سرقة الكهرباء تصعق خزانة الدولة بـ23 مليار جنيه، هل تنقذها تعديلات القانون؟
سرقة الكهرباء
تبدو تعديلات قانون الكهرباء المطروحة على مجلس الشيوخ، في ظاهرها، محاولة حاسمة لوضع حد لنزيف مزمن عانت منه الدولة لسنوات طوال، وهو سرقة التيار الكهربائي، تلك الجريمة التي تلتهم مليارات الجنيهات سنويًا وتضغط على الشبكة وتربك حسابات شركات التوزيع.
لكن خلف لغة القانون الصارمة، تتوارى أسئلة أكثر تعقيدًا.. هل تستهدف التعديلات السارق الحقيقي؟ أم تنقل عبء الإخفاق الإداري إلى صغار التجّار وأصحاب الورش؟ وهل تنهي الفوضى فعلًا، أم تعيد إنتاجها في صورة غرامات مضاعفة؟
"محضر بأثر رجعي".. قصة صاحب مخبز
يروي محمود عمر بركات، صاحب مخبز بمحافظة المنوفية، تجربته التي تلخص مأزقًا يتكرر في أكثر من منطقة، حيث تقدّم بطلب إلى شركة الكهرباء لتوصيل التيار إلى مخبزه، وبناء على الطلب وافقت الشركة على توصيل التيار بنظام الممارسة، وبدأ تنفيذ ذلك في يونيو 2025، بعد أن سدد 67 ألف جنيه دفعة واحدة في البداية، ثم بدأ في سداد قيمة الممارسة بانتظام شهريًا.
لم تنتهِ قصة بركات مع القيمة التي سددها في البداية، حيث تفاجأ صاحب المخبز بتحرير محضر ضده وقيمة غرامات ومخالفات تم تقديرها بأثر رجعي لمدة عام كامل وصلت إلى 1.3 مليون جنيه، رغم أنني لم أبدأ ممارسة الأحمال الفعلية إلا منذ خمسة أشهر فقط".

يؤكد صاحب المخبز أنه تقدّم بعدة شكاوى رسمية إلى شركة جنوب الدلتا لتوزيع الكهرباء، ولا يزال ينتظر الرد، في وقت باتت الغرامة تهدد استمرارية نشاطه بالكامل.

3000 جنيه هتكفي مين؟
داخل منظومة توزيع الكهرباء نفسها، تتكشف صورة أكثر تعقيدًا، حيث يقول (خ.أ)، عامل سابق بإحدى شركات التوزيع بمنطقة المعادي: إن الممارسات غير القانونية لا تتم دائمًا من خارج المنظومة، بل كثيرًا ما تسهل من الداخل مقابل رشاوى.
ويوضح مصدر له علاقة بإحدى شركات الكهرباء أن التحايل يتم بطريقتين الأولى خارج العداد، وهي الأسهل اكتشافًا، والثانية من داخل العداد نفسه عبر مقاومات أو توصيلات دقيقة، وهي الأخطر.
ويضيف: “أنا شخصيًا لا أفضل اللعب داخل العداد، لأنه لو اتكشف المحضر بيتحرر باثنين، لكن في طرق تانية تتم عن طريق كهربائيين من خارج الشركة”.
ويشير إلى أن الممارسة لا تُحسب دائمًا على أساس الاستهلاك الفعلي، بل أحيانًا تخضع لتقدير الموظف القائم على المعاينة، ما يفتح بابًا واسعًا للتفاوت، فمثلًا شقتان نفس المساحة ونفس الاستهلاك، واحدة تدفع 500 جنيه والثانية 1000 جنيه حسب تقدير الموظف".
سرقة على المكشوف
في أحد الأحياء الشعبية، يروي "عياد.ف" (42 عامًا)، عامل بإحدى شركات القطاع الخاص، كيف كان جاره يدير فرن خبز بالكهرباء المسروقة.
يقول: "جاري كان يحصل على الكهرباء من كشك تابع للشركة، وعندما ينقطع التيار عن شارعه، يمد الأسلاك إلى كشك آخر في شارع مجاور، مغيرًا مسار السرقة حسب ظروف التغذية".

توصيلات خفية
في رواية أخرى، يشرح صاحب "سوبر ماركت" كيف تدار السرقة من خلف العدادات، عداد رسمي في الواجهة، وتوصيلات خفية خلفه، تضمن استمرار تشغيل الثلاجات حتى أثناء حملات مباحث الكهرباء، حيث يفصل الكهرباء عن المحل ظاهريًا، بينما تبقى الأحمال الثقيلة تعمل.
إهدار 23 مليار جنيه بسبب سرقة الكهرباء
تؤكد بيانات وزارة الكهرباء أن الحملات الأمنية كشفت آلاف من حالات سرقة التيار الكهربائي خلال فترات زمنية قصيرة، ففي بيان رسمي، أعلنت الوزارة ضبط 5411 حالة سرقة ومخالفة على مستوى الجمهورية، وتحصيل غرامات تجاوزت 3 ملايين جنيه، مع تصدر القاهرة والجيزة للمشهد.
كما حررت الوزارة وفق بيانتها الرسمية 1.9 مليون محضر سرقة تيار كهربائي خلال 6 أشهر بقيمة تجاوزت 4.2 مليار جنيه، في مؤشر يعكس اتساع الظاهرة، لا انحسارها، ووفقًا لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي فإن مصر فقدت نحو 23 مليار جنيه نتيجة لسرقات التيار الكهربائي ما دفع الحكومة لإعداد مشروع قانون جديد يدرس حاليًا بمجلس الشيوخ لتغليظ عقوبة السرقة.
وتفيد البيانات الرسمية بأن نسبة الفاقد الكلي في الشبكة يبلغ نحو 18%، منها ما بين 7% و11% فاقد تجاري (سرقات)، والباقي فاقد فني.
عقوبة سرقة الكهرباء في القانون الجديد
يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استولى بغير حق على التيار الكهربائي، وتضاعف العقوبة في حالة العود.
كما تكون العقوبة الحبس لمدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن 200 ألف جنيه ولا تزيد على مليوني جنيه إذا وقع التدخل العمدي في تشغيل المعدات أو ارتباط الجريمة بانقطاع التيار الكهربائي.
وفي جميع الحالات، تلتزم المحكمة بإلزام المحكوم عليه برد مثلي قيمة الاستهلاك المستولى عليه، فضلًا عن نفقات إعادة الشيء إلى أصله.
وفيما يخص الصلح، نصت المادة 71 مكرر على إمكانية الصلح وفق قانون الإجراءات الجنائية في الحالات المنصوص عليها بالمادة 70، بحيث يتم سداد مثلي القيمة في حال التصالح قبل الإحالة للنيابة، وثلاثة أمثال القيمة إذا تمت الإحالة، وأربعة أمثال القيمة إذا صدر حكم بات.
فلسفة القانون تقوم على التصالح لا العقاب الجنائي
في السياق ذاته، شدد وزير الشؤون النيابية والقانونية، المستشار محمود فوزي، على أن فلسفة القانون تقوم على التصالح لا العقاب الجنائي، وإتاحة الفرصة لسداد قيمة الاستهلاك الفعلي بدلًا من الزج بالمواطنين في المحاكم.

وأضاف فوزي أن نظام التصالح يسمح للمخالف بسداد قيمة الاستهلاك الفعلي دون وجه حق، على أن تختلف قيمة التصالح بحسب مرحلة اكتشاف المخالفة، مع زيادة المبلغ كلما تأخر المخالف عن إنهاء التسوية، مشددًا على أن الحكومة لا تسعى لملاحقة المواطنين قضائيًا، بل تهدف لمنع سرقة التيار وضمان تحصيل مستحقات الدولة بكفاءة.
وردًا على الانتقادات بشأن العدالة بين من يسرق الكهرباء للاستخدام المنزلي ومن يستخدمها تجاريًا، أكد فوزي أن كل من ارتكب مخالفة يحاسب، بغض النظر عن حجم الفعل، مع مراعاة التدرج في قيمة التصالح حسب حجم الاستهلاك، حيث تكون منخفضة في الاستهلاك البسيط ومرتفعة في الاستهلاك التجاري أو الصناعي الكبير.
اعتراضات سياسية: زيادة حصيلة لا إصلاح
في المقابل، يرى رئيس حزب الجيل الديمقراطي عضو مجلس الشيوخ، ناجي الشهابي، أن التعديلات مرفوضة من حيث المبدأ، معتبرًا أنها تستهدف زيادة الحصيلة المالية أكثر من معالجة جذور المشكلة.

وأوضح الشهابي أن التعديلات ركزت على تغليظ العقوبات وتحويل المخالفات الإدارية إلى أعباء مالية مباشرة على المواطنين، دون تقديم حلول فعالة لمعالجة الفقد الفني أو تحديث الشبكات، ما يهدد استقرار صغار التجّار وأصحاب الورش ويخلق احتقانًا اجتماعيًا بسبب الغرامات المبالغ فيها.
وأشار إلى أن العدادات الكودية تمثل حلًا انتقاليًا غير كافٍ، داعيًا إلى التوسع في العدادات الذكية، وتشديد الرقابة، وتبسيط إجراءات التقنين.
وطالب الشهابي بإعادة صياغة التعديلات لتكون أداة للإصلاح والتنظيم، مع التفريق بين السرقة العمدية والمخالفة غير المقصودة، وفرض تدرُّج في العقوبات، وحماية المواطنين وأصحاب الأنشطة الاقتصادية الصغيرة من الغرامات الجائرة، على حد وصفه.
العقوبة وحدها لا تكفي
فيما يرى خبير الطاقة، المهندس حافظ سلماوي، أن تشديد العقوبات خطوة جيدة نظريًا، لكنه في الوقت ذاته يحذّر من أن المبالغة في العقوبة قد تؤدي إلى عدم التطبيق.

ويؤكد أن المشكلة ليست في نص العقوبة، بل في آلية تنفيذها وعدالة تطبيقها، ويربط سلماوي بين سرقات الكهرباء وزيادة الأعطال، موضحًا أن الأحمال غير الشرعية ترهق الشبكات وتؤدي إلى انقطاعات متكررة، معتبرًا أن تقليل السرقات سينعكس إيجابًا على جودة الخدمة.
ونفى أي علاقة بين تشديد العقوبة وارتفاع فواتير الكهرباء، موضحًا أن القانون يستهدف المخالفين بغض النظر عن كمية الكهرباء المسروقة، فالجريمة واحدة في جوهرها والاختلاف فقط في نوع العقوبة.
اقرأ أيضًا:
الغرامة تصل مليون جنيه، تفاصيل مشروع قانون الكهرباء الجديد
22 مليار جنيه خسائر.. الحكومة تكشف أسباب تعديل قانون الكهرباء
تغليظ عقوبات سرقة الكهرباء يثر الجدل.. لماذا رفضه بعض النواب؟
الأكثر قراءة
-
مشاهدة مباراة ريال مدريد ضد ريال بيتيس اليوم مباشر
-
بعد إغلاق المجال الجوي اليوناني، مطار القاهرة يرفع درجة الاستعداد القصوى
-
أصيبت بالعصب السابع، تفاصيل حالة لقاء سويدان الصحية (خاص)
-
هل اشترى صلاح آيفون لكل لاعب ومعدات بـ200 ألف جنيه؟ حسام حسن يرد
-
مجانا، مشاهدة مباراة المغرب وتنزانيا مباشر اليوم في كأس أمم أفريقيا
-
فنزويلا اليوم.. إيران غدًا؟
-
رعب في مزرعة البط، الأمن يفحص فيديو السطو المسلح بشبر الخيمة
-
اعرف نتيجة مسابقة شيخ الأزهر 2026 بالاسم في دقائق عبر هذا الرابط
أخبار ذات صلة
"سجن النجوم"، تفاصيل احتجاز الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته في نيويورك
04 يناير 2026 08:29 ص
يرويها آباء ضحايا السرطان، "غرف التلطيفي" شاهدة على حكايات ألم لا يعرف الشفاء
01 يناير 2026 05:23 م
"لست سعيدًا من بوتين"، هل يلقى الرئيس الروسي مصير مادورو؟
04 يناير 2026 04:52 ص
ترامب يهدد كوبا وكولومبيا، هل يتكرر سيناريو فنزويلا في أمريكا اللاتينية؟
04 يناير 2026 09:19 ص
أكثر الكلمات انتشاراً