغب كل فرد من المتابعين أن يكون هو الآخر التريند التالي، ويشار إليه في البرامج ويستدعيه الإعلاميون في البرامج الكبرى ذات الكثافة الإعلانية لزيادة الأرباح من جراء اللاشئ واللاقيمة التي نشرها.
فتذهب القيم أدراج الرياح من اندفاع الملوثات الرقمية ذات الثمن البخث، حتى أنت عزيزي المشاهد تتنازل عن العديد من القيم من إدمانك مشاهدة اللامحتوى وسماع السلع الرديئة، تفقد الكثير من إنسانيتك وأنت تشاهد فضائح الآخرين، تفقد الكثير من هويتك وأنت تردد النكات السياسية والعنصرية والطائفية، تفقد الكثير من قيمك وأنت لا تدافع عن هويتك وتحاول حمايتها من الذوبان، أصبحت القضايا هي التريند، وتختفي باختفائه ولا تختفي بالحل، يتفاعل المسئول مع القضية إذا أصبحت تريند وتنتهى بإبراز اهتمامه بها وليس حلها.
لا تفرّط في القيمة مهما كان الثمن ولا تفرح بثمن القيمة فالقيمة لا تقدر بثمن.
الأكثر قراءة
-
تطورات بقضية دهس "الطالبة جنى" على يد والدة زميلها أمام مدرسة بالشروق
-
بشأن رسوم الخدمات، قرار هام من البنك الأهلي لأصحاب المعاشات
-
سعر الكتكوت الأبيض اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 وأحدث أسعار الدواجن
-
"مش أول مرة"، أول رد من المعهد الأزهري بالأقصر على فيديو "الطربوش والدموع"
-
نتيجة 2026، التقويم الميلادي والهجري الكامل للعام الجديد
-
مواقيت الصلاة في مصر اليوم السبت 29 نوفمبر 2025
-
حالة الطقس غدًا الأحد 30 نوفمبر 2025، انخفاض درجات الحرارة وشبورة على الطرق
-
مليون عميل في شهر، هل أصبحت شركات التقسيط "منقذ" احتياجات المواطن؟
مقالات ذات صلة
ماذا عن مزاجنا العام؟!
22 نوفمبر 2025 08:30 ص
جلابية بارتي
15 نوفمبر 2025 08:30 ص
الفطرة والقانون
07 نوفمبر 2025 09:38 م
المتحف المصري الكبير
01 نوفمبر 2025 09:25 ص
أكثر الكلمات انتشاراً